يحيي العالم بعد غد اليوم الدولي للسلام 2016 تحت شعار"أهداف التنمية المستدامة: بناء أحجار أساس من أجل السلام"، حيث يركز الاحتفال هذا العام علي أن أهداف التنمية المستدامة جزء لا يتجزأ من تحقيق السلام في عصرنا، وأن التنمية والسلام مترابطان ويعززان بعضهما بعضا.

ويعد كل هدف من أهداف التنمية المستدامة الـ 17 حجر أساس في الهيكل العالمي للسلام، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعتمدت القرار 67/ 36 في عام 1981 "اليوم الدولي للسلام" من أجل الاحتفال بمثل السلام وتعزيزها بين جميع الأمم والشعوب.

وبعد 20 عاما، حددت الجمعية العامة في القرار 282/55 عام 2001 يوم 21 سبتمبر تاريخا للاحتفال بالمناسبة سنويا، كيوم لوقف إطلاق النار عالميا وعدم العنف من خلال التعليم والتوعية الجماهيرية وللتعاون على التوصل إلى وقف إطلاق النار في العالم كله.

وأكد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في رسالتة بهذه المناسبة إلي أن كلا من الأهداف الإنمائية المستدامة العالمية الجديدة التي اعتمدتها 193 دولة قبل عام هي لبنات لإرساء السلام.

وأضاف مون أثناء فعالية قرع جرس السلام في حديقة السلام بمقر الأمم المتحدة بمناسبة "اليوم الدولي للسلام":"ندعو المقاتلين في جميع أنحاء العالم لإلقاء أسلحتهم والالتزام بيوم واحد من وقف إطلاق النار وعدم العنف..إن السلام لا يتعلق فقط بإلقاء الأسلحة، بل وأيضا ببناء مجتمعات يتقاسم فيها الناس فوائد الازدهار على كوكب سليم".

وتابع:" هذا العمل البسيط والرمزي يعيدنا إلى أصول للأمم المتحدة، والبحث عن سلام دائم ومستمر.. إن النزاعات في جميع أنحاء العالم تجبر العائلات على ترك منازلها وتحرم الأطفال من التعليم وتخضع الناس لسوء المعاملة والاستغلال".

وذكر مون أن موضوع هذا العام يسلط الضوء على الأهداف الإنمائية المستدامة كونها لبنات أساسية في بناء السلام، وأن التنمية المستدامة أمر ضروري من أجل سلام دائم، وكلاهما يعتمد على احترام حقوق الانسان، وأن كل واحد منا يمكن أن يكون من دعاة التنمية المستدامة.

ويركز الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة الـ 17 على ”السلام والعدالة والمؤسسات القوية“، بيد أن السلام يمر كخيط يربط بين جميع الأهداف الـ 17. وعندما يشعر الناس بالأمان في قدراتهم على إعالة أسرهم، وعندما تتاح لهم سبل الوصول إلى الموارد التي يحتاجون إليها للتمتع بأنماط عيش صحية، وعندما يشعرون أنهم مندمجون حقا في مجتمعاتهم، فإنهم يكونون حينئذ أقل عرضة للانخراط في نزاعات.

ولأهمية الأمر ، قال مون، "يجب علينا جميعا حشد وسائل التنفيذ، بما في ذلك الموارد المالية، وتطوير التكنولوجيا ونقلها، وبناء القدرات، والشراكات. فلكل طرف مصلحة يجنيها ولكل طرف إسهام يؤديه. واليوم نحن نجدد تعهدنا ببذل كل ما في وسعنا لمنحهم الأمل في مستقبل أفضل".

ويعتبر التقرير السنوي الـ 10 لمؤشر السلام العالمي لعام 2016، والذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام،أحد الوسائل الموضوعة لقياس وضع المسالمة النسبي للدول والمناطق، ويتم إنتاجه بالتشاور مع عدد من المتخصصين والخبراء الدوليين، وذلك بالتعاون مع مركز دراسات السلام والنزاعات بجامعة سيدني بأستراليا.

وتضم قائمته لهذا العام 163 دولة من أنحاء العالم، تغطي 99.6% من سكان العالم، وتقوم فكرة المؤشر على تجميع المعلومات من الدول المختلفة، وتشمل المعلومات إحصائيات وأرقام عن السلام والعنف في كل دولة، ثم تحليلها إحصائيا وإعلان ترتيب كل بلد.

ويصنف المؤشر دول العالم مع الأخذ في الاعتبار 3 معايير رئيسية: مستوى الأمن والأمان في المجتمع، مستوى الصراع المحلي والعالمي، درجة التزود بالقوى العسكرية. كما يركز على أكثر من 24 من المؤشرات الفرعية الأخرى لتعطي في النهاية صورة أكبر وأوضح للوضع العالمي للسلام والأمن الدوليين.

