تضمنت كلمة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على منبر الأمم المتحدة، العديد من المواعظ والإعلانات المطاطة.
أما الجمعية العامة الـ71 للأمم المتحدة في نيويورك فقد انعقدت على خلفية مشهد دولي وإقليمي ساخن ومليء بالأزمات والخلافات والصراعات. وكلمة أوباما هي الأخيرة له من على هذا المنبر كرئيس للولايات المتحدة، حيث ستنتهي ولايته الثانية بعد عدة أشهر. وبالتالي، كان من الطبيعي أن يبرر السنوات الثماني التي جلس خلالها في المكتب البيضاوي، وجائزة نوبل للسلام التي حصل عليها بناء على جملة من الوعود والتصريحات حول “عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل”!
تضمنت كلمة الرئيس الأمريكي عدة بنود:
- مشكلة اللاجئين، حيث نصح العالم بأن يحتضنهم!
- مشكلة الفقراء، حيث رأى أن الفقراء يمثلون 10% فقط من إجمالي تعداد سكان العالم!
- يجب أن ينطلق صانعو السياسات من مصالح الشعوب لا الحكام، ويجب أن يرفع المؤمنون بالديمقراطية أصواتهم رغم بعض عيوب الديمقراطية!
- ضرورة التوصل إلى حل سياسي في سوريا يتضمن إيصال المساعدات الإنسانية والتحول السياسي!
- استبعد نشوب حرب عالمية، حيث رأى أن فرص إحلال السلام أصبحت أفضل!
- نجاح النظام العالمي بشكل كبير، ومن لم يستفد، فهذه مشكلته!
- الولايات المتحدة لا تسعى لفرض نموذجها على العالم!
-الفلسطينيون والإسرائيليون كان من الممكن أن يكونوا فى وضع أفضل لو اعترف الفلسطينيون بشرعية إسرائيل، ولو أوقفت إسرائيل الاستيطان!
- عملية تغيير السلطة التي وقعت في أوكرانيا عام 2014 حدثت دون أي تدخل خارجي، والشعب الأوكراني لم يخرج إلى الشوارع بسبب فرض نموذج عليه، بل بسبب أن السلطة هناك كانت فاشلة!
- إدانته لـ”الأقوياء” الذين يسعون للحفاظ على السلطة عبر الحملات السياسية المستمرة فى أوطانهم أو عن طريق خلق صراعات فى الخارج!
- روسيا تحاول استعادة مجدها الضائع بالقوة رغم انتهاء عصر الإمبراطوريات!
من النقاط أعلاه، نكتشف أن كلمة الرئيس الأمريكي توزعت على 3 محاور أساسية: نصائح ومواعظ في أغلبها، ثم تبريرات، وبعد ذلك اتهامات.
أما النصائح والمواعظ، فهي مغلفة بالكثير من الكذب والتضليل، وبالذات فيما يتعلق بأزمة اللاجئين وما يحيط بها من عوامل سياسية واجتماعية، وكورقة يتم التلاعب بها، وآفاق استخدام هذه الورقة فيما بعد. وفيما يتعلق بمشكلة “الفقر والفقراء”، نكتشف أن الرئيس أوباما يؤكد أن نسبة الفقراء في العالم أصبحت 10% فقط، وأن كل شيء على ما يرام بخصوص صحة الأطفال والأمهات. وبالطبع فأوباما لا يقصد أن ذلك في الولايات المتحدة، بل في العالم. مع أن هذا ليس موجودا أصلا لا في أوروبا ولا في الولايات المتحدة، وبالتالي غير موجود في العالم. وليذهب أوباما إلى إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية ليرى بنفسه.
وكالعادة، لا يستطيع الرئيس الأمريكي أن يتحدث دون أن يتذكر الديمقراطية، ودون أن يثني على الديمقراطيين وينصحهم برفع أصواتهم. ولكن من هم هؤلاء الديمقراطيون، هل هم من ينتقدون ويعادون سياسات الولايات المتحدة، أم أولئك الذين يرون في واشنطن سدرة المنتهى؟! وهل فعلا، أوباما لا يعلم أن الحكام وصانعي السياسات لا يختلفون كثيرا عن بعضهم، بما في ذلك في الولايات المتحدة والكثير من الدول الأوروبية؟! في كل الأحوال، لقد نسي الرئيس الفيلسوف أن يذكر بعض عيوب الديمقراطية!
