نشرت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرا للكاتب سكوت بيترسون، يقول فيه إن الآونة الأخيرة شهدت حوادث متكررة بقيام زوارق حربية إيرانية سريعة بالاقتراب من بوارج حربية أمريكية، تبحر في الخليج، ثم تتحول عنها في اللحظة الأخيرة، قبل أن يتم إطلاق رصاص تحذيري، ما دفع المتشددين الإيرانيين وإعلامهم إلى إصدار تصريحات يقولون فيها إن الولايات المتحدة “أهينت من جديد”.
ويشير التقرير، إلى أن آخر تلك الحوادث كان في الأسبوع الماضي، عندما حذرت إيران طائرتي تجسس بحري، كانتا تحلقان على مستوى عال، قريبا من حدودها، وقالت إنها ستطلق النار عليهما لو دخلتا المجال الجوي الإيراني، لافتا إلى أن كلا من إيران والولايات المتحدة تستنزفان بعضهما منذ أكثر من 30 عاما، حيث انخرطتا في لعبة شد حبل ملتهبة في منطقة الخليج، التي ينقل منها ثلث نفط العالم عبر مضيق هرمز.
ويقول بيترسون إن حوادث المواجهة بين الطرفين تصاعدت في الفترة الماضية، ووصلت في هذا العام إلى 32 حادثا على الأقل، مقارنة بـ23 حادثا سجلت في العام الماضي، وقال قائد القيادة المركزية الجنرال جوزيف فوتيل، في تصريحات له بداية هذا الشهر، إن التحركات العسكرية ما هي إلا محاولة “لبذل جهود للتأثير في المنطقة، والسيطرة عليها”.
وتورد الصحيفة نقلا عن الولايات المتحدة، قولها إن الحوادث الأخيرة كلها حدثت في المياه الدولية، وأضافت أن “التحرش” الإيراني “غير آمن، وليس مهنيا”، مشيرة إلى أن المسؤولين الإيرانيين يقللون من أهمية تحركاتهم، ويصفونها بـ”الروتينية” والدفاعية، وحذروا من رد قاس لو شعروا بوجود نوايا أمريكية عدوانية.
ويفيد التقرير بأن “المحللين يرون أن زيادة الحوادث كهذه ترسل رسائل من الحرس الثوري، الذي يندفع بدافع الأيديولوجية، والذي يخوض معركة تأثير مع الحكومة المركزية، التي يمثلها الرئيس حسن روحاني، حيث إنه مستعد لتحدي القوة العظمى، العدوة لإيران في حديقتها الخلفية في الخليج، حتى لو كانت هناك مخاطر تصعيد، كما هي تذكير لروحاني بأن الاتفاق النووي العام الماضي لن يغير من واقع الأمر شيئا، وأن الحرس الثوري لا يزال يؤدي دورا عسكريا، وإن كان استفزازيا”.
ويجد الكاتب أن هذه الحسابات تعني أنه حتى لو قلل الطرفان من المخاطر واندلاعها، فإن منطقة الخليج ستظل نقطة ملتهبة أو قابلة للاشتعال.
وتنقل الصحيفة عن الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية، عباس قيداري، المقرب من الرئاسة الإيرانية، قوله: “في منطقة الخليج، قد يؤدي خطأ جندي واحد- جندي واحد، إلى إشعال النار في الخليج (الفارسي) كله، أو بحر عُمان، ونحن قلقون تجاه هذا الأمر”. ويضيف: “نعتقد أن أي فعل غير مهني يقوم به الإسطول الإيراني أو الأمريكي وحلفاؤه سيكون مدمرا”.
ويعلق التقرير بأن هذا الكلام يعني أن ما هو على المحك كبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بتفسير كل طرف لحركة الطرف المنافس له، ويرى قيداري أن المواجهات في الخليج العربي “هي إشارات فقط، ولا تعكس فعلا حقيقيا، ولا تعبر عن سياساتنا”، ويقول: “في كل بلد هناك متشددون، وفي الولايات المتحدة أيضا”، مؤكدا أن الحرس الثوري لن يضر بالولايات المتحدة؛ نظرا للمصلحة القومية الإيرانية “لدينا هذا المجتمع من المتشددين، الذين ربما رغبوا بالحرب في منطقة الخليج، لكن انظر للقائد الأعلى للقوات المسلحة (آية الله علي خامنئي)، فهو لا يرغب أبدا بإشعال حرب في الخليج”.
ويلفت بيترسون إلى عدد من الحوادث التي حصلت في منطقة الخليج في الآونة الأخيرة، منها اختبارات إيران لصواريخ أطلقتها قرب بوارج بحرية أمريكية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، فيما حلقت طائرة دون طيار فوق حاملة طائرات أمريكية في كانون الثاني/ يناير، مشيرا إلى أن الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين يقوم بمناورات عسكرية دورية مع دول الخليج الحليفة.
