كلنا نفعل الكثير من الأشياء التي نندم عليها لاحقاً، ربما يكون بعضنا أقل من غيره في درجة هذا الندم، فالأمر نسبي، مثل تناول البعض لحبّات الشوكولاته والبسكويت، رغم قيامهم ظاهريّاً باتباع برنامج للحِمْية الغذائية، أو إرسال رسائل غاضبة قد تضطرنا إلى الاعتذار لاحقاً، وقد تكون أخطاؤنا أكبر، مثل الخيانة الزوجية، أو الانتكاس والعودة إلى المخدرات.
لكن هذا لا يتعلق بشخصك أنت، وإنما هو أمر يعكف العلم على دراسته، وقد توصلت أخصائية علم نفس الذكاء د. إيلين هيندركسن إلى 3 أسباب وراء ارتكابنا هذه الحماقات، حسب صحيفة “هافينجتون بوست” الأمريكية ، عن موقع Quick and Dirty Tips وهي كالتالي:
1- الرغبات والمُتع
هناك نوعان من المتعة، بحسب مقالة عملية نشرت في صحيفة Psychopharmacology عام 2007، أولهما هو هذا النوع الذي اعتدنا تعريف المتعة أصلاً به، وهو حالة من الرضا والسعادة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن نصل إلى هذه المتعة بعد تناول وجبة طيّبة، أو ممارسة الجنس، أو بعد أول رشفةٍ من الماء بعد ظمأ شديد، ويُمكن اعتبار هذا النوع من المُتع متولداً عن الولع أو الحب.
لكن هنا نوعٌ ثانٍ من المتعة، وهو متعة السعي وراء أمر ما، إثارة، توقّع، إغواء، أو الشعور بالقوة إثر تحقيق شيءٍ ما، وربما نطلق على هذه المتعة “الرغبة”، وحول هذا السياق، تعتبر جوليا روبرتس في كتابها “طعام، صلاة، حب”، أن الشعور يولد إحساساً بالرضا الارتياح الأمان جراء الوقوع في الحب أو تناول المثلجات مثلًا، على الجانب الآخر، فإن المتع الصادرة عن “الرغبة” غالباً ما تكون مثل شعور فينس فوجن في فيلم العاهرات، إنها صادرة عن تشويق السعى وراء الأشياء ووخزات الرغبة.
وهذا النوع الثاني من المتع هو ما يدفعنا لفعل الكثير من الحماقات، فرغم معرفتنا جيّداً أن هذه الأفعال لا تحوي أي نوع من المتعة الحقيقية أو الحب وأننا سنندم عليها لاحقاً، إلا أننا نرتكبها على أية حال، أحد الأمثلة الصارخة على هذا تناول المخدرات، فالكوكايين والميثامفيتامين ضارَّين بنظام الدوبامين في الدماغ، إلا أنه مع مرور الوقت يصبح تناول المخدرات بالنسبة لهؤلاء الذين لديهم التركيبة الصحيحة للاستعداد والتجربة قهريّاً، ويصبح فعلًا لا يقاوَم بعد ما كان طوعيّاً.
ويأتي هذا التصرف بعد أن ينتج نظام الرغبة شغفاً لا يُقاوَم يدفع هؤلاء المدمنين إلى التماس الجرعة إثر الأخرى، حتى ولو أدى هذا إلى سقوطهم ضحايا المرض أو التكلفة الباهظة من التضحية بالصحة والعلاقات الاجتماعية، ويلعب دوبامين كذلك دوراً في سلوكيات قهرية أخرى الأكل بشراهة، فرغم علمك أنك ستندم عندما يزداد وزنك إلا أنك تنكر الأمر وتتجاهله.
2- الحرمان والهوس
إذا كنت تمارس الحِمية الغذائية فأنت بالطبع تعرف تأثير الحرمان، فهو لا يشعرنا فقط بالتعاسة، وإنما بإمكانه أن يشعرنا بالهوس كذلك، وظهرت تلك النتيجة في تجربة مينسوتا الشهيرة للتجويع عام 1945، والتي أجريت لتحديد عادات الإنقاذ من المجاعات بعد الحرب العالمية الثانية.
