تعيش المملكة الأسبانية مأزقا حقيقيا منذ أكثر من تسعة أشهر في ظل استمرار غياب حكومة تعبر عن الشعب الأسباني وهو ما يضع البلاد في وضع صعب لم تعتد عليه من قبل. فعلى الرغم من إجراء الانتخابات التشريعية مرتين متتاليتين، في ديسمبر 2015 ويونيو 2016، غير أنه لم ينجح أي حزب سياسي في تشكيل الحكومة حتى حزب “الشعب” اليميني، الذي جاء في المرتبة الأولى، لم ينجح في الحصول على الأغلبية المطلقة التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده ، كما أخفق في التحالف مع الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة توافقية.
وعندما تقدم رئيس الحكومة المنتهية ولايته ماريانو راخوي ببرنامجه الحكومي للحصول على ثقة البرلمان أوائل الشهر الجاري حصل على تأييد 180 صوتا مقابل اعتراض 170 صوتا ولم ينجح التحالف البرلماني الذي عقده مع حزب “سيودادانوس” اللبيرالي من حصوله على الأغلبية المطلوبة مما عطل عملية تشكيل الحكومة.
وفي حالة عدم نجاح راخوي في التوصل إلى حل توافقي مع الأحزاب الأخرى وتشكيل حكومة جديدة قبل 31 أكتوبر المقبل فإنه لن يتبقى أمام البلاد غير اللجوء مرة ثالثة إلى صناديق الاقتراع في ديسمبر القادم.
في ضوء هذا المشهد السياسي المعقد، جاءت العديد من المطالبات بعدم دخول زعماء الأحزاب الحالية في الانتخابات المقبلة وضرورة تغيير القيادات الحزبية حتى يتسنى للشعب تغيير مواقفه وتفادي الحصول على نتائج مشابهة في الجولة الثالثة.
ويثير هذا الوضع المضطرب الذي تشهده إسبانيا استياء المسئولين الرسميين في الدولة، وعبر عدد كبير من الوزراء عن خطورة استمرار هذا الفراغ الحكومي على الوضع العام في البلاد ، حيث أن عدم تشكيل حكومة إسبانية قد عطل تنظيم العديد من الاجتماعات والمؤتمرات الدورية وتسبب في تأخير تنفيذ عدد كبير من الاتفاقات التي لا يمكن لحكومة تسيير الأعمال التصرف فيها، كما غابت أسبانيا عن المشاركة في القمم والمنتديات الدولية ولم يكن لها ثقل أو موقف مؤثر في أزمات القارة الأوروبية وعلى رأسها مشكلة المهاجرين.
وعلى الصعيد الشعبي ، تسود حالة امتعاض واضحة بين المواطنين في الشارع الأسباني الذين ضاقوا ذرعا من الفراغ الحكومي الذي يعيشون فيه رغم توجههم إلى صناديق الاقتراع مرتين ، وهو ما أدى إلى شعورهم باليأس واهتزاز الثقة في مختلف القوى السياسية. وفي محاولة للتعبير عن استيائهم، تقدم آلاف المواطنين بعريضة على الموقع الالكتروني change.com يطالبون فيها بوقف صرف الرواتب لنواب البرلمان في ظل تعطل تشكيل الحكومة حيث أنهم لا يستحقون تلقي رواتبهم وأن هذه المبالغ تشكل عبئا ثقيلا على عاتق الدولة ورفعوا شعار “لا حكومة، لا رواتب”.
وأكد الموقعون على العريضة، والبالغ عددهم أكثر من 140 ألف مواطن، أنه منذ ديسمبر 2015 تتحمل الدولة دفع مبالغ باهظة كرواتب لأعضاء البرلمان ( 350 نائبا و266 عضو مجلس الشيوخ) والتي تصل إلى 30 مليون يورو سنويا، أضف إلى ذلك تكلفة تنظيم جولتين من الانتخابات التشريعية البالغة نحو 260 مليون يورو ، فضلا عن تكلفة الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية البالغة 50 مليون يورو.
واهتمت وسائل الإعلام بتسليط الضوء على هذه العريضة أملا في أن تجد صدى لها لدى الأوساط السياسية العليا ولم يصدر أي رد فعل من قبل أعضاء البرلمان الذين فضلوا الالتزام بالصمت في مواجهة هذا الغضب الشعبي باستثناء حزب “سيودادانوس” الليبرالي، الذي يمثل القوة السياسية الرابعة في البلاد، والذي رد عبر البريد الالكتروني لمكتبه الإعلامي ردا مقتضبا يفيد أنه يتفهم جيدا غضب الشعب الإسباني من استمرار الوضع السياسي المتأزم غير أن ممثلي الحزب في البرلمان يؤدون المهام التي أوكلها الشعب إليهم ويقومون بالأعمال القانونية ويجتمعون بمؤسسات المجتمع المدني.
وتنعكس حالة الاستياء الشعبي على استطلاعات الرأي التي أجريت وكان آخرها استطلاع أجرته مجلة” الباييس” الإسبانية وأظهر أنه في حالة إجراء جولة ثالثة من الانتخابات التشريعية في ديسمبر القادم ، فإن نسبة الامتناع عن التصويت ستصل إلى 37% لتكون الأعلى من نوعها في تاريخ المملكة الأسبانية.
وعلى الرغم من هذا الوضع السياسي المتفاقم، شهدت بعض المؤشرات الاقصادية في إسبانيا تحسنا ملحوظا حيث عرف الناتج المحلي الإجمالي نموا بلغت نسبته 0.8% خلال الربع الثاني من عام 2016 ، كما انخفضت أعداد العاطلين عن العمل 220 ألف شخص وزادت فرص العمل بواقع 270 ألف فرصة، كما ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 13% عن الربع الأول من العام.
في هذا السياق، أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن تحسن بعض مؤشرات الاقتصاد الإسباني تعود بالأساس إلى نشاط القطاع السياحي وإلى الإصلاحات التي قامت بها الشركات والتي ساهمت بشكل أساسي في تنشيط الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، محذرة من أن استمرار غياب حكومة يمثل تهديدا خطيرا لإسبانيا وأنها لاتزال معرضة لخفض توقعات معدل النمو في منطقة اليورو كما أنها لن تكون قادرة على الوفاء بالاتزامها مع شركائها الأوروبيين لخفض العجز في الميزانية.