القضاء الادارى بالاسكندرية :

الخطبة الموحدة ضرورة لتوحيد مصر في مواجهة الفكر المنحرف

طريقة أداء موضوع الخطبة شفاهة او مكتوبة أمر اختياري للخطيب

الخطباء عليهم التجديد والإبداع فى ذات موضوع الخطبة

الحيثيات :

منظومة ثلاثية بين الازهر والمحكمة الدستورية ووزارة الاوقاف لخدمة الاسلام الوسطى المستنير

المسجد لذكر لله وارشاد الناس ووعظهم وليس مصدرا للتحزب والاختلاف الفكري والمذهبي

أعلنت وزارة الاوقاف المصرية انه فى حكم تاريخى يحسم قضية الخطبة الموحدة اكدت محكمة القضاء الادارى بالاسكندرية الدائرة الاولى بالبحيرة برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة ان الخطبة الموحدة من المصالح المعتبرة وضرورة لتوحيد مصر والبلاد العربية والاسلامية لمواجهة الفكر المنحرف عن صحيح الدين وان القاء الخطبة الموحدة ارشادية شفاهة وارتجالا او مكتوبة مقروءة وللخطباء التجديد والإبداع فى ذات موضوع الخطبة بما لا يحيد عنها وان الخطبة لا تكون طويلة مملة او قصيرة مخلة وتقصيرها علامة على فقه الخطيب فلا يطيل فينسى الناس بآخر كلامه أوله ، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه الراتبة.

واكدت على ان ثمة منظومة ثلاثية بين الازهر والمحكمة الدستورية ووزارة الاوقاف لخدمة الاسلام الوسطى المستنير فالازهر الشريف هيئة اسلامية علمية المرجع الاساسى فى العلوم الدينية والشئون الاسلامية والمحكمة الدستورية العليا المرجع فى تفسير مبادئ الشريعة الاسلامية ووزارة الاوقاف السلطة الفعلية القائمة على ادارة مرفق المساجد والزوايا وكل له مجاله المرسوم له دستوريا وقانونيا , وان المسجد لذكر لله وارشاد الناس ووعظهم وليس مصدرا للتحزب والاختلاف الفكري والمذهبي واكدت انه طبقا للمادة الاولى من الدستور ان الشعب المصرى جزء من الامة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها ومصر جزء من العالم الاسلامى تنتمى الى القارة الافريقية وتعتز بامتدادها الاسيوى وتسهم فى بناء الحضارة الانسانية وان مصر تؤرخ لدور عالمى وليس اقليميا وتواجه بقوة وثبات وتضحية دعاة الارهاب والتطرف لحماية الانسانية جمعاء.

وقضت المحكمة برئاسة المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية المستشارين صالح كشك ووائل المغاورى نائبى رئيس مجلس الدولة بتأييد قرار وزير الاوقاف رقم 215 لسنة 2016 بشأن القواعد المنظمة لاداء خطبة الجمعة بالمساجد والزوايا الخاضعة لاشراف وزارة الاوقاف الصادر بتاريخ 23/8/2016 فيما تضمنته كل من المادة الاولى من تشكيل لجنة مكونة من عشرة اعضاء تضم كافة تخصصات العلوم الشرعية وبعض المتخصصين فى علم النفس وعلم الاجتماع تكون مهمتها وضع خطة سنوية لخطب الجمع واختيار واعداد خطبة الجمعة الموحدة.

والمادة الثانية من ان يكون موضوع الخطبة استرشاديا وطريقة اداء موضوع الخطبة شفاهة وارتجالا او مكتوبة مقروءة امرا اختياريا للخطيب فى ضوء مايمكنه من اداء رسالته على الوجه الاكمل المنضبط وبما لا يخرج عن مضمون موضوع الخطبة المحدد ولا عن وقتها المحدد ما بين خمس عشرة الى عشرين دقيقة على الاكثر ورفضت الدعوى المقامة من 80 مواطنا بمحافظة البحيرة والزمتهم المصروفات.

