«الجبنة» كانت طعامه المفضل.. ملابسه منتجات مصرية، لم يكن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يدعو للتقشف فقط وإنما اعتمده كأسلوب حياة، محمد حسنين هيكل يروي أنه لم يكن يسافر في جولاته الخارجية إلا ومعه "صفيحة من الجبنة البيضاء"، وعندما يبالغ فى الأكل فإنه يأكل الأرز والخضر، وفي إحدى الزيارات إلى الاتحاد السوفييتى حوت مائدة العشاء الذى أقامته القيادة السوفييتية أنواعا من الأطعمة الفاخرة والكافيار، ولاحظ هيكل أن عبد الناصر كان يأكل بشكل رمزى، وبعد عودتهم إلى بيت الضيافة دخل عليه أحد المرافقين وبيده صينية وضعت عليها أطباق الجبنة والخيار والطماطم التى كان يصحبها فى الطائرة معه من القاهرة.

بعد مرور 46 عاما على رحيله، لا تزال السياسات التي اتبعها ناصر هي الأوفر حظا في مسيرة نهضة الوطن، وكما يؤكد مريدو عبد الناصر فإن جوهر تلك السياسات وسبب نجاحه في تحقيق نهوض ملحوظ بجميع القطاعات أنه اهتم بالمنتج المحلي وقطاع الصناعة وكان يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية وجميع إجراءات التقشف.

ما يؤكد ما سبق هو حديث عبد الناصر نفسه في أحد خطاباته للشعب حين قال: "المرحلة القادمة وطموحها السياسى والاقتصادى والاجتماعى نحن نحتاج إلى كل الدلالات التى نستطيع استخلاصها من الثورة، نحتاج دائمًا إلى وضوح الرؤية، ونحتاج إلى عمل فكرى مستمر يرتفع إلى مستوى التحديات، نحتاج إلى نضال وعمل قادر متحرر يملك الفعل ويملك رد الفعل ما قدمناش بديل لده، واحنا النهارده بنعتمد على أنفسنا ونبنى بلدنا بدراعنا والسبيل الوحيد هو السير فى الثورة، ليس هناك بديل لاستمرار الثورة فكرًا وعملًا، تجربة وإنجازًا وتحقيقًا وتأكيدًا.. الثورة فى كل المجالات والعمل فى كل المجالات. ماقدامناش بديل للانطلاق فى التنمية بأسرع ما يمكن".

النائب الناصري أحمد ضياء الدين داود، قال إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اتبع سياسة التقشف لكن بالتوازي مع بناء دولة حديثة تعتمد على تحديث قطاع الصناعة الوطنية المستقلة واستقلال القرار الوطني، وكان يسير بمبدأ "اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع"، لكن بالتماشي مع تحقيق العدالة الاجتماعية، فكان هذا سر نجاح سياساته.

وأضاف "داود"، في تصريحات لـ"صدى البلد"، أن "وزراء عبد الناصر، لم تكن مكاتبهم في غاية الترف على عكس الوزير الآن يمتلك سيارة وأكثر وهناك وزراء يقيمون في فنادق باهظة التكلفة ويقولوا "بفلوسنا"، ولم نكن نسمح الأرقام المبالغ فيها في قضايا الفساد كما يحدث الآن".

وتابع النائب: "قريبا وصلت لي معلومة أن أحد رؤساء الجامعات لديه 3 سيارات، يا ترى منين بياخدوا فلوس التعليم يصرفوها على نفسهم؟ وسأكشف عن اسمه بعد أن أصل للمعلومة كاملة".

وحول الروشتة التي يجب على الدولة اتباعها للوصول لنموذج ناجح لسياسة التقشف، قال داود إنها مطالبة ببناء الوطن، وإعادة تشغيل المصانع المغلقة، والتي تسبب إغلاقها في تشريد الآلاف من العمال، والاهتمام بالصناعات الصغيرة من خلال تطبيق إجراءات فعلية على أرض الواقع، مشددا على أن الرئيس يتخد الإجراءات المطلوبة بشكل سريع لكن الحكومة لا تنجزها لأنها في واد والرئيس في واد آخر.

واتفق معه المهندس محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، حيث قال إن ما ساعد على نجاح سياسة التقشف في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وجود المنتج المحلي المصري، لافتا إلى أن اختزال سياسة عبد الناصر في سياسة التقشف ليس دقيقا ولكن في عهده كان هناك دعم للصناعة خلق بديلا للمنتجات المستوردة.

وأضاف سامي، في تصريحات لـ"صدى البلد"، أن جميع الأسر سواء المتوسطة أو تحت المتوسطة كان لديها خيارات عديدة للشراء سواء لشراء الأجهزة الكهربائية أو الملابس.

وتابع: "كل زمن وله قوانينه والدعوة للتقشف حاليا قد تكون بمثابة مزيد من المعاناة للمواطن لكن الحل في العودة إلى المنتج المحلي الذي كنا نفخر به، والتراجع عن ثقافة التعامل مع المنتجات الأجنبية بدءا من رئيس الجمهورية ونزولا لكل المستويات".

ولفت سامي إلى أن سياسة التقشف يجب ربطها بالأكثر قدرة، خاصة في ظل الفروقات الواسعة في المستويات المادية.

من جانبه، قال محمد عبد الغني، النائب بالبرلمان، إن عبد الناصر زعيم وطني له تجربة فريدة، وحين تحدث عن ضرورة التقشف مارسها على نفسه أولا، كان يظهر بالقميص المصري والبيجامة الكستور المصرية، عمل على الاهتمام بالفقراء وتوفير السلع والخدمات بما يخدم احتياجاتهم.

وأكد عبد الغني أن جوهر نجاح عبد الناصر هو السياسات الرشيدة التي اتبعها من خلق قاعدة صناعية كبرى تنتج للمصريين جميع احتياجاتهم وبأسعار مناسبة، وعمل على عدم الإسراف وأقنع المصريين باستخدام "المنتج المحلي".

وأضاف: "الاهتمام بالمنتج المحلي واعتمادنا على أنفسنا هو المفتاح للخروج من الأزمات الاقتصادية".