هناك فى المعابد الفرعونية وعلى الحوائط رسومات للرقص والغناء، آلاف السنوات والحضارات جميعها تسجل أنواعا من الرقصات، فن تناقلته أجيال بل لنكن أكثر دقة حضارات إنسانية عرفت أهمية الفن بكل أنواعه، ولكن يظل للرقص الشرقى حضورا طاغيا وخاصا عرفه المصريون وتطورت أشكاله بل لنكن أكثر دقة، عكس الرقص ثقافة مجتمع وعلاقته بجسد المرأة حيث كانت هناك الراقصة المتتلئة أو ذات الصدر أو الأرداف الممتلئة والتى ترتج فتهتز معها قلوب المعجبين وهن ما كن يعرفن باسم العوالم.

تحية كاريوكا

تحية
فن الرقص الشرقى، لا يعرف أحد على وجه التحديد متى وأين بدأ هذا الفن، وهل له من أصول فرعونية أم أنه عربى خالص إلا أن الرقص الشرقى «بات مصريا تماما فى القرن العشرين» كما قال المؤرخ الفنى الكبير الراحل كمال النجمى فى مقال له فى رثاء الراقصة سامية جمال فى ديسمبر 1994 بمجلة «المصور المصرية»، وذهب يقول: «حتى لو كانت له أصول مصرية، فإن فن الرقص الشرقى انطلق وتمركز فى مصر، خصوصا مع قدوم بديعة مصابنى إلى القاهرة فى العام 1919 .

تحية كاريوكا
إذن بدأ هذا الفن- رسمياً – قبل96 عاماً، وبعد 4 سنوات يتمم مئويته الأولى.. مصر فى هذا التاريخ كانت تتحرر من القيود العثمانية وتتجه نحو الليبرالية ليبرالية ألفكر والسياسية والثقافة وانعكس هذا بالطبع على شكل الحياة الاجتماعية.. التى تفتحت وصارت هناك أماكن متعددة للسهرات ألفنية وتواكب فى هذه ألفترة ظهور العوالم وارتباطهن بشارع محمد على وهى النمإذج التى كان لها حضورا قويا وطاغيا فى أدب نجيب محفوظ وظهرن بقوة فى أعماله التى تحولت إلى أفلام سينمائية_(العوامة التى كان يسهر بها أحمد عبدالجواد بطل الثلاثية وأصدقائه من المعلمين وتجار المنطقة وكان يلتقى فيها بالعوالم جسدت أدوارهن ميمى شكيب ومها صبرى ونادية لطفى).
ولكن مع تطور المجتمع وشكل المرأة أيضا ووجود بديعة مصابنى فى مصر ظهرت نماذج متعددة ومتنوعة للراقصات الشرقيات وظهر فن التابلوه الراقص أو الاستعراضى وكانت فرقتها أشبه بمدرسة تخرج فيها عدد كبير من فنانى الغناء الاستعراضى، لعل من أبرزهم فريد الأطرش وتحية كاريوكا وسامية جمال وهاجر حمدى ومحمد الكحلاوى ومحمد فوزى.. ممن لمعت أسماؤهم فى مجال الفن فى السينما والمسرح والاستعراض، وظلت مصابنى تتزعم المسرح الاستعراضى نحو 30 عاما.

تحية وسامية
وتقاعدت مصابنى بعد أن أطلقت العديد من المواهب وأولهم النجمة تحية كاريوكا التى كانت أول نجمة للرقص الشرقى فى مصر من أب وأم مصريين، وفى ذلك الزمان كانت الراقصات الأجانب يملأن كازينوهات القاهرة، من هنا رحبت بها بديعة مصابنى فى الكازينو الخاص بها وهى لا تزال ابنة 16 عاماً.

كاريوكا
وبدأت فى ممارسة الرقص والغناء والتمثيل وهى فى سن صغيرة حتى اكتشفتها الراقصة محاسن محمد ثم تعرفت على مصابنى، التى كانت أكبر مكتشفة فى ذلك الزمان للمواهب فى الغناء والرقص على السواء، وانضمت إلى فرقتها، فاستعانت بها فى السينما والمسرح، لكن شهرة تحية كاريوكا الحقيقية لم تتحقق إلا فى العام 1940، عندما قدمت رقصة "الكاريوكا" العالمية فى أحد العروض أمام الفنان الكبير سليمان نجيب، وهى الرقصة التى التصقت بها بعد ذلك حتى أنها لازمت اسمها، وكان نجيب ممثلا معروفا ورئيسا لدار الأوبرا المصرية.. وأصر أن يحتفى بموهبة كاريوكا وقدمها للسينما.

تحية
تحية كما ذكر المفكر إدوارد سعيد فى دراسته «لا تنتمى إلى صنف ألفتيات الهامشيات أو الساقطات المصنفات، وفق ثقافة يمكن التعرض لها، بل تنتمى إلى عالم النساء التقدميات اللاتى يحإذين أو يتجأوزن الأسوار الاجتماعية، لكنها ظلت مرتبطة على نحو عضوى بمجتمع بلادها، لأنها اكتشفت لنفسها دوراً أكثر أهمية كراقصة تشارك فى الحفلات العامة، متجأوزة فى ذلك دور «العالمة « .

تحية كاريوكا
وينهى إدوارد سعيد كلامه عن تحية كاريوكا فيقول: «كانت تحية شعاراً لكل ما هو غير خاضع للانضباط والإدارة فى ثقافتها ولهذا كان دور ألفنانة هو الأمثل لتلك الطاقات، إنها كما يقول تحمل بين جنباتها هذه الشخصية، التى تتسم بالثقل والسلطة، التى تنبع من إحساسها بأنها أكبر من مجرد راقصة شرقية".