المدهش، أن أوباما قد نصح أيضا بضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، وهذا من عجائب القدر، وكأن الأزمة السورية نشأت أصلا في أمريكا اللاتينية أو جنوب إفريقيا أو الهند. وربما تكون الولايات المتحدة، وحلفاؤها وأتباعها في داخل سوريا وخارجها، بعيدة تماما عن الأزمة السورية. ولكن لماذا يفضل الرئيس الأمريكي أن ينصح ويعظ ويدعو من دون أن يقدم رؤية واضحة، أو يعلن عن اتفاقاته مع روسيا حول سوريا، أو على الأقل ينفذ التزاماته بفصل الإرهابيين عن من يسميهم “المعارضة المعتدلة”؟!
ويصل الرئيس الأمريكي صاحب نوبل للسلام إلى ذروة مجده الفلسفي العميق، مكدا للعالم أجمع أنه قد توصل للتو إلى أعظم اختراع في تاريخ البشرية. فالرئيس الأمريكي شخصيا ينصح ويعظ، ويدعو إلى “توحيد الجهود للقضاء على داعش فكريا وميدانيا، ومواجهة التطرف العنيف بكل السبل والقوى الممكنة”!.. فماذا يعطله أصلا عن القيام بذلك مع كل الدول التي تعاني من الإرهاب، وكل الدول التي تدعو أيضا إلى ذلك، حتى من قبل أن يصل أوباما إلى البيت الأبيض!
أما التبريرات، فقد كانت كثيرة للغاية، ومثيرة للإزعاج، وتعطي المستمع انطباعا بأن الرئيس الأمريكي يسخر منه. فأوباما يرى أن لا حرب عالمية بين القوى الكبرى. ما يعني أن الرجل صاحب نوبل “للسلام” وبعبقرية غير مسبوقة، يرى أن لا حرب عالمية. إذا، فماذا يجري الآن بالضبط؟ ومن الذي قال لأوباما إن الحرب العالمية الأولى أو الثانية في القرن الماضي يجب أن تتكررا بالضبط وبنفس النسق والآليات؟
من جهة أخرى، لم يذكر أوباما بالتفصيل، كيف نجح النظام العالمي بشكل كبير. فالجملة بحد ذاتها تجعل المستمع منبهرا للغاية بالمتحدث، وتفقده حاسة الفهم والإدراك والنقاش. فعن أي نظام عالمي يتحدث الرئيس الواعظ؟ عن إفقار الشعوب الأخرى، وإشعال الحروب الطائفية والعرقية، أم عن نهب ثروات الدول وتخريبها؟! ولكن التبريرات تحتاج إلى التفاف على الواقع. وبالتالي، ليس غريبا أن يقول أوباما إنه “من أجل المضى قدما، علينا أن نعترف بأن المسار القائم بحاجة لتصويب، فهناك من استفادوا من العولمة وهناك من لم يستفد، بسبب أشياء متعلقة بهوياتهم العرقية والموارد... ولأن هذه المشكلات تم تجاهلها فإننا شهدنا تحديات أخرى فقد أدى هذا لنشوء التطرف الديني والعرقي، والقومية التي تقود إلى تشدد بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وهذا أثر على دولنا ولا يمكن أن نتجاهل هذه الرؤى”.
البعض يرى أنه من الأفضل أن يعيد الرئيس الأمريكي نفس هذا الكلام ويكرره عدة مرات بينه وبين نفسه، لكي يدركه ويفهم معناه هو أولا، لأن الولايات المتحدة وسياساتها وأجهزتها الاستخباراتية هي التي أسست لكل تلك الظواهر اقتصاديا وسياسيا، ثم استغلتها في مراحل معينة، وبعد ذلك كرست لها من أجل المزيد من استخدامها. وبالتالي، فعندما يعلن أوباما أن بلاده لا تسعى لفرض نموذجها على العالم، نتذكر وزير خارجيته جون كيري الذي قال نفس الكلام منذ عدة أيام، مشيرا إلى منظومة القيم والأخلاقيات والمثل الأمريكية التي يجب أن تجتذب الناس!
المثير للدهشة هنا، أن أوباما وكيري يعتبران أن العالم فقد الذاكرة، وأن الأجيال الجديدة في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال، ودول أمريكا اللاتينية مجرد أجيال بلا ذاكرة، وبلا تاريخ. وأن لا أحد يتذكر أي شيء! بل ولا أحد يرى ما يحدث الآن أيضا!