ففي هذه التجربة جرى تجويع المتطوعين لمدة 6 أشهر، باتباع برنامج للحِمية يحوي 1500 سعر حراريّ في اليوم، فماذا كانت النتيجة؟ لم يصبحوا فقط سريعي الغضب ولا مبالين ومرهقين، وبالطبع أصابهم الضعف والهزال، كما أصبحوا أيضاً مهووسين بالطعام.
فقد كان المتطوعون يفكّرون بالطعام لمدة 24 ساعة باليوم طوال الأسبوع، لدرجة أنهم قرأوا كتب الطهي وأطالوا النظر إلى صور الطعام، ففي مقابلة مع أحد المشاركين في التجربة بعد 60 عاماً من إجرائها، قال: “لقد أصبح حينها الطعام هو بؤرة اهتمامي والشيء الوحيد الذي أفكر به حينها، وفي هذه الحال تبدو الحياة مملة وقاتمة، فمثلاً لو ذهبت لمشاهدة فيلم، لن تهتم وقتها بالمشاهد الرومانسية، بل كل ما ستلاحظه طوال الوقت هو ما يتناوله أبطال الفيلم”.
حتى بعد انتهاء التجربة والدراسة، ورغم عودتهم إلى أوزانهم الطبيعية والصحيّة، أشار المشاركون إلى تواصل شعورهم بالجوع وأنهم مهما أكلوا لا يشعرهم ذلك بالشبع، فبعد إتمام الدراسة، عادوا للأكل بمعدل 5000 سعر باليوم، وأحياناً ما يزيد على 10000 سعر يوميّاً.
فما معنى هذا بالنسبة لمن يقومون بحرمان أنفسهم من الطعام باتباع بعض برامج الحمية؟.. لو كنت قاسياً على نفسك، وأردت أن تحرمها بشكل جاد، يمكنك أن تمتنع عن تناول أيّة سكريات، مع ممارسة الرياضة بكثرة، أو اتّباع برنامج حِمية قاسٍ للغاية، هذا الحرمان المفاجئ قد يدفعك إلى الحنين إلى تلك الأطعمة الممنوعة.
لكن مهلاً! يبدو أن الأمر يزداد سوءاً، فعندما تحاول قمع هذه الرغبات، تزداد قوّة، لماذا؟.. لأن هذا القمع يشبه محاولة إبقاء كرة خفيفة تحت الماء، فليس فقط الأفكار الباطنية، بل أيضاً الجهود التي تبذلها تعود جميعاً للانتقام بشدة، وبالتالي تكون النتيجة الطبيعية لذلك هو العودة للقيام بما حاولت الامتناع عنه.
3- الأمر مرَّ ببساطة.. لِم لا أكمل؟
بعد تناول بعض بقايا البسكويت، نتجرأ أكثر لتناول قطعة كاملة، لأننا بالفعل أفسدنا كل شيء، فما المانع من الحصول على بعض المتعة، أليس كذلك؟.. وبعد قطعة واحدة، ننساق إلى تناول علبة كاملة، ثم ينتهي الأمر بآلام في المعدة وحال سيئة من تأنيب الذات.
إذ قادتنا قطعة واحدة من البسكويت إلى تناول أي شيء لم يعدّ صالح لتجهيز الحلوى، طوال اليوم أو ربما خلال أسبوع كامل، قد يكون الطعام هو المثال المعتاد لحماقات نرتكبها، إلا أن أي شيء نحرم أنفسنا منه بدعوى التطوير الذاتي مثل مشاهدة التلفاز، الإنفاق، الحلويات، يكون له نفس الأثر.
فحتى أبسط سلوك إجرامي يمكنه أن يتطوّر ويكبر مثل كرة الثلج، مثل أن تحدث نفسك: “لقد استطعت الإفلات من المراقبة والاستيلاء على هذه الحلوى، لِم لا أجرب سرقة هذا البنطال!”، باختصار، نحاول أن نتوقف، فينتهي بنا الأمر إلى المضي قدماً أكثر من ذي قبل.