يستقر عقرب الساعة عند التاسعة صباحا، تتخطى الباب الحديدى المفضى إلى محكمة الأسرة بمدينة نصر بخطوات واثقة، وبعين يملأها الحزن والحذر أخذت تتفحص أرجاء المكان بحثا عن ركن هادئ تغرق فيه بهمومها بعيدا عن أنظار المتطفلين وزحام المتنازعين.

وبعد عناء، تجد "ن. م"، الزوجة، التى تخطو أولى خطواتها فى عامها الأربعين، ضالتها فى كرسى معدنى قابع وحيدا فى طرقة طويلة أرضيتها خشنة ومتسخة وفى نهايتها أبواب خشبية متهالكة، تهرع السيدة صوبه وعلامات الارتياح ترتسم على ملامح وجهها الخمرى، تسقط بجسدها المنهك عليه، ثم تلتقط من حقيبتها الجلدية الأنيقة حافظة مستندات باهتة اللون بها أوراق دعوى نفقة الصغار التى أقامتها ضد زوجها بعد كفه عن الإنفاق عن طفليه.

وتقول الزوجة الأربعينية فى بداية رواية تفاصيل حكايتها لـ"صدى البلد": "إنني تزوجته بطريقة تقليدية منذ ما يقرب من 15 عاما بعدما رشحته لى إحدى زميلاتى بالمدرسة، وقالت لى عنه إنه دمث الخلق وأصله طيب، وماله وفير ويمتلك هو وأهله من الأراضى والأموال ما يغنيه عن السؤال، ولن يطمع فى ميراثى من أبى، فقبلت به دون تردد، رغم عدم قبولى لهيئته ومظهره، لكنى أقنعت نفسى بأنه سيغمرنى بـ"حنيته"، التى افتقدها بعد وفاة والدى ومن بعده أمى، وسيحقق لى حلم الاستقرار الذى لطالما حلمت به، ولم تمر فترة طويلة حتى تمت مراسم الزفاف".

يختنق صوت الزوجة الأربعينية من الحزن وهى تقول: "وما إن أغلق علينا باب واحد حتى بدأت ملامح شخصية زوجى القبيحة فى الظهور، رجل طماع ينتهز أى فرصة لابتزازى، غليظ القلب لا تعرف الرحمة طريقا لقلبه، ولا يستحى أن يوجه اللكمات والضربات لجسد امرأته بسبب وبدون سبب، ويهينها ويهددها بالسكين أمام أطفالها، ويسلبها ذهبها ويستحل مالها، رغم أنه ميسور الحال ومربى أجيال، والأدهى من ذلك أنه مصاب بداء الشك، فوصل به الحال أنه زرع أجهزة تنصت وكاميرات فى جميع أرجاء المنزل ليراقب أفعالى 24 ساعة، لعله يجد ثغرة يبتزنى بها ماديا، حوَّل حياتى إلى جحيم بشكه، ومع ذلك تحملت من أجل الطفلين، وخوفا من مجتمع لا يرحم من حملت يوما لقب مطلقة".

وتختتم الزوجة الأربعينية حكايتها قائلة: "وصرت أمنى نفسى باليوم الذى ينصلح فيه حاله ويكف عن تصرفات لكن دون جدوى، حينها لم أجد أمامى سبيلا آخر سوى اللجوء للخلع حتى أخلص من هذا الحصار وأصلح ما أفسدته وأضعته من عمرى وكرامتى، فما أصعب أن تشعري بأنكِ دائما فى مرمى الاتهام، وأن هناك عينا ترصدك أينما تولين وجهك وتعد أنفاسِك، ويبدو أن ضعفه الذى عانى منه بسبب مرضه بالسكر جعله يشعر بالدونية، وبات يتفنن فى إذلالى وتعذيبى، قد أكون أخطأت عندما تحملت شكه "المرضى" وقبلت بتصرفاته الشاذة كل هذه السنوات، فالرجل الذى لا يثق فى امرأته لا يستحق أن تعيش معه ولو ليوم واحد، وليعاقبنى كف عن الإنفاق على طفليه فلجأت لمحكمة الأسرة مرة أخرى وأقمت ضده دعاوى نفقة للصغار وحبس".