جاء “اتفاق وقف إطلاق النار” في سوريا والذي توصلت إليه موسكو وواشنطن في التاسع من سبتمبر الحالي بعد موافقة مجلس الأمن والأطراف المتحاربة لتدفع الأزمة السورية إلى منحى آخر، ولتمهد الأجواء للجهود الدبلوماسية الدولية التي تستهدف بدء جولة جديدة من محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة في السابع من أكتوبر المقبل في جنيف.
وكرس “اتفاق وقف إطلاق النار” للأزمة السورية سواء الموقع في فبراير الماضي أو في سبتمبر الحالي حقيقة تدويل الأزمة، ككل تلك الاتفاقات والتوافقات التي سبقتها، إذ يمكن النظر إليها، باعتبارها غطاء سياسيا لأطماع أمريكية وروسية بالمنطقة، وآلية ووسيلة ضغط لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ، خاصة وأن الهدنة قسمت سوريا عبر استثنائها بعض الجهات، واقتصارها على ضرب جهات أخرى.
وبموجب الاتفاق، فإنه يجب على الجماعات المسلحة أن تؤكد التزامها بوقف القتال للولايات المتحدة أو روسيا.ويستثني هذا الاتفاق ـ كسابقه ـ كلا من تنظيم الدولة “داعش” الذي يحكم سيطرته على مناطق واسعة في سوريا، وخصوصا في شمال البلاد وشمال شرقها، فضلا عن “جبهة النصرة”، التي توجد في محافظات عدة.
فضلا عن أن الاتفاق يتضمن الكثير من الإزواجية فى بنوده ما بين دعوة “طرفى النزاع” لوقف إطلاق النار، فى ظل خلوه من أى إلزام لهما أو غيرهما من قوات على الأرض بذلك، أو فرض أى عقوبات على الطرف المخالف له، وهى الثغرة التى أسقطت اتفاق ما سمى بـ”وقف الأعمال القتالية”، والذى توصلت إليه موسكو وواشنطن أيضا فى فبراير الماضى.
كما أن الاتفاق فى مجمله لم يعبر سوى عن ترتيبات عسكرية “روسية – أمريكية” تقوم على خطوات مشتركة لبناء الثقة المفتقدة ما بين الجانبين من الأساس، فمن ناحية، سعت واشنطن إلى تمرير طلب تحديد مناطق تحليق الطائرات الروسية والجيش السورى أيضا، وهو الطلب الذى طالما سعت إليه منذ التدخل العسكرى الروسى فى الأزمة منذ 30 سبتمبر من العام الماضى.‎
من جهة أخرى، أصرت موسكو على انتزاع الموافقة الأمريكية على طلب ضرورة فصل المناطق ما بين ما يسمى بـ “المعارضة المعتدلة” والجماعات الإرهابية مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، وهو أيضا الطلب الذى عرقل كثيرا التوصل إلى الاتفاق، من ثم طلب أمريكا وللمرة الأولى من فصائل المعارضة الابتعاد عن مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية، ذلك رغم علمها صعوبة تحقيق الأمر.
شكوك حول المستقبل
هذه الهدنة المؤقتة بين روسيا وأمريكا، أثارت الكثير من الشكوك والمخاوف حول مستقبل المنطقة، وتداعياتها، خصوصا وأنها استثنت معاقل تنظيم داعش وجبهة النصرة، وهي الهدنة التي يرى محللون أنها بنيت على تقسيم سيجر المنطقة إلى مستنقع أكبر، حيث يرون أنها ليست ذات جدوى تذكر خصوصا فيما يتعلق بتخفيف معاناة السوريين.
ورغم ذلك قامت طائرات تابعة للنظام السوري بتوزيع منشورات على المدنيين تطالبهم بإخلاء بعض المناطق، وإلا فستتم إبادتهم، كما أن أكبر الثغرات فيه هي السماح للقوات الروسية بقصف المعارضة «المعتدلة» بمبرر ضرب “الإرهابيين”، وهو ما يشير إلى أن روسيا ونظام دمشق وإيران يحاولون كسب الوقت لتعزيز النظام السوري.
في غضون ذلك، تضمنت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، مصطلح تفكيك سوريا، وهو المصطلح الذي رأى محللون أنه لم يستخدم بشكل رسمي في أمريكا من قبل، مما يثير الكثير من المخاوف في المنطقة، بخصوص مستقبل سوريا في ظل ما تشهده من صراعات قد تنتهي برسم خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط تتعدى حدود سوريا إلى كل من العراق ولبنان وتركيا.
ويعتبر محللون أن هذه التصريحات تشير إلى تغيرات في السياسة الأمريكية التي لا تبدو في وضع المسيطر على الأحداث في سوريا، والتي يراها البعض نوعا من الضغط على النظام والمعارضة بفرض حالة التقسيم في حال عدم التوصل إلى تسوية سياسية.
ويرى متخصصون في الشأن السوري أن حقيقة تقسيم سوريا، لتصبح كيانا جغرافيا وسياسيا مستقلا، تبدو فكرة مستحيلة، لأسباب داخلية وأخرى خارجية، وتصريح جون كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، لا يعني أن سوريا أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التقسيم السياسي، وإنما القصد منه أن استمرار المعارك أكثر من ذلك سيؤدي إلى تقسيم مواقع القوى في عدة مناطق جغرافية مثل الأكراد في الشمال الغربي والشمال الشرقي، والنظام في الساحل ودمشق ومحيطها والمعارضة في إدلب ومناطق أخرى، وداعش في دير الزور والرقة.‎
محاولة للضغط
في المقابل، أشار محللون إلى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، لا تعدو كونها محاولة للضغط على الأطراف المتنازعة للقبول بالتفاهمات الروسية ـ الأمريكية، المعلنة وغير المعلنة، حول الأزمة السورية، وهي لا تدل على تبدل في السياسة الأمريكية المرتبكة حول الملف السوري، تلك السياسة التي تفضل الانكفاء على الانخراط الفعلي.
فواشنطن غير مهيأة لدفع فاتورة “سيناريو التقسيم”، خاصة وأنها مقبلة على انتخابات رئاسية، والإدارة الحالية ليست معنية بالدخول في مغامرات سياسية وعسكرية، قد تنعكس سلبا على حظوظ “الحزب الديمقراطي” في الانتخابات القادمة.
ورغم الإصرار الأمريكي على التكتم على بنود الاتفاق هذه المرة، واتهام موسكو لها بانتهاكه من خلال ضربها لمواقع تابعة للنظام السوري، فإن الاتفاق - فى المعلن منه - قد حقق لروسيا وأمريكا أهدافهما المرحلية، فى ظل انشغالهما بالداخل الفترة المقبلة، حيث الانتخابات البرلمانية الروسية والرئاسية الأمريكية، من ثم رغبتهما فى محاولة كبح جماح الفاعلين الإقليميين، خاصة تركيا وإيران، من ثم ضمان التوزيع المناسب للمكاسب والمصالح، ليس في سوريا فحسب، وإنما في منطقة الشرق الأوسط برمتها.