قالت المحكمة عن الضابط الاول فى قرار وزير الاوقاف المطعون فيه المتعلق بتوحيد موضوع خطبة الجمعة ان الواقع المصرى كشف بعد ثورتى الشعب فى 25 يناير 2011 و 30 يونيه 2013 ان بعض خطباء الجمعة استخدموا المنابر لتحقيق اهداف سياسية متخذين من الدين ستارا لهم بعيدا عن واقع المجتمع وجنوحهم نحو أحاديث لا تليق بخطيب الجمعة ، بل إن بعض الخطباء حولوا موضوع خطبة الجمعة إلى تحقيق اغراض حزبية وسياسية والسعى لافكار حزبية واخرى تحريضية وشق الصف عبر المنابر، بما يخدع البسطاء بقدسية المكان على الرغم من ان الجمعة شرعت فى الاصل لتكون جرعات إيمانية أسبوعية تعالج قضايا وهموم المجتمع.

وتعطي للمسلم طوق النجاة من الوقوع في المعاصي والآثام فاصبح توحيد موضوع الخطبة ضرورة لمواجهة المخاطر التى تواجه الامة الاسلامية والعربية , كما أن توحيد موضوع الخطبة سيعزز الوحدة الوطنية وتستطيع الدولة أن ترسخ قيم المواطنة والإسلام الحقيقي والتسامح عبرالخطبة الموحدة مما يؤدى الى الاستقرار , فيصبح المسجد ذكرا لله لتقرب العبد الى ربه وليس مصدرا للتحزب والاختلاف الفكري والمذهبي.

واضافت المحكمة انه ليس من حق الخطيب وهو المؤتمن أن يوجه الناس على ما يشتهي او يصبو اليه ، ويملي عليهم قناعاته الشخصية فى المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فتشتد الخطورة من فوق منابر الجمعة بما يوهم عامة الناس أن هذا هو الحق المبين مما يؤدى الى الاحتقان الشعبي فى البلدان الاسلامية والعربية لذا فان توحيد موضوع الخطبة يؤدى الى توحيد المجتمع المصرى والعربى والاسلامى تجاه الازمات التى تهدد استقراره.

وعلى ولى الامر ان يوجه نظر المسلمين الى طبيعة تلك الازمات والمشكلات وكيفية علاجها فى اطار المصالح المعتبرة فهو ليس تحكميا بل لصالح الامة الاسلامية لمواجهة الافكارالمنحرفة مما لا مناص معه من جعل خطبة الجمعة والمنابر مكانا لإرشاد الناس ووعظهم وتوجيههم توجيهًا رشيدًا عن طريق توحيد الخطبة توحيدا موضوعيا وليس شكليا توحيدا للوعظ وللوعي الديني ليأتي الوعظ والإرشاد موحدا لكل انحاء البلاد لتشارك الامة العربية والاسلامية هذا التوحيد لمواجهة الفكر الارهابى المنحرف عن صحيح الدين.

وذكرت المحكمة انه على ضوء التجارب المريرة التى عاشها الوطن من جراء استخدام المساجد خاصة الزوايا فى استغلال البسطاء والفقر والجهل لجذب المؤيدين بين التيارات الدينية المختلفة مما نجم عنه بث روح الفتنة والفرقة بين ابناء الوطن الواحد التى ادت الى التنابز اللفظى والعنف المادى مما تسبب فى ضياع كثير من ارواح المواطنين وتخريب الممتلكات نتيجة لتطرف الفكر المتشدد , واستخدام منابر المساجد والزوايا لتحقيق اهداف سياسية او حزبية او للدعاية الانتخابية.

وهو ما يتعارض مع قدسية المسجد والاضرار بالمصالح العليا للبلاد , فاحترام حرمة المساجد – والزوايا فى حكمها - امر واجب , ولا يصح ان تكون بيوت الله محلا للزج بها فى الخلافات التى تنشب بين التيارات الدينية المتصارعة على امور لا ترقى الى جلال المساجد ورسالتها المضيئة بما يؤدى الى انقسام الامة التى قال عنها القران الكريم " كنتم خير امة اخرجت للناس " (الايه 110 من سورة ال عمران) او بث روح البغضاء بين ابناء الوطن الواحد.

