قال وسام فتوح الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، إن التداعيات الاقتصادية والمالية والسياسية لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى أو ما يعرف Brexit تجاوزت حدود بريطانيا والإتحاد الأوروبى لتصل إلى الاقتصاد العالمى بأسره.
وأكد الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، فى العاصمة الفرنسية باريس، إن الحدث التاريخى انعكس مباشرة على جميع النواحى الاقتصادية والمالية والمصرفية فى بريطانيا وأوروبا والعالم بأسره، ولم تكد تمر ساعات قليلة على إعلان تصويت البريطانيين على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، حتى تكبدت بورصة لندن خسائر كبيرة، حيث فقدت بعد يوم واحد فقط على التصويت، أكثر من 175 مليار دولار، أى أكثر من المساهمة التى دفعتها بريطانيا لموازنة الاتحاد الأوروبى طوال الـ 15 عامًا الماضية، وهذا يدل على الصدمة الكبيرة التى خلفها قرار الخروج من الاتحاد الأوروبى على الأسواق المالية.
وقال الأمين العام لاتحاد المصارف العربية "عقب قرار الانفصال، قامت موديز بتخفيض تصنيف المملكة المتحدة من "مستقر" إلى "سلبى" بسبب حالة عدم اليقين التى صاحبت ‏نتيجة الاستفتاء.، وقد أعلنت موديز أن عدم القدرة على التنبؤ بصنع القرار فى المملكة المتحدة ‏كان أحد عوامل قرارها بخفض تصنيف البلاد، هذا بالإضافة إلى التوقعات بإنخفاض النمو ‏الاقتصادى فيها،‏ وفى هذا المجال، قدر صندوق النقد الدولى أن ينمو اقتصاد المملكة المتحدة بنسبة 1.7% هذا العام، بانخفاض قدره 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات التى أطلقها فى إبريل الماضى، كما توقع تباطؤ النمو خلال العام 2017 إلى 1.3%، بانخفاض قدره 0.9 نقطة مئوية عن تقديرات إبريل، وهو أكبر تخفيض للتنبؤات على مستوى الاقتصادات المتقدمة.
وأكد وسام فتوح أن الأثر السلبى لقرار الخروج إلى القطاع المالى البريطانى سيمتد إلى المؤسسات المالية سهولة الولوج إلى الدول الثمانى والعشرين فى الإتحاد، ما يفقدها أسواقًا أساسية لعملياتها، ولذلك، فقد أعلن بعض المصارف والمؤسسات المالية الكبرى عن نيتها بنقل قسم من نشاطها إلى داخل الاتحاد فى حال خروج بريطانيا، ولإعادة الثقة المفقودة إلى الأسواق، أعلن مارك كارنى محافظ البنك المركزى البريطانى، أن البنك مستعد لضخ 250 مليار جنيه إسترلينى من الأموال الإضافية لتأمين السيولة الكافية لعمل الأسواق بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، وذلك لضمان الاستقرار النقدى والمالى للمملكة المتحدة، كما تستعد بريطانيا لتخصيص 4.5 مليار استرلينى لتعويض التمويل بعد الخروج من الإتحاد، خاصة تمويل المشاريع المدعومة من قبل الإتحاد الأوروبى.
وأوضح وسام فتوح أنه قد يكون لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى مكاسب لها على المديين المتوسط والطويل، مثل تحريرها من قيود السياسات الاقتصادية والمالية، كسقف العجز المفروض من قبل بروكسل عند 3% من الناتج المحلى الإجمالى، والسقف المحدد للدين العام عند 60% من الناتج المحلى الإجمالى، وهو ما يعطى صانعى القرار فى بريطانيا هامش مناورة أكبر، وحرية أوسع فى رسم السياسات الاقتصادية والمالية، وسوف يكون لقرار انفصال بريطانيا عن الإتحاد تأثيرات كبيرة على الاتحاد الأوروبى، وبشكل رئيسى فى الأثر السلبى على النمو، حيث خفض صندوق النقد الدولى توقعاته لنمو الاتحاد الأوروبى بنسبة 0.2 نقطة مئوية لعام 2017، لتصل إلى 1.4%، كما سوف يؤدى خروج بريطانيا من الإتحاد خسارة موازنته 9 مليارات جنيه استرلينى سنويًا، هى عبارة عن مساهمة بريطانيا.