كما يعتمد في التصنيف أيضا على عدد الحروب الداخلية والخارجية للدولة، وتقديرات أعداد الوفيات الناجمة عن الحروب، ومستوى الصراع الداخلي، والعلاقات مع البلدان المجاورة، ومستوى عدم الثقة في المواطنين الآخرين، وعدد المشردين بالنسبة إلى عدد السكان، والاستقرار السياسي، ومستوى احترام حقوق الإنسان أو ما يسمى بـ "نطاق الإرهاب السياسي"، بالإضافة إلى عدد المسجونين، وعدد جرائم القتل، وعدد التظاهرات العنيفة، فضلا عن نسب الإنفاق العسكري في الموازنة العامة للدولة، وعدد أفراد القوات المسلحة، وصادرات ووردات الأسلحة المختلفة، الثقيلة والخفيفة.

وبحسب المؤشر، بلغت تكلفة الإرهاب عام 2015 حوالي 13.6 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يعادل 11 ضعفا لحجم الاستثمارات العالمية في العام نفسه. كما أن مقدار الخسائر الناتجة عن النزاعات بلغت 742 مليار دولار، ويقدر إنفاق الدول على الأمن الداخلي بـ4.2 تريليون دولار، في حين وصل الإنفاق العسكري لدول العالم إلى 6.2 تريليون دولار.

كما أبرز تقرير المؤشر أن تكاليف العنف أصبحت تعادل 13.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما يعادل إنفاق كل فرد في العالم حوالي 1.876 ألف دولار سنويا من أجل العنف في عام 2016.

وفي تقديرات الأمم المتحدة أنها ستنفق 8 مليارات دولار على عمليات حفظ السلام هذا العام، أي أكثر من عام 2015 بمقدار 17%، وتشير التقديرات إلى أن المبالغ المنفقة على إعادة الإعمار وحفظ السلام قليلة بالمقارنة مع الآثار الاقتصادية للعنف، وأن هذا المبلغ لا يناهز سوى 2% من إجمالي الخسائر العالمية الناجمة عن الصراع المسلح.

وأعلن التقرير أن الإرهاب العالمي بلغ أعلى مستوياته على الإطلاق، وأعداد الوفيات إثر المعارك والصراع وصلت الى أعلى مستوياتها منذ 25 عاما.

ويلحظ التقرير أنه على الرغم من تركز معظم أنشطة الإرهاب العالمي في 5 دول، هي سوريا والعراق ونيجيريا وأفغانستان وباكستان، إلا أن التداعيات العالمية تتزايد بشكل مطرد. لافتا إلي ازداد تعداد الوفيات بفعل الإرهاب بمقدار 80% عن تقرير العام الماضي 2015، واستثنيت 69 دولة فقط لم تسجل فيها حوادث إرهابية، وكذلك ازدادت حدة الإرهاب، فقد ازداد بمعدل أكثر من الضعف عدد الدول التي سقط فيها أكثر من 500 قتيل بفعل الهجمات الإرهابية، من 5 دول إلى 11 دولة.

وجاءت منطقة جنوب آسيا ثاني أقل منطقة أمنا في العالم بعد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد سجل تدهور في دول أفغانستان ونيبال وبنجلاديش والهند، مع تحسن طفيف في بوتان وسريلانكا وباكستان. أما المشهد في دول جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية فمختلط ، إذ رغم أن دول تشاد وموريتانيا والنيجر جميعها تحسنت علاقاتها من دول الجوار إلا أن تصاعد العنف جنوب السودان ونشاط المجموعات الإرهابية الإسلامية مثل بوكو حرام قد أضر بمساعي السلام والاستقرار في المنطقة.

وأشار التقرير إلي مشكلة اللاجئين والنازحين الذي وصلت أعدادهم لمستوى لم يشهده العالم منذ 60 عاما. وقد تجلت نتائج العنف في أعداد اللاجئين والمشردين داخليا، فمع بداية 2015 ضربت الأعداد رقما قياسيا قوامه 59.5 مليون شخص (أي شخص واحد من بين كل 122 شخصا على الأرض) يتوزعون ما بين لاجئ ومشرد أو طالب لجوء.

وجاء في المؤشر أن 9 دول قد تشرد أكثر من 10% من سكانها، ففي جنوب السودان والصومال بلغ تعداد الفارين من منازلهم حوالي 20% من السكان، أما في سوريا فالنسبة تفوق 60%.

وبحسب التصنيف السنوى للمؤشر، احتلت الدول الإسكندنافاية أعلى القائمة، وجاءت أيسلندا، والدنمارك، والنمسا فى المراكز الثلاث الأولي ، وجاءت بعدها نيوزيلاندا والبرتغال، وجمهورية التشيك ، وسويسرا ،كندا، اليابان، وسلوفينا . ويلاحظ أن كلا من كندا واليابان، وهي دول غير أوروبية جاءت من بين أعلى 10 دول في المراكز الثامن والتاسع على الترتيب.

