ليسوا جناة ولا مجرمين، إنهم لا يعلمون..
مصيبة مركب رشيد، حقًا كارثية، وتكشف عن مآسٍ كبرى تحيط بنا جميعًا، وما أن وقعت الواقعة، وتبارى الناس فى الإجابة على تساؤل هل ضحايا المركب "جناة أم مجنى عليهم؟"، فى الواقع هم ليسوا بجناة، لكنهم حقًا لا يعلمون.
"مضحوك عليهم"، دعونا نقولها ببساطة "مخدوعون"، يصور لهم أن الحياة فى البر الغربى جنة، وأن "زكائب الأموال" تنتظرهم، والسرائر المصنوعة من ريش النعام مهيئة لهم. حتى يصل من يكتب له النجاة ليرى بنفسه، ويعرف حجم الخديعة.
القضية ليست فى سفر الشباب، فالسفر والهجرة أيضًا مسائل مشروعة طالما كانت على النحو القانونى، لكن هل سألت نفسك: ألا يستحق تغيير مسار حياتك وقفة أطول وتفكير أعمق؟
"شغّل مخك"، استخدم كل ما تعلمته وما متاح من أدوات التفكير المنطقى، ضع الخطط والسنياريوهات والفروض، فكر مبدئيًا فى الخسارة من "مغامرة" ثمنها عمرك؟
لو سألت نفسك: أيهما أقل تكلفة الشقاء فى وطنك أم الموت فى ظلمات البحور؟ ستعرف حينها أن ثمة طرق أخرى للحصول على لقمة العيش وتكاليف الحياة الكريمة، والطموح الذى يجب ألا يصبح "مسبة"، بل يتوجب على الدولة تنميته ورعايته، فروح هذه الأمة أبدًا لن تموت طالما بقيت نفوس أبنائها تواقة وطموحها بلا سقف.
الجنة ليست فى البر الغربى
"اجرى يا مجدى"، بمجرد وصولك إلى أوروبا تلاحقك الشرطة، وجهلك باللغة يشل من قدراتك أيضًا، بعد مغامرات لا تقل خطورة عما شاهدته فى البحر، لا يتبق لك سوى فرص عمل "متدنية"، كتنظيف دورات المياه، جمع قمامات المطاعم، عمال شئون معاونة بالفنادق أو البارات، وبالطبع دون تصريح عمل مما يعرض صاحبها للملاحقة القضائية والتهرب الضريبى فى بلاد تعد التهرب "جريمة شرف".
"يعنى هأشتغل إيه فى مصر؟"
"طيب، مش هنسافر يا سيدى، قل لى إزاى نعيش هنا؟"، لا يلاحظ كثيرون أنهم قبلوا بمهن "وضيعة" ومتدنية بعدما رفضوا بعض الوظائف فى بلادهم.. "هى فين الوظائف؟"، على الرغم من أن السؤال يبدو منطقيًا لكن من يبحث سيكشف حجم الخديعة التى يلوكها البعض إما عن جهل أو عن نية سيئة.
· ماذا تعرف عن وظائف القوى العاملة؟
- هى فين؟
على سبيل المثال لا الحصر، طرحت وزارة القوى العاملة فى شهر مايو الماضى، أى وقت أن بدأ ضحايا مركب الموت يعدون لرحلتهم، 7 منافذ توظيف فى القاهرة فقط، تمثلت فى الشركة العربية للصناعات الكهربائية (بانسونيك) بشبرا، وشركة عبور لاند للصناعات الغذائية بالعبور، وهابىتات ( Habitat ) المنزل للمفروشات بالعبور، ومطاعم كوك دوور بالعبور، وشركة جلوبال جورميه للتجارة (مطاعم لبنانية) بفروع التجمع الخامس والمعادى ومول العرب. كذلك شركة كوكاكولا مصر، "شوفت الفرصة لما تفوتك"، فضلا عن وظائف كارفور الخليج وكارفور المعادى.
"يتنطنط" كثير من الباحثين عن العمل على الوظائف السابقة، بحجة "تواضعها"، ومؤكد أنك سمعت كثيرون يرددون "أنت عايزنى أشتغل بياع بكارفور؟"، فى المقابل يخاطر بعمره وحزن قلب أبويه لينظف دورات مياه فى بار ردىء بحوارى إيطاليا.
نعيد التأكيد مرة أخرى، إن الطموح ليس حقًا فحسب، وإنما يجب على الدول التى تخطط لمستقبلها بشكل علمى أن تضع فى حساباتها كيفية تنمية الطموح لدى أفراد شعبها.
