تشير عقارب الساعة إلى السابعة صباحا، تلملم الزوجة الأربعينية أغراضها وتدس فى كيس بلاستيكى أدوية "فيروس سى" المبعثرة على منضدة خشبية صغيرة ملاصقة لسريرها الطبى الرابض فى غرفة متواضعة، بأحد المستشفيات الحكومية ، بعد أن حررت الممرضة الشابة جسدها العليل من الاسلاك الموصلة بأطرافه، لتلحق بجلسة دعوى نفقة الصغار التى أقامتها بمحكمة الجيزة لشئون الأسرة ضد زوجها بعد أن تخلى عنها وأولادها بعد مرضها.

ومع دقات الساعة التاسعة تستقر الزوجة الأربعينيه على كرسى متهالك واضعة وسادتها الى جوارها، وفجأة تهبط برأسها المثقل بالهموم على الوسادة غير عابئة بنطرات الناس المصوبة نحوها، وتسحب الهواء حتى يعلو صدرها، معلنة حالة الاستنفار القصوى بجميع حواسها، فى انتظار بدء جلستها.

تقول الزوجة الأربعينية فى بداية روايتها لـ"صدى البلد" :"تملكنى الخوف بعد وفاة والدى، فقد رحل عائلنا الوحيد، وتركنا أنا وأمى المريضة وشقيقاتى بين جدران غرفة فقيرة فى حى يتفجر الشقاء والبؤس من بين جنباته، ويلون القهر والمرض وجوه القاطنين به، بلا مال يقينا شر العوز وسؤال العالمين، ولا سند يحمينا من الأيادي الطامعة فى أعراض نساء لا رجل لهن ولا قريب، فبت أبحث عن الأمان فى وجوه المتقدمين لخطبتى، وحينما طلب زوجى أن أكون له رفيقة فى دربه قبلت بلا تردد، وللأسف صدقت ما نطق به الوسيط، بأنه يخاف الله وسيصون عشرتى، وسيوفر لى حياة كريمة وبيت آدمى، فماله الذى يجنيه من عمله كمبيض محارة وفير".

تعتدل السيدة الأربعينية فى جلستها وترتب ملابسها الرثة وحجابها الأبيض المزين بورود مطرزة وهى تقول:"لكنى لم أجد سوى بيت متهالك لايختلف كثيرا عن بيت أهلى الذى ظننت أننى تركته بلاعودة، ورجل عاطل ليس كباقى الرجال يسعى فى مناكبها بحثا عن الرزق، يقضى نهاره غارقا فى سبات عميق، ويبات ليله فى شد الأنفاس والتنقل بين أحضان الساقطات، ويبيع أثاث بيته بأبخس ثمن حتى ينفق على مخدراته، حتى تراكمت علينا الديون، وصار الجوع لايغادر منزلنا البائس، واضطررت للخدمة فى بيوت العباد كى أسد جوع أولادى، وعملت فى جمع القمامة من الشوارع لأدفع إيجار البيت ومصروفات الأطفال المدرسية".

تتسارع أنفاس زوجة وهى تحكى عن تفاصيل زواجها البائس الذى دام لأكثر من 15 عاما:" وياليته اكتفى بمافعل بى ، بل بات يستولى على أموالى كى ينفقها على ساقطاته ولحظات انتشائه الزائفة، وعندما كنت أرفض منحه ماجنيته كان ينهال على جسدى بعصاه الغليظة وأحيانا كان يضع سكينا على رقبتى، وفى النهاية يطردنى من البيت، ورغم ذلك كنت أعود إليه صاغرة، فمن سيتحمل أعباء ثلاثة أطفال، حتى ساءت حالتى النفسية، وأصاب المرض جسدى، ولم أعد أقوى على العمل حينها قرر التخلى عنى وطلقنى وألقانى فى الشارع أنا وأولادى وتركنا للجوع والمرض ينهش فى لحمنا، وقرر البحث عن بديلة تنفق عليه، ففى نظره أصبحت امرأة بلا فائدة، بعد أن فرغت حافظة نقودى".

تنهى الزوجة الأربعينية روايتها وهى ترتكن إلى جدار يقاوم السقوط كجسدها:"وبعدما اشتد على المرض وزاد الحمل على لم أجد أمامى سبيلا آخر سوى اللجوء إلى محكمة الأسرة، وأقمت ضده دعوى طالبت فيها بنفقة للصغار، لا أعرف أى أب هذا الذى لايريد أن يصرف على أطفاله وينفق على المحامين كى يحرمه من بضعة جنيهات يمكن أن تبقي أطفاله أحياء، أيحارب صغارا لاذنب لهم، ألهذا الحد هو رجل غليظ القلب، ولا أعلم لماذا يستغرق الفصل فى دعاوى النفقات سنوات، وحتى إن صدر الحكم يصعب تنفيذه، ولماذا لا تقضى المحكمة بنفقة مؤقتة للسيدة، ثم تلومونها لو اخطأت كى تطعم اطفالها، أين العدل يا أهل العدل، كل ما أتمناه أن يتم إيجاد آلية فعالة للتسريع بصرف النفقات".