أما بالنسبة للتأثير على المستوى العالمى، قال وسام فتوح "صدمة قرار الخروج أدت إلى هبوط كبير فى الأسواق المالية العالمية حيث بلغت خسائر الأسوق خلال اليوم التالى للتصويت 2.1 تريليون دولار والتى تعد الأقسى على الإطلاق، حتى بالمقارنة مع خسائر الـ29 من سبتمبر عام 2008 إبان الأزمة المالية العالمية، والتى بلغت 1.9 تريليون دولار، كما خسرت الأسواق العالمية حوالى 3 تريليونات دولار فى يومين فقط من التداولات، وذلك بسبب موجة هبوط قوية اجتاحت الأسواق العالمية".
وخفض صندوق النقد الدولى توقعاته لآفاق الاقتصاد العالمى للعام الحالى والعام المقبل نظرًا لأجواء عدم اليقين التى ترتبت على تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى، وأشار الصندوق مؤخرًا إلى أن "التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى يحمل قدرًا كبيرًا من عدم اليقين الاقتصادى، والسياسي، والمؤسسى، وهو ما يتوقع أن يسفر عن عواقب اقتصادية كلية سلبية، وخاصة فى الاقتصادات الأوروبية المتقدمة"، كما أعلن أنه نظراً لأن الأحداث لا تزال تتكشف تباعًا حتى الآن، فإن تحديد حجم التداعيات المحتملة لا يزال بالغ الصعوبة، وسوف يتأثر النمو العالمى، البطىء أصلاً، مما يلقى على صناع السياسات عبء تعزيز النظم المصرفية وتنفيذ الخطط الموضوعة للإصلاحات الهيكلية المطلوبة بشدة، وبناء عليه، توقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد العالمى بنسبة 3.1% هذا العام و3.4% فى 2017. وتمثل هذه التنبؤات تخفيضا بنسبة 0.1 نقطة مئوية للعامين مقارنة بالتوقعات الصادرة فى شهر أبريل 2016.
وعن تأثير الـ Brexit على المنطقة العربية، قال الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، سوف ينعكس خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى على علاقاتها المالية والإستثمارية والتجارية مع الدول العربية عمومًا، وإجمالى إستثمارات الأفراد والصناديق السيادية الخليجية بالتحديد فى بريطانيا، تقدر بحوالى 200-250 مليار دولار، تفوق نسبة العقارات منها 23%، وقد إستحوذت الإمارات وحدها على أكثر من 20% من مبيعات العقارات فى المملكة العام الماضى، وتعد قطر أحدى أكبر المستثمرين فى مدينة لندن، إذ تمتلك العديد من المعالم فيها مثل ناطحة سحاب "شارد"، ومتجر "هارودز"، والقرية الأولمبية، ووفقًا "لمعهد صناديق الثروة السيادية"، فإن جهاز قطر للاستثمار يستثمر ما لا يقل عن 7 مليارات دولار مباشرة فى الأسهم المتداولة فى بورصة لندن، وتشير تقديرات إلى أن إجمالى الاستثمارات القطرية فى بريطانيا يبلغ نحو 44 مليار دولار، كما تعد هيئة الاستثمار الكويتية كذلك كأحد أكبر المستثمرين فى بريطانيا، حيث تضاعف حجم استثماراتها فى هذه الدولة على مدار العشر سنوات الماضية، ليصل إلى أكثر من 24 مليار دولار.
وأكد وسام فتوح أنه من المتوقع أن تتراوح خسائر الاستثمارات الخليجية على المدى القصير، سواء فى الإستثمارات العقارية أو أسواق الأسهم والسندات، ما بين 10 و15%، وذلك بسبب انخفاض سعر صرف الجنيه الإسترلينى وهبوط سوق الأسهم، وهو ما يؤدى إلى تراجع قيمة الأصول المقومة باليورو والجنيه الإسترلينى، مع الإشارة إلى أن التداعيات السريعة لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى سوف تظهر فى أسواق المال وأسعار العملات، بينما تظهر تبعات الخروج على التجارة والإستثمار على المدى المتوسط والطويل، ومستثمرى الخليج قد تراجعو فى الفترة الأخيرة عن عقد صفقات جديدة داخل السوق العقارى البريطانى، بسبب المخاوف من انخفاض أسعار العقارات فى بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد.
