التفكير الاستراتيجي صفة مشتركة بين النظم العسكرية والمدنية
”الأمن أهم من الحرية” مبدأ خطأ ومتطرف
قال الدكتور نديم سراج الدين المفكر والفيلسوف العربي السوري، إن عدم تحقيق الحركات الشعبية، النتائج المرجوة بتغيير النظم، كان حافزاً للبحث عن حل يضمن إحداث التغيير.
وأضاف خلال حواره ، مع شبكة الاعلام العربية “محيط “، أن إنهاء الصراع وسفك الدماء يتمثل في ضرورة الحوار مباشرة مع الحكام، لأن التغيير يأتي من أعلى وليس كما هو معروف من القاعدة الشعبية”.
ولفت إلى أن النموذج الألماني بإدخال الجيش في المجالس البرلمانية والمؤسسات العامة وتمثيله عن طريق العسكريين مهم جداً بالنسبة لطرحه.
ووصف الشعار الذي رفعه الحكام في الربيع العربي” أنا أو الفوضى” بأنه شعار خاطئ ومتطرف، وتحدث عن “شيطانية السلطة” أو “فتنة الكرسي”، معتبراً أن الحاكم أيضا ضحية لأنه يريد القوة.
وإليكم الحوار:
ما أهم ملامح وتركيبة السياسة في النظم العسكرية والمدنية؟
أما الاختلاف، فيتمثل في أن النظام العسكري يقوم على الأمن والتنفيذ والوفاء، أي إطاعة الأمر وتنفيذه ثم الاعتراض عليه بعد ذلك، فيما يقوم النظام المدني على المناقشة والمقارعة بالحجة والإقناع بهدف الوصول إلى المصداقية.
وهل هناك نظرية محددة لفهم التفكير العسكري المدني؟
التفكير العسكري هو كما قال “الزعيم” عبد الناصر (الاتحاد والنظام والعمل)، وليس الأسلوب الدبلوماسي اللين المطاطي (الحوار)، وتنفيذه أمر ضروري، وهذا يتطلب البحث عن حل وسط.
ويجب أن يكون هناك مصداقية للسياسة، فحسب نظرية ميكافيللي “الغاية تبرر الوسيلة”، يكون السياسي المحنك مثل الثعلب، بينما العسكري قوي مثل الأسد.
والشجاعة في الدبلوماسية ظهرت بوضوح عندما كان رئيس الجامعة العربية السيد عمرو موسى في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي وظل جالساً يبتسم، بينما ترك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أرودغان المنصة في حضور رئيس إسرائيل السابق شيمون بيريز، وذلك احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي على غزة، كرسالة اعتراض قوية ، ولم يتضامن موسى مع السيد أردوغان، وهذا عمل كان مؤسف جداً للجامعة العربية والعالم العربي وخصوصًا من ممثلي البعثات العربية في أوروبا لأن بعضهم لا يزال ضعيفا.
تتحدث عن دمج “العسكريين ” في الحياة المدنية، هل يمكن أن توضح الحالات التي يتم فيها ذلك؟
البرلمان الألماني “بوندستاج” هو الذي يعلن الحرب وليس الجيش أو القائد، ولكن الجيش أصبح ممثلاً في البرلمان لفئة خاصة فقط، مثلها مثل الفئات الأخرى كالفنانين، وهذا يعكس مبدأ المساواة.
فالجيش له تمثيل في البرلمان ويتم انتخاب ممثليه من قبل الجيش نفسه، ومهمتهم مناقشة الأمور الخاصة بالميزانية لأنها ليست سرية كما هو الحال في بلداننا العربية.
برأيك ما المعايير والإجراءات التي تضمن نجاح دمج العسكريين في الحياة المدنية؟
يجب أن نبدأ بالتربية في المدرسة بتغيير التفكير ورفع مستوى الوعي السياسي، ما يسمى حديثاً بعلم “التصرف السياسي”، واحترام حرية الفن والثقافة وحيادية العلم والمعرفة.
هل هناك مدة محددة يمكننا بعدها القول أن العسكريين دخلوا الحياة المدنية بالفعل؟
الأمر يحتاج إلى جيل واحد فقط، أي ما بين 20 و30 عاماً بحد أدنى، والجيش الألماني لديه جامعات خاصة، إحداها في ميونخ والثانية في هامبورج وتسمى جامعة هيلموت شميدت نسبة للمستشار الراحل الذي كان معروفاً بقدرته وإرادته في تحقيق أهدافه السياسية، وهذا ما يتعلمه الضباط في ممارسة الديمقراطية.
وبالمناسبة كل سياسي ناجح له قاعدة فلسفية، والقاعدة الفلسفية لهيلموت شيمدت هو الفيلسوف النمساوي كارل بوببر الذي عرف الدولة بأنها شر ضروري ( شيطانية الدولة) لا يمكن الاستغناء عنها وإلا حدثت فوضى.
هل تعتقد أنه يمكن تطبيق فكرة دمج الجيش في الحياة المدنية بمجتماعتنا العربية، خصوصا وأن الشعوب عندنا تربط بين الحاكم ذوى الأصول العسكرية وبين الاستقرار السياسي والاجتماعي، وربما هذا ظهر جلياً في أوقات الربيع العربي (أنا أو الفوضى)؟
هذا السؤال مرتبط بالشعور بالمسؤولية، وللأسف، فإن مقولة “أنا أو الفوضى” جاءت على أساس أن “الأمن في منطقتنا العربية أهم من الحرية”، كحل قصير المدى لكنه مبدأ خطأ ومتطرف.