وجاءت باقي الدول حتي المركز 20 وهي فنلندا ، وايرلندا ، بوتان ، السويد ، استراليا ، ألمانيا ، النرويج ، بلجيكا ، هنغاريا ، وسنغافورا . واحتفظت الولايات المتحدة بمركزها 103 ضمن التصنيف من أصل 163 دولة وبذلك تقع ضمن الفئة الثانية متوسطة السلام، بينما تقدمت المملكة البريطانية المتحدة خمسة مراكز لتستقر في المركز 47 بعد أن كانت في المركز 52 في العام الماضي. وأشار المؤشر إلى أن هناك فقط 10 دول خالية تماما من الصراع على مستوى العالم، كما أن 81 دولة شهدت تحسنا ملحوظا، بينما أزاح التدهور في 79 دولة أخرى هذه المكاسب.

وجاءت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي كانت بالفعل في المرتبة الأدنى في مؤشر السلام العالمي، لتشهد أكبر تدهور في السلام والأمن في عام 2015؛ حيث أدى تصاعد الحروب الأهلية في سوريا واليمن، إلى زيادة التدخل الخارجي، وتسبب ذلك في انخفاض ترتيب بعض الدول التي كانت مراتبها أعلى في التقرير الماضي.

وتصدرت قطر قائمة الدول العربية في المؤشر لتصبح أكثر الدول العربية سلاما وأمانا في المركز الأول عربيا و34 عالميًا، وتليها الكويت في المركز 2عربيا و51 عالميا والإمارات العربية المتحدة 3 عربيا و61 عالميا.

واحتلت 6 دول عربية مراكز ضمن آخر 10 دولة بالمؤشر كأقل الدول سلاما في العالم؛ فبعد وجود سوريا في المركز الأخير 163 عالميا ، يسبقها عربيا العراق في المركز 161، والصومال في المركز 159، واليمن في المركز 158، والسودان في المركز 155، وليبيا في المركز 154، وفسطين في المركز 148، ولبنان في المركز 14 عربيا و146 عالميا ، بالترتيب التنازلي من الأقل سلاما للأكثر سلاما.

وكان من الطبيعي أن يتم تصنيف سوريا على أنها الدولة الأكثر خطورة على مستوى العالم، حيث ترزح الدولة الشرق أوسطية للعام الخامس على التوالي تحت نير الحرب الأهلية، والتي قتل فيها ما يقرب من 250 ألف شخص وتسببت في نزوح 9 ملايين من مواطنيها.

وجاءت جنوب السودان في المركز الثاني في قائمة الدول الأكثر عنفا في العالم، لتأتي بعدها العراق. وفي الوقت الذي تهيمن فيه دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على المراكز الـ 15 الأولى في قائمة الدول الأكثر عنفا على مستوى العالم، استطاعت أوكرانيا أن تشاركها القائمة محتلة المركز الثامن.

وعلى الرغم من أن المؤشر يشير إلى أن العالم قد أصبح أقل سلما وهدوءا، إلا أنه يشير أيضا إلى أن عدد الدول التي أصبحت أكثر أمانا في عام 2015، أعلى من عدد الدول التي أصبحت أكثر عنفا. ومن بين الدول التي أصبحت أكثر سلاما وهدوءا، بنما، وسريلانكا، وجنوب أفريقيا، وموريتانيا.

وفي نفس الوقت من الدول التي أصبحت أقل سلما اليمن، وأوكرانيا، وتركيا، وليبيا، والبحرين، بسبب تأثير العنف وعدم الاستقرار السياسي. في حين أن الدول التي احتلت المراكز 15 الأخيرة في المؤشر ، باعتبارها الدول الأكثر خطورة وعنفا على مستوى العالم هي ، نيجيريا؛ كوريا الشمالية؛ روسيا؛ جمهورية الكونغو الديموقراطية؛ باكستان؛ ليبيا؛ السودان؛ أوكرانيا؛ جمهورية أفريقيا الوسطى؛ اليمن؛ الصومال؛ أفغانستان؛ العراق؛ جنوب السودان؛ سوريا.

وذكر التقرير إن معالجة التفاوت العالمي في نسب السلام وتحقيق انخفاض مقداره 10% في آثار العنف الاقتصادية من شأنه أن يعود على العالم بعائدات سلام قدرها 1.36 تريليون دولار، أي ما يعادل حجم صادرات الغذاء العالمية تقريبا. وبالإضافة إلى دعوة المجتمع الدولي إلى تعزيز السلام فقد شدد التقرير على ضرورة مراقبة السلام من خلال الهدف التنموي المستدام الـ16 لبرنامج التنمية الأممي الذي ينص على بناء مجتمعات شاملة مسالمة وعادلة.

ويختم تقرير المؤشر إلي إن تطوير الدول للطاقات الاستيعابية اللازمة لقياس الهدف الـ16 أمر سيستغرق وقتا وكثيرا من الاستثمار.