فالمسجد له من السمو والقدسية لتجميع المسلمين لا تفريقهم ولم شمل الامة بشعب الايمان والفضائل لاداء حقوق الله واستلهام الرشد واستمداد العون منه جل شأنه " وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا " ( الاية 18 من سورة الجن ), بما يجعله منزها عن كل دعوات التشدد او الاستغلال السياسى باسم الدين , خاصة وان المنبر هو طريق المؤمن الى القبلة فيخلع نعليه وكل رداء دنيوى خارج المسجد ليقف خاشعا متضرعا يبتغى وجه الله الكريم , الامر الذى يستلزم معه توحيد موضوع الخطبة لمواجهة تلك المخاطر التى تهدد الامة المصرية والاسلامية والعربية.

واشارت المحكمة ان المشرع الدستورى من ناحية اولى نص على ان الاسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية , ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع وجعل من الازهر الشريف هيئة اسلامية علمية مستقلة , يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه , وهو المرجع الاساسى فى العلوم الدينية والشئون الاسلامية , ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر و العالم , ومن ناحية ثانية اورد فى وثيقة الدستور ان المرجع فى تفسير مبادئ الشريعة الاسلامية هو ما تضمنه مجموع احكام المحكمة الدستورية العليا فى ذلك الشأن – ولاريب ان وثيقة اعلان الدستور تأخذ حكم طبيعة النصوص الدستورية ذاتها وقوتها , بحسبانها تكون مع الاحكام التى ينتظمها كلا غير منقسم bloc de constitutionnalité أو نسيجا دستوريا واحدا على نحو ما سلف – ومن ناحية ثالثة عهد المشرع العادى إلى وزارة الأوقاف – باعتبارها جزءا من السلطة التنفيذية وهى الوزارة التى تمثل الجانب المادى الملموس فى الحقل الدينى الاسلامى لمرفق المساجد والزوايا التابعة لها - مهمة ادارة المساجد والزوايا والاشراف عليها بعد تسليمها وضمها إليها والتزام الخطباء بالخطة الدعوية لها وذلك ضمانًا لقيام هذه المساجد برسالتها فى نشر الدعوة الإسلامية على خير وجه , وهذا الاشراف على جميع المساجد والزوايا , يمثل احتراما لقدسية المنبر , وتطهيرا لافكار الدعاة , وصونا لجوهر الدعوة.

واستطردت المحكمة انه تسود المنظومة المتكاملة بين الاطراف الثلاثة المذكورة الازهر الشريف باعتباره هيئة اسلامية علمية مستقلة تعد المرجع الاساسى فى العلوم الدينية والشئون الاسلامية والمحكمة الدستورية العليا المرجع فى تفسير مبادئ الشريعة الاسلامية ووزارة الاوقاف السلطة الفعلية القائمة على ادارة المساجد والزوايا والتزام الخطباء بالمكافأة او المتطوعين بالعمل وفق خطة وزارة الاوقاف الدعوية واحتياجاتها وتوزيعها للخطباء على المساجد , فكل فى مجاله المرسوم له دستوريا وقانونيا فى خدمة الاسلام الوسطى المستنير.

واوضحت المحكمة إن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمخض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها او قراراتها اللائحية فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعا، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلا.

ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان، إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها، وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيما لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها ملتزما ضوابطها الثابتة، متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلا صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

واكدت المحكمة ان الشريعة الاسلامية شريعة مرنة تتناسب مع كل زمان ومكان وفى مواجهة كل عصر , فإعمال حكم العقل فيما لا نص فيه يعد تطويرا لقواعد عملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها وبما يلائمها , مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولا ولا مطلوبا، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فلا قداسة فى الاسلام , فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعا ثابتا متقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيا عن التأمل، والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد.

بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبا. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالإتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندا، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفا لآراء استقر عليها العمل حينا من الدهر , وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة للجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها - وفيما لا نص عليه - بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي ينافيها أن يتقيد ولي الأمر في شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعا قد جاوزتها.

واشارت المحكمة أنه لولي الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما في ذلك أن المصالح المعتبرة وتلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد - مضمونا ونطاقا - على ضوء أوضاعها المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيرًا ما قرروا أحكاما متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلبا لنفعهم أو دفعا لضرر عنهم أو رفعا لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق خاصة المتصلة بممارسة الشعائر الدينية أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها وتكون تخوما لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها ولا يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق مناقضا لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبررًا ومحافظا على المجتمع مما يهدد امنه واستقراره.

واضافت المحكمة من افضل منن الله على المسلمين أن جعل لهم مواسم للخيرات ، يتلقوا فيها أعلى الدرجات ويكفر عنهم السيئات ، ومنها يوم الجمعة اعمالا لقوله تعالى : " يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " سورة الجمعة الايات من 9-11

وقد أجمع المفسرون على أن كلمة فاسعوا إلى ذكر الله ، ذكر الله الخطبة لأن الصلاة صلاة ، إلا ان الذي يطلب من المصلي يوم الجمعة أن يستمع إلى الخطبة ، لأن فيها آية ، أو حديثًا ، أو حكما فقهيًا ، أو قصة ، أو موعظة حسنة ، أو تذكيرًا ، أو وعظًا ، أو إرشادًا ، كما انه فى بيان فضل يوم الجمعة وعظيم شأنه قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها ، وفيه تقوم الساعة ، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه " ( الترمزى " الجمعة " : 491 , النسائى : "الجمعة" 1430 , مالك " النداء للصلاة " 243 ) وقد رتب الله عزوجل على ادائها الاجر العظيم والثواب الجزيل ادراكا لفضلها واغتناما لاجرها ويتعين ان تكون خطبة الجمعة وفقا لمنهج الدعوة الإصلاحية والوسطية, ومن ثم فانه من اعظم النعم التى لا تحصى على الدين الاسلامى خطبة الجمعة التى تعد موعظة أسبوعية عامة ، توقظ القلوب المتغافلة وتشحذ الهمم المتخاذلة وتصل النفوس الطاهرة بخالقها جل علاه ، لتعبد ربها بذكره عن علم وبصيرة حتى يأتيها اليقين.

ويساعد على بلوغ ذلك الامر ما يقدمه الائمة وخطباء المساجد كل جمعة من جرعات ايمانية مستقاه من الدين الحنيف وهو الامر الذى يقتضى من اولى الامر رسم منهجية لمواجهة المشكلات التى تواجه المجتمع الاسلامى والازمات التى يتخذها بعض المتشددين الذين يتخذون من الدين ستارا لتحقيق اهداف اعداء الاسلام , وضبطا للنشاط الدعوى المستنير ولتلافى حصول بعض النواقص والأخطاء من بعض الخطباء ، نتيجة عدم الإلمام ببعض الأحكام الفقهية للخطبة مما ارتأت معه وزارة الاوقاف توحيدها فى موضوع محدد كل اسبوع لتصحيح مسارالدعوة مما كشفت الاحداث التى تلحق بالعالم من الفكر المنحرف عن صحيح الدين.

