وصفت الولايات المتحدة ما تفعله روسيا في سوريا بأنه "وحشية" وليست محاربة للإرهاب في حين قال مبعوث روسيا في الأمم المتحدة إن إنهاء الحرب "بات مهمة شبه مستحيلة الآن" بينما كانت الطائرات الحربية تدعم القوات السورية في قصف مدينة حلب.

ولم يعد مجال على الأرجح لحل دبلوماسي يوقف القتال بعد أن اختلف دبلوماسيو الولايات المتحدة وروسيا خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي عقد لمناقشة العنف المتصاعد في سوريا منذ انهيار وقف لإطلاق النار الأسبوع الماضي.

وتقول قوات المعارضة التي تقاتل ضد سيطرة قوات الرئيس السوري بشار الأسد على حلب إن أي عملية سلام ستظل هشة طالما لم توقف على الفور ما سمته سياسة حرق الأرض التي تنتهجها قوات الأسد.

وقصفت الطائرات الحربية مخيما يحظى بأهمية استراتيجية على الأطراف الشمالية لمدينة حلب اليوم الأحد بينما استمرت المعارك بين قوات الحكومة السورية وقوات المعارضة للسيطرة على المخيم الواقع على أرض مرتفعة في هجوم تدعمه روسيا لتصبح السياسة الأمريكية بشأن سوريا في حالة يرثى لها.

وقال سكان ومصادر في المعارضة إن الطائرات واصلت قصف مناطق سكنية من المدينة وسوت مباني بالأرض. ويعيش أكثر من 250 ألف مدني تحت الحصار في القطاع المحاصر الخاضع لسيطرة المعارضة وتتزايد المخاوف من تصاعد العنف منذ انهيار وقف لإطلاق النار أعلن عنه قبل أسبوعين فحسب.

واجتمع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اليوم الأحد لبحث القتال غير أنه يبدو أن الحملة الأخيرة التي شنها الرئيس بشار الأسد وحلفاؤه من الروس والإيرانيين لتحقيق نصر حاسم في ساحة المعركة قضت على أي أمل في نجاح الجهود الدبلوماسية.

وقالت سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة سامنثا باور لمجلس الأمن "إن ما ترعاه روسيا وتقوم به ليس محاربة للإرهاب بل هو وحشية.. بدلا من السعي للسلام تقوم روسيا والأسد بصناعة الحرب. بدلا من المساعدة في إيصال المساعدات التي تنقذ الأرواح إلى المدنيين تقوم روسيا والأسد بقصف قوافل الإغاثة الإنسانية والمستشفيات وأول من يهبون في محاولة يائسة لنجدة الناس وإنقاذ أرواحهم."

كما وجه وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا هجوما على روسيا مؤكدين أنها ربما تدان بارتكاب جرائم حرب.

لكن روسيا دافعت عن موقفها.

وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين "في سوريا يوجد المئات من الجماعات المسلحة التي يجري تسليحها.. أراضي البلاد يجري قصفها بصورة عشوائية وإحلال السلام بات مهمة شبه مستحيلة الآن لهذا السبب."

* الأرض المحروقة

وفي أول تقدم بري رئيسي يتحقق في الهجوم الأخير استطاع الجيش السوري والفصائل المتحالفة معه انتزاع السيطرة على مخيم حندرات الفلسطيني الواقع على مسافة بضعة كيلومترات إلى الشمال من حلب غير أن قوات المعارضة استردت المخيم في هجوم مضاد بعد بضع ساعات.

وقالت المعارضة اليوم الأحد إنها استعادت السيطرة على المخيم قبل أن يبدأ القصف.

وقال قائد يدعي أبو الحسنين في غرفة عمليات المعارضة التي تضم الكتائب الرئيسية التي تقاتل لصد هجوم الجيش "استعدنا المخيم لكن النظام أحرقه بالقنابل الفوسفورية... تمكنا من حمايته لكن القصف أحرق عرباتنا."

واعترف الجيش بأن المعارضة استعادت السيطرة على حندرات الذي كانت السيطرة عليه لفترة وجيزة يوم السبت أول تقدم بري كبير للجيش في هجوم جديد لاسترداد حلب من أيدي المعارضة.

ونقلت وسائل الإعلام عن مصدر عسكري قوله إن الجيش السوري يستهدف مواقع "الجماعات المسلحة" في مخيم حندرات.

وربما يكون الهجوم على حلب أكبر معركة في الحرب الأهلية التي سقط فيها مئات الآلاف من القتلى وشرد حوالي 11 مليون سوري.

ويقول سكان إن الضربات الجوية على شرق حلب منذ الإعلان عن الهجوم يوم الخميس الماضي كانت أشد ضراوة من أي ضربات سابقة واستخدمت فيها قنابل أشد تأثيرا. وسقط عشرات القتلى في الأيام القليلة الماضية.

وقال مسؤولون في صفوف المعارضة إن الضربات الجوية يوم السبت أصابت أربع مناطق على الأقل من شرق المدينة الخاضع لسيطرة المعارضة وإنهم يعتقدون أن الضربات تشنها طائرات حربية روسية في الغالب. وتبين مقاطع فيديو لمواقع القصف حفرا ضخمة يصل قطرها وعمقها إلى عدة أمتار.