"تسهيل الأمور فى أوروبا"
خدعة جديدة، يستغلها سماسرة الموت فى اللعب بأحلام الناس وبالصور البراقة للأوضاع فى أوروبا، نعم اقتصاديات الدول الأوروبية أقوى من اقتصاديات أغلب دول الشرق الأوسط، لكنها ليست لك أيها الوافد بشكل غير شرعى، ناهيك عما تمر أوروبا منذ 2007 والعالم أجمع أدى بكثير من الدول إلى تقليص الانفاق الحكومى، الأمر الذى أشعر سكان الدول الغربية بأن دولة الرفاهية لن تستمر كثيرًا.
ومع ذلك، الأمر يهمنا فى مصر، والأرقام لا تكذب، ركز معنا فى هذه الأرقام لتعرف أن دول الاتحاد الأوروبى جميعها لم تستقبل سوى 450 ألف لاجئ منذ 2011، فى حين أن دولة عربية واحدة تستقبل عشرة أضعاف هذه الرقم!!
"بجد؟"، لن أقول لك لبنان استقبل مليونى سورى، وإنما أقول لك إن مصر استقبلت خلال السنوات الماضية 5 ملايين لاجئ من بينهم نصف مليون سورى، وتنوعت جنيسات الآخرين بين سودانية وفلسطينية وعراقية وليبية وغير ذلك.
"هل شاهدت مخيمات لاجئين فى مصر؟" على النقيض يعيشون اللاجئون هنا كأبناء الوطن فى سكن طبيعى، ويحق لهم العمل والتجارة وغير ذلك. مصر البلد المحدود موارده استقبل كل هذا الكم، وكثيرون منهم استطاع أن يشق طريقه ويخلق مصدر رزق، أبرزهم النموذج السورى.
الدولة توفر قروضًا.. 200 مليار
"مش هنسافر بس أوعى تقولى استثمر فى 20 ألف جنيه"، لن أقول لك كما يردد البعض إنك تدفع من 20 إلى 30 ألف جنيهًا لتموت فى المتوسط، هذا المبلغ لم يعد كافيًا حقًا لكثير من المشروعات، لكن هل تعلم أن الدولة خصصت 200 مليار لتمويل قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
فى مطلع العام الجارى أطلق مجلس إدارة البنك المركزى برنامجًا شاملًا لتحفيز البنوك لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة لزيادة الناتج المحلى وتوفير فرص العمل، من أجل خفض نسبة البطالة، منها توجيه البنوك نحو زيادة نسبة القروض الممنوحة لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى نسبة لا تقل عن 20% من إجمالى محفظة قروض البنوك خلال السنوات الأربع المقبلة.
كما قرر أن القطاع المصرفى سيضخ نحو 200 مليار جنيه مصرى فى صورة قروض جديدة يتم دراستها بعناية من خلال البنوك على أن يتم توفير المعلومات لأصحاب المشروعات، وتيسير وصولهم للبنوك وتوفير التدريب اللازم لهم لرفع فرص النجاح والتأكد من جدوى المشروعات بالتنسيق مع العديد من الجهات المعنية خاصة وزارة التجارة والصناعة واتحاد الصناعات المصرية والمعهد المصرفى المصرى.
طموحك حق.. لا تجعل له سقفًا
مؤشر أخير يدل أن الهجرة غير الشرعية ليست دائما للبحث عن فرصة عمل، وهو هجرة الأطفال..
- إزاااااى؟
الهجرة غير الشرعية، ونظرًا للظروف التى تمر بها المنطقة، باتت تجارة مربحة وعابرة للحدود، لكن وحتى لا نخرج من مصيبتنا، نوضح لكم أن "سماسرة الموت" وتجار الأحلام بدأوا منذ سنوات فى إقناع الأهالى بسفر الأطفال، من دون الثامنة عشر، تحت زعم أن الاتحاد الأوروبى يستقبل الأطفال ويرفض ترحيلهم، اعتبارًا إلى تعرضهم للخطر، ثم تعمل الدول الغربية على إعادة تأهيل الأطفال وتعليم اللغة وغيرها من المهارات التى تمكنهم من الاندماج فى المجتمع الجديد.
نخرج من الكلام السابق بأن الطموح حق، ومن حق كل الناس أن تطمح فى حياة أفضل، ولا تسمح لأحد مهما كان منصبه أن يعيب عليك "طموحك الزائد"، لكن فى الوقت نفسه الحياة لا نعيشها "سبهللة" إنما تحتاج قطعًا للدراسة والتخطيط.