وقال وسام فتوح "لا يزال حجم الخسائر الفعلية التى قد يتكبدها المستثمرون العرب والصناديق السيادية الخليجية على المدى المتوسط والطويل محاطًا بالغموض، وذلك لأن معظم الإستثمارات العربية فى بريطانيا، وخاصة الخليجية منها، تتركز فى القطاع العقارى كالفنادق والمجمعات التجارية والمكتبية، بالإضافة إلى القصور والمنازل الفاخرة. وسيتوقف الأمر على مقدار التراجع فى قيمة العقارات البريطانية والذى قد يتراوح بين 10% و18% بحلول العام 2018".
وعلى الرغم من حالة عدم اليقين والقلق حول الاستثمارات الخليجية الكبيرة فى أكبر سوق استثمارى أوروبى، وواحد من الأكبر فى العالم، إلا أننا لا نتوقع هجرة رؤوس الأموال الخليجية الحكومية والخاصة وحتى استثمارات الأفراد من بريطانيا.
وأوضح الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، أن قيمة تحويلات المغتربين العرب من المملكة المتحدة إلى الدول العربية بلغت حوالى 560 مليون دولار عام 2015، وبالتالى فإن انخفاض قيمة الجنيه الإسترلينى والتضخم المترتب عن ذلك، بالإضافة إلى احتمال إرتفاع نسبة البطالة فى بريطانيا، قد تؤدى إلى انخفاض قيمة تحويلات العرب، الأمر الذى ستكون له تداعيات سلبية على اقتصادات الدول العربية المتلقية للتحويلات من بريطانيا.
وعن تأثير خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى على المصارف العربية العاملة فى بريطانيا، قال وسام فتوح "من المتوقع أن يكون التأثير محدودًا، وستستمر هذه المصارف فى عملها بشكل طبيعى، فهى غالبًا ما تعمل لتلبية الإحتياجات التمويلية للشركات العربية والعرب المقيمين فى بريطانيا وأوروبا، لكن قد تحقق هذه المصارف خسائر فى محفظة قروضها المقومة بالجنيه الإسترلينى، كما أن أثر خروج بريطانيا على القطاع المصرفى العربى محدود نظراً لمحدودية انكشافه على الجنيه الإسترلينى واليورو، وفى المقابل، قد يتيح خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى عددًا من الفرص والمكاسب الاقتصادية للدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجى ويتمثل هذا الأمر بتحسين شروط الإستثمار والقوة التفاوضية مع كل من الإتحاد الأوروبى والمملكة المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بإتفاقيات التجارة الحرة التى تهدف إلى تعزيز التجارة والإستثمار بين الطرفين.
وأكد وسام فتوح أن خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى سوف يخلق فرصًا استثمارية أمام المستثمرين الخليجيين خصوصًا فى السوق العقارية، بعد إستقرار الأسواق وزوال أجواء عدم اليقين الحالية، وذلك لأن انخفاض قيمة الجنيه الإسترلينى مقابل الدولار الأمريكى سيجعل العقارات والأصول البريطانية الأخرى أرخص وبالتالى أكثر جاذبية بالنسبة إلى المستثمرين من الدول الخليجية التى تربط عملاتها بالدولار الأميركى، كما أن التعاون التجارى بين بريطانيا والدول العربية قد لا يتأثر سلبًا بالضرورة، بل من المرجح أن تصبح السياسة البريطانية الخارجية أكثر حرصاً على عقد صفقات فى جميع أنحاء العالم، لتعويض خسائرها بسبب تراجع وجودها داخل أسواق الاتحاد الأوروبى، وبالتالى يمكن أن يزداد طموح الشركات البريطانية متعددة الجنسيات للدخول إلى المنطقة العربية، خاصة داخل المراكز التجارية الإقليمية البارزة مثل دبى، كما أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى يعنى انسحابها من اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد والدول العربية، مما قد يعنى انتعاشة جديدة فى الأفق بالعلاقات التجارية بين بريطانيا والدول العربية.
وأوضح الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، "سوف يؤدى انخفاض قيمة الجنيه الإسترلينى إلى خفض تكلفة الوارادت البريطانية، مما يؤدى إلى انخفاض فاتورة الإستيراد للدول العربية التى تستورد من المملكة المتحدة، الأمر الذى يقلص العجز فى الميزان التجارى وميزان المدفوعات، واحتمال خفض مستويات التضخم فى هذه الدول، كما لكل تحول سياسى، فإن لقرار خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى سلبيات عليها، وعلى الإتحاد، وكذلك على العالم بأسره، إلا أننى أتوقع نتائج إيجابية لهذا الأمر، وخاصة لبريطانيا، على المدى المتوسط والطويل".