واضافت المحكمة ان التحديات المعاصرة كشفت عن التشدد والتطرف والارهاب نتيجة الانحراف عن مفاهيم الدين الصحيح والخلل الذى اصاب مسار الفكرالدينى مما يتعين معه على الدول الاسلامية والعربية ومصر فى قلبها النابض محاربة الفكر المتطرف لدعاة التشدد والغلو الذين يستخدمون الشباب وقودا لفكرهم المنحرف ونتيجة التقصير تجاه هؤلاء الشباب مما يجعلهم اداة نافذة بيد الانحراف الفكرى ويسهل استقطابهم على الرغم من ان الامم تحيا بالقيم الدينية وتبلغ مراتب الحضارة والتقدم والاسلام دين الوسطية والاعتدال فى جميع مناحى الحياة الامر الذى يستلزم تصحيح المسار وتطوير الخطاب الدعوى المعتدل عن طريق اعداد الدعاة وصقل تكوينهم وتوسيع مداركهم لبيان حقائق الاسلام السمحة ودحض الاباطيل والحث على مكارم الاخلاق فى ضوء ماجاء به الإسلام من حفظ الضرورات الخمس : الدين والنفس والعقل والعرض والمال ليعيش المسلم في هذه الدنيا آمنا مطمئنا يعمل لدنياه وآخرته ويعيش المجتمع المسلم أمة واحدة متماسكة كالبنيان يشد بعضه بعضًا.

وهو ما يؤكد ان نظام الدين لا يقوم الا بنظام الدنيا فان لم تراع الضرورات الخمس فسوف ينعدم الامن فى المجتمع ويصاب النظام الاجتماعى بالخلل والانهيار الامر الذى يستلزم كذلك مواكبة روح العصر من تقنيات وسائل الاتصال لتصل الى عقل وقلب المتلقى وتوظيفها فى خدمة الدعوة بالوسائل السليمة ومناهجها للتذكير بالخير وما يرقرق القلب بتلطف دون مخاشنة او تعنيف اعمالا لقوله تعالى : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " سورة النحل الاية 125

واوضحت المحكمة أن الدولة ادراكا منها لرسالتها فى دعم التوجيه الدينى فى البلاد على وجه محكم , وتأكيدا لمسئولياتها فى التعليم والارشاد وحماية للشباب من الفكر المتطرف الذى يستغله دعاة التشدد وما يتطلبه ذلك من وضع مبادئ عامة بتوحيد موضوع الخطبة لجميع المساجد والزوايا فى المدن والقرى تستهدف نقاء المادة العلمية وسلامة الوجهة التى يعمل بها الخطباء ، بما يحفظ للتوجيه الدينى أثره.

ويبقى للمساجد الثقة فى رسالتها , وقد لوحظ أن عددا كبيرًا من المساجد كان يسيطر عليها الارتجال ويترك شأنها للظروف ولا يوجد بها من يحمل مسئولية التعليم والإرشاد من المتخصصين فى علوم الدين ، ولما كان بقاء هذه الحال قد ينقص من قيمة التوجيه الدينى ويضعف الثقة برسالة المساجد , ويفسح الطريق لشتى البدع والخرافات التى تمس كيان الوطن واستقراره , خصوصًا وأن ما يقال فوق منابر المساجد إنما يقال باسم الله ، لذلك فإن الأمر يقتضى وضع نظام لتوحيد موضوع الخطبة على منابر المساجد بحيث يكفل تحقيق الأغراض العليا من التعليم الدينى العام ، وتوجيه النشئ وحمايتهم من كل تفكير دخيل او جهيل ومن ثم فالقصد منه حماية النشء ممن اسلم نفسه للتشدد منجرفا او عجز عن مقاومة التطرف فجاراه فصار فى مجراه , لما يلقن به بمفاهيم مغلوطة عن صحيح الدين الاسلامى الوسطى , مما يمس كيان الوطن واستقراه , خاصة ان وثيقة الدستور المصرى وضعت من بين غايات اصداره حماية الوطن من كل ما يهدده او يهدد وحدته الوطنية , وهو ما يتفق مع المقاصد الشرعية والمصالح المرعية فى صحيح مفهوم مبادئ الشريعة الاسلامية.