وذكر بيان وقع عليه اليوم الأحد 30 فصيل معارض أن نظام الأسد كثف بمشاركة مباشرة لروسيا وجماعات إيرانية هجماته على حلب منفذا ما سمي سياسة الأرض المحروقة بهدف التدمير الشامل للمدينة والقضاء على سكانها.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن 45 شخصا على الأقل قتلوا في شرق حلب أمس السبت بينهم عشرة أطفال.

ويقول الجيش إنه لا يستهدف سوى المتشددين.

وتسببت الحرب الأهلية في سوريا في مقتل مئات الآلاف من الأشخاص ونزوح نحو 11 مليونا.

* المساعي الدبلوماسية

واستهدف اتفاق بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرجي لافروف لوقف إطلاق النار في التاسع من سبتمبر أيلول إعادة عملية السلام إلى مسارها. ولكن الاتفاق انهار فعليا يوم الاثنين حينما قصفت قافلة مساعدات.

وذهبت نداءات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لروسيا هذا الأسبوع من أجل وقف الضربات الجوية أدراج الرياح وذلك بعد أن توصل إلى هدنة من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة استمرت شهورا.

وقدم ستافان دي ميستورا وسيط الأمم المتحدة لسوريا تقريرا للمجلس اليوم. وناشد المجلس إيجاد وسيلة لفرض وقف الاقتتال في سوريا.

وقال "ما زلت مقتنعا أن بمقدورنا تحويل مسار الأحداث. لقد أثبتنا ذلك أكثر من مرة من قبل." مشيرا إلى أنه لن يكف عن محاولة إحلال السلام في سوريا.

وأضاف "أي مؤشر على استقالتي ستكون إشارة إلى أن المجتمع الدولي يتخلى عن السوريين. ونحن لن نتخلى عن السوريين. ولن تفعلوا أنتم ذلك أيضا."

وقال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في مقابلة أذيعت اليوم الأحد إن روسيا تسببت في إطالة أمد الحرب في سوريا وربما ارتكبت جرائم حرب باستهداف قافلة للمساعدات.

وقال جونسون لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) "عندما يتعلق الأمر بأحداث مثل قصف أهداف الإغاثة في حلب فعلينا أن ننظر فيما إذا كان استهدافها قد تم مع العلم أن تلك أهداف مدنية بريئة بالكامل وهذه جريمة حرب."

وندد بان جي مون الأمين العام للأمم المتحدة حسبما جاء على لسان متحدث باسمه يوم السبت بالتصعيد العسكري الشديد في حلب.

وتقول جماعات المعارضة إنه لا يمكنها قبول روسيا كراع لأي مبادرة سلام جديدة لأنها شريك مع نظام الأسد في جرائمه ضد الشعب السوري.

وتضيف الجماعات أن القوات السورية تستخدم النابالم والأسلحة الكميائية دون التعرض لأي لوم من المجتمع الدولي.

ومازال محققو الأمم المتحدة يفحصون مزاعم استخدام الأسلحة الحارقة والقنابل الفسفورية والنابلم في عدد من المدن.

وفي اجتماع عقد في بوسطن أمس السبت طالب كيري ونظراؤه في كل من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا روسيا باتخاذ "خطوات استثنائية لاستعادة المصداقية لجهودنا بما في ذلك وقف القصف

العشوائي من جانب النظام السوري لشعبه والذي تسبب على الدوام وبشكل شنيع في هدم الجهود الرامية لإنهاء هذه الحرب."

والحرب مستمرة منذ نحو ست سنوات وباءت الجهود الدبلوماسية بالفشل. وشردت الحرب نصف سكان سوريا واجتذبت قوى عالمية ودولا من المنطقة وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية -عدو جميع الأطراف الأخرى المتحاربة- على مساحات واسعة من أراضي سوريا والعراق المجاور.

وبدا في أغلب الأوقات أن القوى العالمية تتقبل فكرة أن لا الأسد ولا معارضيه من المرجح أن يحققوا نصرا حاسما على أرض المعركة.

لكن قرار روسيا فيما يبدو التخلي عن عملية السلام هذا الأسبوع قد يعكس تغييرا في هذه الحسابات ويوجد وجهة نظر تقول إن النصر لم يعد بعيد المنال على الأقل في المدن الغربية التي تقيم فيها الغالبية العظمى من السوريين.

وتحسنت فرص الأسد قبل عام عندما انضمت روسيا للحرب إلى جانبه. ومنذ ذلك الحين عملت واشنطن بجد على التفاوض على السلام مع موسكو مما أسفر عن اتفاقين لوقف القتال. لكن الاثنين لم يطل أمدهما إذ لم يبد الأسد -الذي ربما يكون قد استشعر تغيرا يقود إلى المزيد من الانتصارات في المعارك- أي ميل للحلول الوسط.

وتقول موسكو إن واشنطن لم تنفذ ما عليها في أحدث اتفاق بفصلها المعرضة التقليدية عن الإسلاميين المتشددين.

وطرد المقاتلون المعارضون للأسد إلى المناطق الريفية خارج حلب. ومع ذلك فإنهم مازالوا يشكلون قوة قتالية فعالة وهو ما أظهروه بتقدمهم أمس السبت.