في الشرق عندنا مثل معروف وهو نحن نقبل بديكتاتور عادل، لأن العدالة هي تطبيق العقل والحكمة من أجل هدف عام.
وهل تعتقد أن هناك تأثير متبادل بين التفكير العسكري والمدني؟
هذا يخص علاقة الأمن مع الحرية، ومعادلة الفيلسوف الانجليزي توماس بوبر تقول “كلما زاد الأمن والرقابة كلما قلت الحريات والعكس”.
والأمر يخوضنا للحديث عن التجربة الألمانية وأنا تتلمذت على يد جنرال عسكري كان مديراً للإدارة السياسية للجيش الألماني، لكن لا شك أن هناك صعوبة في تطبيق الفكر الألماني على النظم لدينا في المنطقة العربية.
ولا يمكن تطبيق النظرية على العملية لأن التفكير مختلف، ولا نستطيع أن نأخذ أفكار لاتتناسب مع تاريخنا وطبيعتنا.
ففي الشرق العربي، أحياناً الحاكم فردي وأناني ومسؤول فقط أمام عائلته، أي أنه ينظر فقط إلى المصلحة الخاصة، أما المصلحة العامة بالنسبة له فهي ثانوية.
ونتيجة هذا التفكير هو عدم الاهتمام بالقضايا العامة، هذا يعني عدم اهتمامه بالعالم، فالعربي يطلب من العالم التدخل والمساعدة عندما يقع في الكارثة، لكن العالم ليس دائما خادماً تحت أمر المواطن الأناني.
إذا ما الحل الذي يتناسب مع منطقتنا العربية؟
الدراسة في العمق والتحليل والمناقشة الحرة ، وأهم موضوع في الواقع العربي، هو ضرورة رفض العنف من كل الأطراف لأنه لا يوجد أحد عاقل يجازف بحياته من أجل الآخرين، كما يحدث.
وعلينا أن نستفيد من التجربة الألمانية ومراحل تطورها من العسكرية حتى مرحلة جيش الشعب.
هل تعتقد أن دخول الجيش في الحياة المدنية سيساعد على تحقيق الديمقراطية؟
عدم تحقيق الديمقراطية من القاعدة الشعبية أفشل العمل، وأجبرنا على البحث عن بديل آخر، وهو تغيير وتطوير النظام العسكري، ولا يعني ذلك أن نكون ضده، فالنتيجة كانت كارثة شاملة وعامة كما يحدث في سوريا.
مصر يحكمها الآن رئيس بخلفية عسكرية بعد عام من حكم الإخوان المسلمين.. كيف تقرأ الواقع وكيف تستطلع المستقبل ؟
الوعي السياسي الشعبي في مصر كان ولا يزال ديني لم تتقبله الفلسفة الغربية أو نظريات مقنعة أو حيادية موضوعية تناسب القرن ال 21.
والحسم العسكري مبدئياً كان ولا يزال غير صحيح، والعقلية الأوروبية الغربية منفتحة لم تكن يوماً ما ضد الدين بل كانت مع العقل والفكر والعقيدة المعتدلة ومنطق العقل السليم رفعت المستوى الديني إلى العلى.
بعد حوالي 65 سنة من ثورة يوليو ، هل تعتقد أن جمال عبد الناصر ومن بعده من الحكام نجحوا في الدخول إلى الحياة المدنية وخلعوا الزي العسكري أم ظلوا به حتى النهاية؟
عبد الناصر نادى بالاتحاد والنظام والعمل، وهذه هي الماركسية الأصيلة كفلسفة ألمانية، فالشعب الألماني شعب جدي بالنسبة للعمل، وليس كما هو مفهوم عند الآخرين أن الاشتراكية هي ثورية انقلابية نقدية، فالفلسفة الألمانية هي فلسفة العمل.
ولم يناد عبد الناصر بالديمقراطية، فكان تفكيره عسكري واقعي وكان ضروري تطبيقه بغض النظر عن الأيدولوجية لأنه كان عمل شعبي وواقعي ملموس.
والجسر بين الحاكم والمحكوم هو العقل والإنصاف والتواضع والتصرف اللائق المسالم المسماة “بالتصرف الأدبي”، وليس العاطفة السياسية الحادة المهينة عند المواطن العربي، فالمواطن العربي أمام السياسي المدني يمكن أن يحترمه ولا يحبه، وأمام العسكري فهو يحترمه ولا يحبه.
والمعادلة الأخيرة هي “من لم يأت بحكمة وعقل موسى يأتي بعصا فرعون” والتصرف الصحيح والموقف المهذب يكون حسب النظريات السياسية الحديثة لمبادئ تحقيق الديمقراطية، وفرضية الحوار المدني والتعايش السلمي.
ولنتذكر أن الشعوب العسكرية الثلاثة (الأتراك واليابانيين والألمان) شعوب وأنظمة سياسية ناجحة، يمكن التعلم منهم التصرف الحضاري الذي يعد أحد أسباب نجاح السياسة العالمية.