وذكرت المحكمة ان الازمة المصيرية لشعوب العالم الاسلامى والعربى بسبب دعاة التشدد باسم الدين وقتلة الانسانية وما يصاحبه من عنف وارهاب من الجماعات المتطرفة التى تستبيح الدماء والاموال لتفسد فى الارض , يقتضى توحيد موضوع الخطبة خاصة وان هاجس عدوى الارهاب والتشدد لم يعد قاصرا على تلك الدول بل انتقل الى دول اخرى حتى المتقدم منها والمستقر , ذلك ان الارهاب لا دين له ولا وطن , مما يكون معه للنشاط الدعوى لوزارة الاوقاف فى مصر تعاونا مع مثيلاتها بالبلاد العربية والاسلامية دورا جوهريا عالميا ليس فى مصر فحسب بل فى كافة اقطار العالم اجمع , لذا كان دورها مضاعفا ومسئوليتها كبرى ازاء المواجهة الفكرية لما يحدث من ارهاب نتيجة استقطاب الجهلاء باحكام الدين , واذ كانت مصر قد استوت على قمة العالمين العربى والاسلامى , ليس فقط بكثافة سكانها وموقعها المتميز ، وانما بحضارة تليدة وموروث ثقافة جعلت منها فى ثورات العرب وحروبهم وبانتصاراتهم , الدولة القائدة , وفى ميدان السلام والتعاون العربى بين دول العالم الدولة الرائدة , فان تعبير شعبها المعطاء – وقضاؤها جزء من هذا الشعب - عن مكنونه فى مسألة مصيرية تتعلق بالمخاطر التى تحاك للامة العربية والاسلامية والارهاب الموجه لمصر والبلاد العربية والاسلامية بات امرا لازما ليتشارك مع الموقف الرسمى للدولة فى نبذ كل عدوان او تهديد به، و ينال مصر او احد الشعوب العربية , وهو موقف مسبوق من مصر العربية فى قريب المشكلات العربية وبعيدها , غاية الامر ولزومه ان التزاما قانونيا على وزارة الاوقاف بتوحيد موضوع الخطبة لمعالجة الفكر المنحرف , نتيجة استغلال الدين فى غير مقاصده والمفاهيم المغلوطة لاعداء الدين , انحرافا عما فيه من سماحة وقيم ويسر ووسطية تكفل له الخلود , ومصر بذلك تؤرخ لدور عالمى وليس اقليميا لانها تواجه بقوة وثبات وتضحية دعاة الارهاب والتطرف لحماية الانسانية جمعاء. وقيامها بذلك الدور اعمالا للمادة الاولى من الدستور المصرى الذى نص على ان الشعب المصرى جزء من الامة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها ومصر جزء من العالم الاسلامى تنتمى الى القارة الافريقية وتعتز بامتدادها الاسيوى وتسهم فى بناء الحضارة الانسانية.

وقالت المحكمة انه اذ تضمن قرار وزير الاوقاف المطعون فيه توحيد موضوع خطبة الجمعة القائم على اعدادها اللجنة العشرية التى تضم كافة تخصصات العلوم الشرعية وبعض المتخصصين فى علم النفس وعلم الاجتماع من المصالح المعتبرة التى تعالج قضايا واقع المجتمع المعاصر وتحقق المصالح العليا للوطن بما يحفظ للامة العربية والاسلامية وجودها وهويتها وحمايتها من الفكر المتطرف الذى يناهض فكرة وجود الدولة وبما يشكل استراتيجية منهجية شاملة لنشر الفكر الاسلامى الصحيح المستنير فى مختلف جوانبه الايمانية والاخلاقية والانسانية والواقعية فالخطبة في الإسلام جعلت لتكون معالجة لواقع المجتمع في زمانه وتناقش هموم الشعوب، وتتركز في التوعية ونشر الفكر ومعالجة آفات المجتمع مما يكون معه قرار وزير الاوقاف الطعين فى شطره الاول مطابقا لحكم القانون.