وتورد الصحيفة نقلا عن القائم بأعمال قائد الحرس الثوري الأدميرال علي رضا تنقسيري، قوله إن قوات البحرية التابعة للحرس الثوري تقوم بحراسة الخليج العربي، و”إنها مهمة على مدار الساعة، وستستمر في المستقبل”، مع اهتمام خاص بالنشاطات الأمريكية، ويشير المحافظون الإيرانيون إلى التصرفات الأمريكية “التهديدية” قريبا من الحدود الإيرانية، ويتذكرون البحارة الأمريكيين العشرة، الذين دخلوا المياه الإقليمية الإيرانية في كانون الثاني/ يناير، واعتقلتهم إيران تحت تهديد السلاح، إلا أن الاتصالات الدبلوماسية السريعة بين البلدين، وعبر قنوات غير رسمية، أدت إلى الإفراج عنهم سريعا.
وينوه التقرير إلى أن الأحداث عادة ما تتحرك سريعا في المياه الإقليمية الضيقة للخليج العربي؛ لمنع التصعيد دون خط اتصالات مباشر، مشيرا إلى أن المناورات الحربية التي يقوم بها الحرس الثوري تستهدف الهجوم على مجسم لبارجة حربية أمريكية يتم ضربها بزوارق حربية وصواريخ.
وينقل الكاتب عن القائد السابق في الحرس الثوري، وسكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي، قوله: “نعتقد بالتأكيد أنهم يتسللون إلى مياهنا، وفي معظم الحالات”، لافتا إلى أنه بالنسبة لرضائي، فإن ما يقلق إيران واضح، وهو أن “أمن الخليج هو في الواقع أمن إيران”.
ويضيف رضائي: “هناك بعض الحالات التي شعرت فيها قواربنا السريعة بالشك من تحركاتهم، ولهذا اقتربت منهم”، بل اقتربت طائرة إيرانية من بوارج حربية أمريكية تبحر في المياه الدولية، ويتابع قائلا: “تقوم زوارقنا السريعة بإرسال رسائل تحذير لهم فقط، ولا تتخذ إجراءات، بل لفهم رد فعل الجانب الآخر”.
وتتساءل الصحيفة عما إذا كانت هذه التحركات خطيرة، وتجيب: “ليس من جانبنا”، منوهة إلى ان إعلام المتشددين الإيرانيين يحاول إظهار البعد البطولي في هذه التحركات، وأنه تم إرسال رسالة تحذير قوية للولايات المتحدة، حيث كتبت صحيفة “وطني إمروز” عن صاروخ “توندار”، قائلة إنه أطلق قريبا بـ 500 متر من حاملة الطائرات “يو أس أس نيو أورليانز”، وأشارت صحيفة “كيهان” إلى عنوان في “واشنطن تايمز” يقول إن “المواجهة تظهر أن صفقة أوباما النووية لم تترك أثرا في سلوك إيران”.
وبحسب التقرير، فإن استفزازات الحرس الثوري تشكل تهديدا على حسن روحاني، الذي تساءل عن توقيت اختبارات الحرس للصواريخ الباليستية، واعتبرها استفزازا، ويقول المحللون لتحركات الحرس الثوري الأخيرة إنها ترسل رسالة مقصودة إلى روحاني، الذي يتعرض لهجوم من منافسيه قبل انتخابات عام 2017.
ويورد بيترسون نقلا عن مؤسس موقع “إيرانفيو.كوم” مجتبى موسوي، قوله: “بعد أن حاول روحاني تحديد اختبارات الصواريخ، أراد الحرس الثوري أن يقوم بعمل واجبه، والقول إن (روحاني يثق بأمريكا، أما نحن فلسنا كذلك)”، لافتا إلى أن خامنئي والمؤسسة الإيرانية يجدان أن المخاطر تنبع من الاستجابة للمطالب الأمريكية، كما فعل العراق، وليبيا، حيث لم يمنع هذا الأمر من ضربهما، ويضيف موسوي: “عندما يقول الزعيم إنه يجب عدم الثقة بالولايات المتحدة، فإنه لا يمكن تحديد قدراتنا العسكرية؛ لأن الولايات المتحدة تنتظر الفرصة لإضعافنا”.
وتذكر الصحيفة أن المحللين يقولون إن النقاش في الحوادث البحرية يأتي وسط جدل من أجل تخفيض النفقات الدفاعية، خاصة أن الجمهورية منخرطة في حرب مكلفة في العراق، وسوريا، واليمن، حيث يدعم خامنئي فكرة القوة العسكرية، رافضا أن تكون الدبلوماسية الوسيلة الوحيدة له.
وتختم “كريستيان ساينس مونيتور” تقريرها بالإشارة إلى أنه عندما كتب روحاني وآية الله هاشمي أكبر رفسنجاني في آذار/ مارس العام الماضي، أن المستقبل هو الحوار لا الصواريخ، رد خامنئي قائلا إن كلاما كهذا يعد خيانة، وقال: “اليوم هو وقت التفاوض والصواريخ”.