قال الدكتور علي جمعة، مُفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف، إن الصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحد الأنبياء - عليهم السلام - أو الصالحين،صحيحة، وقد تصل إلى الاستحباب، مؤكدًا أنها تختلف تمامًا عن اتخاذ القبر مسجدًا.

وأوضح «جمعة» في إجابته عن سؤال: « ما حُكم الصلاة في مسجد به ضريح ؟»، أن الصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحد الأنبياء - عليهم السلام - أو الصالحين، فهي صحيحة، ومشروعة، وقد تصل إلى درجة الاستحباب، وهو ما يختلف عن اتخاذ القبر مسجدًا، والذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ودلل على هذا الحكم عدة أدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وفعل الصحابة، وإجماع الأمة العملي، فورد في قوله تعالى : «فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا» الآية 21 من سورة الكهف، مشيرًا إلى أن وجه الاستدلال بالآية أنّها أشارت إلى قصّة أصحاب الكهف، حينما عثر عليهم الناس فقال بعضهم: نبني عليهم بُنيانًا، وقال آخرون: لنتّخذنّ عليهم مسجدًا.

وأضاف أن السياق يدل على أن الأوّل: قول المشركين، والثاني: قول الموحّدين، والآية طرحت القولين دون استنكار، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه وتدل على بطلانه بقرينة ما، وتقريرها للقولين يدل على إمضاء الشريعة لهما، بل إنّها طرحت قول الموحدين بسياق يفيد المدح.

وتابع: وذلك بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعًا «لنتّخذنّ» نابعًا من رؤية إيمانية، فليس المطلوب عندهم مجرد البناء، وإنّما المطلوب هو المسجد، وهذا القول يدلّ على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.

وأشار «المُفتي الأسبق» إلى ما قال الرازي في تفسير «لنتّخذنّ عليه مسجدًا» نعبد الله فيه، ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد، ورأى الشوكاني أن ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون، وقيل: هم أهل السلطان والملوك من القوم المذكورين، فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم، والأوّل أولى، فيما ذهب الزجاجي إلى أن هذا يدلّ على أنّه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشو؛، لأن المساجد للمؤمنين، هذا بخصوص ما ذكر في كتاب الله فيما يخص مسألة بناء المسجد على القبر.

لفت إلى أن من السُنة حديث أبي بصير الذي رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا : «إن أبا بصير انفلت من المشركين بعد صلح الحديبية، وذهب إلى سيف البحر، ولحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو، أنفلت من المشركين أيضا، ولحق بهم أناس من المسلمين حتى بلغوا ثلاثمائة وكان يصلي بهم أبو بصير.

وأضاف: وكان يقول : الله العلي الأكبر.. من ينصر الله ينصر، فلما لحق به أبو جندل، كان يؤمهم، وكان لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى النبي صلي الله عليه وسلم تناشده الله والرحم، إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن، وكتب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه ومن معهم من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهليهم، فقدم كتاب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلي الله عليه وسلم بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وبنى على قبره مسجدًا ».