شهدت مصر منذ أمس تزاحم مئات المواطنين من الأسر الأولى بالرعاية، أمام مكاتب التضامن الاجتماعي، للحصول على شهادة من إدارات التضامن الاجتماعي، والتي يطلق عليها "شهادة الفقر" لتقديمها للمدارس، للإعفاء من سداد الرسوم المدرسية، والحصول على الكتب المدرسية بالمجان، فيما أعلن مدير التضامن أن ذلك يأتي تنفيذًا لبرتوكول تعاون يهدف إلى تخفيف الأعباء على الأسر الأولى بالرعاية.
وشهادة الفقر هي عبارة عن بحث اجتماعى تقوم بتجربته الجهة التي تريد التعامل معها في أمر ما، يستوجب سداد مقابل مادى ويكون هناك نظام مفعل لديها بإعفاء غير القادرين على دفع هذا المقابل.
الغلاء وتدني مستوى المعيشة
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور رضا عيسى:" أن مشهد شهادة الفقر برهان للوضع الاقتصادي الذي تعيشه مصر، فكل يوم يوم نجد أن أسعار السوق في ارتفاع مستمر، بينما الدخل اليومي للفرد ثابت لايحرك ساكنًا، مما يجعل الشباب يتطلعون نحو السفر سنة أو أكثر حتى يتمكنوا من تجميع مبلغًا من المال يستطيعون معه أن يكونوا مستقبلا لهم، فالعازب يريد أن يتزوج، والمتزوج يريد أن يستقل بمنزل خاص به وبزوجته والدخل اليومي داخل بلده لايتمكن معه بالعيش بصورة طبيعية.
وأضاف عيسى في تصريح لرصد، أن الوضع الاقتصادي في مصر يؤثر بشكل كبير في ذلك، فهو يضاعف من نسبة الظروف الاجتماعية المزرية، ويقلل من فرص العمل التي تعد شبة معدومة، كما يعاني الشباب من حالة استحالة تحقيق أحلامهم في ظل الظروف الموجوده في بلادهم.
مشاريع بلا عمال
يقول رشاد عبده الخبير الاقتصادي، "إن الدولة تكبدت خسائر بالمليارات من خلال مشاريع لم يستفيد بها الشعب الذي ملّ من كثرة تلك المشاريع غير واضحة الملامح، والتي تستهدف إلى حد ما أعدادًا قليلة جدًا من الشباب العاطل الذي يبلغ - وفق المصادر الرسمية - 3 ملايين عاطل.
وأضاف عبده في تصريح لرصد، إن مصر تعاني حاليًا من زيادة عدد العاطلين ولابد من التدخل الفوري لوجود حلول لإنقاذ الشباب الذي وضع الهجرة غير الشرعية على رأس أولوياته، بغض النظر عن عواقب ذلك.
تاريخ شهادة الفقر
ويرجع تاريخ شهادة الفقر إلى أكثر من نصف قرن في عهد الملك فاروق، والرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان التعليم للقادرين ماديًا فقط ولكن من باب الشفقة كان مسموحًا بقبول بعض الفقراء في المدارس أو الجامعات بشرط أن يكون هؤلاء الفقراء متفوقين حتي يشفع لهم التفوق بالتجاوز عن الفقر‏، ولإثبات ذلك كان على الطالب المتفوق أن يقدم مع شهادته الدراسية بالتفوق العلمي شهادة أخري أكثر أهمية اسمها "شهادة فقر" وهي شهادة يجب أن تحمل توقيع اثنين من موظفي الدولة محل الاعتبار تؤكد أن الطالب المتفوق فقير وبموجب هذه الشهادة كانت تتفتح أمامه أبواب التعليم.
وشهادة الفقر لم تتوقف عند حد التعليم فقط ولكن تشعبت في مجالات أخرى في الوظائف والعلاج وأيضًا للسفر إلى الخارج، وقد أصبحت هذه الشهادة اللعينة هي المتحدث الرسمي باسم الشعب المصري.
الجدير بالذكر، أنه حتي عام 1996م، كان لا يتم علاج أي مواطن على نفقة الدولة إلا إذا أجري عليه بحثًا اجتماعيًا يؤكد استحقاقه العلاج المجاني لضيق اليد ولكن عندما تولي الدكتور إسماعيل سلام، وزير الصحة الأسبق، مسئولية الوزارة في ذلك العام قرر إلغاء تقديم هذه الشهادة بالنسبة لمرضى الفشل الكلوي وبعد مرور عامين أضاف إليهم مرضي الأورام والكبد.
ومنذ هذا العام توقفت رحلة شهادات الفقر حتي قامت ثورة 25 من يناير، عادت مرة أخري فكرة شهادات الفقر تتردد على مسامعنا في ظل انهيار الكيان الاقتصادي، ففي عام 2012م، تقدم المصريون العاملون بالخارج بطلبات لدفن جثث المصريين بالخارج ليدفنوا في بلدهم بشرط إلغاء ما يعرف بشهادة الفقر.
وفي عام 2009م، تقدم سيادة النائب حسين عوض عضو مجلس الشعب عن دائرة السنبلاوين باستخراج شهادة من الشئون الاجتماعية تثبت أن قرية الزهايرة الأشد فقرًا من بين القرى من أجل أن تعطيه الحكومة ربع مليون جنيه للقرية.
ويذكر أنه في عام 2010م، أصدرت وزارة الداخلية مرسومًا بإلغاء 7 شهادات كان من بينها شهادة الفقر، ولكن في عام 2012م، وفي ظل وجود دستور 2012م، عادت مرة أخرى شهادة الفقر من خلال إحدى مواد الدستور التي تقضي بضرورة الحصول على شهادة الفقر لتلقي العلاج، والشهادة التي تحط من كرامة وكبرياء المصريين.