وقالت المحكمة عن الضابط الثانى بقرار وزير الاقاف المطعون فيه المتعلق بطريقة اداء موضوع الخطبة الموحدة بان يكون موضوع الخطبة استرشاديا وطريقة اداء الخطبة شفاهة وارتجالا او مكتوبة مقروءة امرا اختياريا للخطيب فى ضوء مايمكنه من اداء رسالته على الوجه الاكمل المنضبط وبما لا يخرج عن مضمون موضوع الخطبة المحدد . فان هذا الامر من شأنه ان يترك لكل خطيب قدر من ابراز ملكاته ومواهبه فى ايصال موضوع الخطبة الموحدة لجمهور المصلين بالاداء الذى يمكنه من الوصول على عقولهم وقلوبهم فطريقة ادائها ليست الزامية على وجه معين على الخطيب بل ارشادية فمن شاء القاها شفاهة وارتجالا ومن شاء القاها مكتوبة مقروءة وفى الحالتين يلتزم بموضوع الخطبة الموحدة ذلك ان الارتجال الواعي لا يستطيعه كل خطيب ويظل لبعض اصحاب الموهبة من الخطباء القدرة على الإدراك والتجديد والإبداع والتأصيل فى ذات موضوع الخطبة بما لا يحيد عنها , ومن ثم يكون القرار المطعون فيه فى هذا الشطر الثانى قائما على السبب المبرر له ومحققا لمصلحة معتبرة.

وقالت المحكمة عن الضابط الثالث بقرار وزير الاوقاف المطعون فيه من وضع قيد زمنى لموضوع الخطبة وبما لا يخرج عن وقتها المحدد ما بين خمس عشرة الى عشرين دقيقة على الاكثر , فانه يجب الا تكون الخطبة طويلة مملة او قصيرة مخلة حيث تسبق انوارهم اقوالهم فتنجذب القلوب وتؤهلها للسماع المطلوب فكل كلام يبرز وعليه كسوة من نور القلب الذى خرج منه , ولا مرية فى أن تقصير خطبة الجمعة علامة على فقه الخطيب ، حيث يستطيع جمع المعاني الكثيرة في كلمات يسيرة ، ولا يطيل فينسى الناس بآخر كلامه أوله ، وقد هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه الراتبة ، بل هو أمرُه ، وهو أكمل هدي.

كما كانت مواعظه قليلة ؛ ليُحفظ عنه يا يعظ به الناس ، فخطبة الجمعة قصيرة ، والمواعظ قليلة .قَالَ أَبُو وَائِلٍ : خَطَبَنَا عَمَّارٌ – أي : ابن ياسر - فَأَوْجَزَ ، وَأَبْلَغَ ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ – أي : أطلتَ - ، فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا ) . رواه مسلم ( 869.

واشارت الى ان التخفيف فيها مطلوب شرعًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير، والكبير، والضعيف…" متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله في موعظة أشد غضبًا منه يومئذ؛ ثم قال: "إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة"و في تقصير الخطبة فائدتين : الاولى ألا يحصل الملل للمستمعين ؛ لأن الخطبة إذا طالت - سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا لا يحرك القلوب ، ولا يبعث الهمم - : فإن الناس يملُّون ، ويتعبون .ومنهم الكبير والمريض والثانية أن ذلك أوعى للسامع ، أي : أحفظ للسامع ؛ لأنها إذا طالت : أضاع آخرها أولها ، وإذا قصرت : أمكن وعيها ، وحفظها , فترك المصلين راغبين خير من تركهم زاهدين , وبهذه المثابة يكون قرار وزير الاوقاف فى الشطر الثالث منه قائما على سببه الصحيح المبرر له محققا مصلحة معتبرة.

واستطردت المحكمة ان الاطالة او الاطناب فى وقت الخطبة يفقد التركيز عند المصلين وينفرهم من طول زمنها , فجاء فى حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قال:«كنت أُصَلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» وفي رواية:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يوم الْجُمُعَةِ إنما هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ». رواه مسلم 866 ونُقل عن الشافعي في القديم: أن أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن، وذكر الماوردي: إنْ حَمِد الله تعالى و صلى على نبيه ووعظ أجزأه، ونُقِل عن ابن العربي أن أقلَّها: حمد الله والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم وتحذير وتبشير وقرآن " يراجع الحاوي الكبير: 443/2 ".