شهدت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، الأربعاء، أمام مجلس الأمن، حول سوريا، العديد من السائل والتصريحات التى من شانها إعادة رسم خريطة المفاوضات حول الأوضاع الراهنة بالمنطقة، من أجل إحلال السلام الدائم وإنهاء الصراعات الدائرة.
وتقدم الرئيس عبد الفتاح السيسى فى بداية كلمته أمام اجتماع مجلس الأمن الدولى لمناقشة الأوضاع حول سوريا بالعزاء فى ضحايا قافلة الإغاثة والمساعدات التى تعرضت للقصف أول أمس فى سوريا، قائلا: "هذا القصف يجب ألا يمر دون محاسبة لمرتكبيه".
وقال الرئيس السيسي فى كلمته أمام مجلس الأمن: "الأزمة فى سوريا تدمى قلوبنا جميعا ولكن الهدف من وجودنا اليوم هو أن علينا تحمل مسئوليتنا كأعضاء فى مجلس الامن معنيين ومسئولين عن حفظ السلم والأمن الدولى لإيجاد صياغة عملية وفورية لوقف نزيف الدم فى سوريا".
وطالب الرئيس السيسي بضرورة وضع تصور موحد وتسوية سياسية شاملة للأزمة فى سوريا تنقذ الشعب السورى من محنته الممتدة والمستمرة طوال 5 أعوام مضت، مضيفا: "مرت 5 أعوام ونزيف الدم ما زال فى سوريا وخلف الآلاف من القتلى والنازحين واللاجئين حول العالم ومازال الحل السياسى غائبا وسوريا نهب لأطماع إقليمية ودولية وفريسة لإرهاب يتغذى على هذه الأطماع ومقدرات السوريين".
وأوضح الرئيس السيسى أن جذور المشكلة ومكامن الخلل فى المحاولات السابقة لاحتواء الأزمة فى سوريا، هو أن أى قراءة نزيهة لتجربة المجتمع الدولى لحل الأزمة السورية حتى الآن هو أن تفضى إلى نتيجة أساسية وهى أننا مستغرقين فى معالجة العرض لا المرض، قائلا: "نحن مستنزفون فى نقاش حول التوصل إلى ترتيبات مؤقتة لوقف إطلاق النار لتخفيف معدلات القتل والدمار ومنهمكون فى تخفيف حدت الكارثة الإنسانية التى يعيشها السوريون".
واستطرد: "لكننا فى سوريا لم نحقق حتى الآن أى تقدم فى معالجة جوهر المشكلة الأساسية وهو غياب الحل السياسى العادل والشامل الذى يلبى التطلعات المشروعة للشعب السورى وينهى المعاناة المستمرة"، مرحبا باتفاق وقف العدائيات الذى تم التوصل إليه منذ أيام بجهد من دولتى روسيا وأمريكا، مفيدا بأن هذا الاتفاق حقق بالفعل خفض للعنف رغم خروقات الهدنة وتعنت عدد من الاطراف المحلية لاستمرار الأزمات.
وأكد الرئيس السيسى أن بعض الأطراف المحلية فى سوريا المدعومة من قوى إقليمية لا تزال ترفض تحمل مسئوليتها وتصر على المقامرة بمقدرات الشعب السورى، موضحا أن اتفاق العدائيات يظل غير كافى ولابد من استكماله بانتقال فورى للمفاوضات السياسية سعيا للتوصل إلى حل نهائى وشامل للأزمة، داعيا المبعوث الدولى "دى ميستورا" لتوجيه الدعوة للدولة القادمة من المفاوضات فى أقرب وقت ممكن.
وأشار الرئيس السيسى إلى أن الخطوط العامة لأى حل سياسى فى سوريا لا يوجد عليها خلاف غير أن ترجمة هذه الخطوط العامة لإجراءات عملية على ارض الواقع تقتضى إعلاء مبدأ الوحدة والسلامة الاقليمية السورية.
وقال الرئيس عبد الفتاح السيسى، إن سوريا التى يأملون فيها لابد من المساواة فيها بين جميع الأطياف السورية وممثلى جميع الطوائف مع استثناء التنظيمات الإرهابية التى لا يمكن أن يكون لها مكان فى سوريا، مؤكدا أنه لا مكان للإرهاب فى سوريا ولا مجال لأى محاولة لتجميل صور التنظيمات الإرهابية.
ورفض الرئيس السيسى فى كلمته أى محاولات للالتفاف على قرارات مجلس الأمن التى صنفت تلك التنظيمات كمنظمات إرهابية فى سوريا، متابعا: "لا مفر من أن نعترف بأن الوقت ليس فى صالحنا وكل يوم يمر وجرح سوريا ما زال غائر ويعطى فرصة جديد للإرهاب الذى يتفشى والطائفية التى تحاول أن تقوض أسس الدول الوطنية فى كل المشرق العربى".