وبالانتقال إلى المحور الثالث من كلمة الرئيس الأمريكي الفيلسوف الواعظ، صاحب نوبل، نجد أنه يضع العربة أمام الحصان ليطالب الفلسطينيين بالاعتراف بشرعية دولة إسرائيل، وكأنه لا يعرف أن هناك معاهدة سلام بين فلسطين وإسرائيل، وأن هناك اتفاقات ولقاءات كثيرة. ورغم ذلك، فهذا لا يمنع إسرائيل من ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، والسعي المتواصل لمحو هويتهم وذاكرتهم، والإمعان في تشتيتهم وإفقارهم والتحكم بمفاصل حياتهم، وفي نهاية المطاف اتهامهم بالعنف والإرهب. غير أن المذهل في هذا المقام، أنه يتهم إسرائيل أيضا بمواصلة الاستيطان، وفي الوقت نفسه يقدم لها المساعدات المالية والاقتصادية والعسكرية بعشرات المليارات من الدولارات!
وينتقل أوباما إلى الأزمة الأوكرانية ليلخصها بشكل مخل ومثير للأسف. فهو يرى أن مظاهرات الميدان في كييف جرت من دون أي تدخل خارجي، وأن الشعب الأوكراني لم يخرج إلى الشوارع بسبب فرض نموذج عليه، بل بسبب أن السلطة هناك كانت فاشلة!
من الواضح أن الرئيس الواعظ لم يكن مستيقظا في تلك الفترة، أو أن مساعديه ومستشاريه ضللوه. لقد كان هناك تدخل خارجي فعلا وعلى أرض الواقع. وعلى أوباما أن يسأل وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا والولايات المتحدة، وأن يعرف من من هؤلاء الوزراء التقى بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش في كييف أثناء توقيع الاتفاقات مع المعارضة الموالية للغرب، وبعد ساعات قاموا بالانقلاب عليه. وعلى أوباما أن يراجع وسائل الإعلام الأمريكية نفسها لكي يرى ويعرف وزراء خارجية وسفراء الدول الغربية الذين كانوا يقفون مع المتظاهرين في “الميدان” بكييف.. وبالتالي، فالرئيس الأمريكي باراك أوباما، إما يكذب أو أنه ليس على علم بالتفاصيل، وخاصة بشأن “فرض النموذج” على أوكرانيا. فهل يعرف أوباما لماذا حدث كل ذلك أصلا؟! لقد حدث بسبب أن الغرب، وأوروبا تحديدا أجبرت الأوكرانيين على توقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية وسياسية من أجل التكامل اللاحق مع الاتحاد الأوروبي. وهذه الاتفاقيات تضر بالاقتصاد الأوكراني، وتضر بعلاقات أوكرانيا التاريخية مع دول الجوار، وعلى رأسها روسيا. ومن ثم كان من الضروري تغيير النظام السياسي في كييف، والمجيء بالحلفاء من الليبراليين الجدد، لتنفيذ هذا المخطط الذي أسفر عن انقسامات عرقية في أوكرانيا وأدى عمليا إلى حرب أهلية.
أما النقطتان الأخيرتان في محور الإدانات (إدانته لـ”الأقوياء” الذين يسعون للحفاظ على السلطة عبر الحملات السياسية المستمرة فى أوطانهم أو عن طريق خلق صراعات فى الخارج!.. وأن روسيا تحاول استعادة مجدها الضائع بالقوة رغم انتهاء عصر الإمبراطوريات!) فمن الممكن توفير الطاقة والجهد بعدم الرد أصلا. فالأولى تنطبق تماما على كل سياسات الولايات المتحدة، أو الأنظمة الاستبدادية التي تدعمها، أو على كليهما. والثانية، يمكن أن نرد عليها بشكل آخر تماما، لأن “روسيا هي التي قامت بتأسيس طالبان، ودعم القاعدة، والتمهيد لظهور داعش.. وروسيا هي التي غزت العراق واحتلته ودمرته تماما.. وروسيا هي التي قصفت السودان والصومال ويوغسلافيا وليبيا.. وروسيا هي التي أرسلت الإرهابيين والسلاح والأموال إلى شمال القوقاز ودعمت الإرهابيين هناك من أجل إقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة... وروسيا هي التي تساعد حزب التحرير الإسلامي في آسيا الوسطى وتمنح قادته اللجوء على أراضيها.. وفي نهاية المطاف، فروسيا هي التي تقود حلف الناتو نحو التوسع شرقا، وتنشر درعها الصاروخية ضد أوروبا والولايات المتحدة، وتطالب أوروبا بزيادة ميزانيات الدفاع، وتشعل الشرق الأوسط للتحكم في منابع النفط والغاز والسيطرة على طرق نقلهما من أجل ابتزاز العالم كله..”..