إن كل من يراهن على حسم عسكرى يفضى لغلبة فريق واحد فى سوريا "خاسر"، كما أن كل من يراهن على أن تلعب التنظيمات الإرهابية دورًا فى سوريا، "وأهم"، فقد ثبت من تجربتنا من مسارى جنيف وفينينا وقرار مجلس الأمن 2254 أن إيجاد قواسم مشتركة بين المعنيين بالأزمة السورية ليس مستحيلا، وإننا قادرون على إحراز تقدم حقيقى تجاه التسوية السياسة وفى توقيت قياسى إذا ما توافرت النية والإرادة .
وتابع: "إن تجربة مصر فى استضافة مؤتمر جامع لمختلف أطياف المعارضة السورية فى يونيو 2015 اجتمع فيه السورين من مختلف التيارات بدون تدخل أو إملاء تنذر بأن إمكان السوريين التوافق على وثائق متقدمة ترسم الطريق للخروج من نفق الأزمة المزمن فى سوريا" .
وأضاف السيسى، أن وثائق مؤتمر القاهرة توضح بجلاء أنه بإمكان إيجاد حل سورى للأزمة السورية، وقد لاحظتم جميعا أنها شكلت الأساس الذى بنى عليه كل جهد لاحق قام به أى طرف سورى أو دولى وطرح رؤية عملية للتسوية .
واستطرد الرئيس فى كلمته أمام مجلس الأمن، أن الطريق واضح فى استئناف وقف العدائيات وإلزام كل الأطراف بقبوله ثم تطويره لوقف شامل لإطلاق النار فى سوريا، من شأنه أن يوقف نزيف الدم ويسمح بنفاذ قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية للمدنيين، فى المناطق المنكوبة والأشد احتياجا، ولعلكم تعلمون أن لمصر خبرة ناجحة فى تمرير المساعدات مرتين إلى مناطق منكوبة فى سوريا استفادة من خطوطنا المفتوحة مع كل أطراف الأزمة السورية ونعول على التزام كل الأطراف باتفاق وقف العدائيات كخطوة ضرورية نحو تخفيف المأساة الإنسانية وإيصال المساعدات للمنكوبين، وإننا نؤكد استعدادنا لتقديم كل عون فى هذا المجال .
وأشار الرئيس إلى أن إحياء المفاوضات السياسة الجادة فى سوريا يبقى شرطا ضروريا لكى يصمد أى اتفاق لوقف إطلاق النار واستمرار إيصال المساعدات للمحتاجين، مضيفًا: لا يعرف التاريخ نموذجا لترتيبات ميدانية لوقف إطلاق النار صمدت بدون أفق سياسى لمعالجة جذور الأزمة، ولن تكون سوريا استثناءا من ذلك .
وقال السيسي إن رؤية مصر لحل الأزمة السورية كانت ولا تزال تقوم على ركيزتين أساسيتين، أولها وحدة الدولة السورية والحيلولة دون انهيار مؤسساتها، أما الثانية فهى دعم التطلعات المشروعة للشعب السورى فى إعادة بناء دولته عبر التوصل لصيغة حل سياسى تكون مرضية لجميع السوريين ومعبرة عنهم وتوفر البيئة المناسبة لجهود إعادة الإعمار.
وثمن الرئيس السيسى جهود المبعوث الدولى إلى سوريا قائلا: "نثمن جهود المبعوث الدولى ستيفان دى ميستورا لدعم عمله الرامى لاستئناف المفاوضات السياسة فورا ودون تأخر، ونؤكد فى هذا السياق على أهمية أن تشكل هذه المفاوضات ممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة بدون تمييز لتؤتى تلك المفاوضات ثمارها المرجوة وفقا لما جاء بقرار مجلس الأمن 2254 .
وأكد الرئيس أنه لا مجال لإضاعة الوقت، فكل يوم يمر نرى مزيدا من الدم سيراق، وأن معاناة جديدة ستضاف إلى حياة الأبرياء السوريين، مضيفا: "مصر حريصة على التواصل مع كل أطراف الأزمة السورية، وملتزمة بالعمل مع كل أشقائنا فى المنطقة وشركائنا فى المجتمع الدولى لتقديم كل دعم ممكن للحل السياسى المنشود فى سوريا، ومسئوليتنا جميعا أن نستعيد الأمل لأبناء سوريا" .
واختتم الرئيس كلمته بالقول: "آن الآوان أن نتحمل هذه المسئولية، وأن نحل جذور المشكلة مباشرة وبدون أى إبطاء" .