فن اختصهم الله بأسراره وعرفوا كيف يقومون به لآلاف السنين، وساعدهم كثيراً فى حفظ جثث موتاهم من الملوك والأمراء والأغنياء وغيرهم من أبناء عصورهم، إنه فن التحنيط المميز الذى امتازت به مختلف الحضارات الفرعونية القديمة، وهنا كان لزاما على الدولة المصرية إقامة متحف متكامل حول تلك المهنة المميزة التى احترفها القدماء المصريين، وهو "متحف التحنيط" بكورنيش النيل بالأقصر ويقع شمالى معبد الأقصر، والذى كان الهدف من بنائه فى ذلك الموقع المميز هو إبراز تقنيات فن التحنيط الفرعونى القديم التى طبقها قدماء المصريين على العديد من المخلوقات وليس على البشر فقط.
ويضم متحف التحنيط بكورنيش النيل بالأقصر، عدد كبير من مومياءات متنوعة لملوك وأمراء وقطط وأسماك وتماسيح، وكافة الوسائل والأدوات الفرعونية القديمة التى كانت تستخدم فى أعمال التحنيط فى العصور الفرعونية المختلفة والذى افتتحه الرئيس الأسبق مبارك 1997، وهوا مازال راسخاً ويتهافت على زيارته الآلاف من السائحين سنوياً منذ 19 سنة كاملة يضاف إليها الجديد كل عام من اكتشافات جديدة ومميزة فى مجال التحنيط.
ويضم متحف التحنيط بالأقصر أكثر من 150 قطعة فرعونية قديمة من بينها "سرير التحنيط" المستخدم فى عملية التحنيط، والذى تم العثور عليه مكسورا لعدة أجزاء فى المقبرة رقم 63 بوادى الملوك، وتأتى هيئته عبارة عن 3 حمالات خشبية منفصلة ملفوفة بالكتان ومقدمة مزينة برأسى أسد، وكذلك الأدوات المستخدمة فى التحنيط وهى عبارة عن وسادتين استخدمتا فى عملية التحنيط وهما مصنوعتان من الكتان محشوتان بالريش، وأربعة آخرين عثر عليهم حديثا فى المقبرة 63 بمنطقة وادى الملوك يرجعن لعصر الأسرة الثامنة عشر، ومن الأدوات الخاصة بالتحنيط المتواجدة بالمتحف ((الإزبيل لتفتيت المخ - الإسبتيولة والملعقة للتنظيف الداخلى - الموسى لعمل فتحة بالجانب الأيسر من البطن - المقص – الملقاط - المشرط لفصل واستئصال الأحشاء - الفراشاة للتنظيف الجاف الداخلى - المخرازة لترميم العظام عند الضرورة - الإبرة لخياطة البطن - ملح النطرون ونشارة الخشب الذى كان يستخدم كحشو مؤقت فى التجويف الصدرى والبطنى - بقايا دهون معطرة وبقايا مواد راتنجية على لفائف كتانية "فالراتنج هو إفراز المواد الهيدروكربونية من النبات ولا سيما الأشجار الصنوبرية" - راتنج من تابوت وراتنج من حفائر بإدفو - كيس به مواد حشو - تربنتينا وجدت فى أكياس بالتابوت - خليط من البيتومين والراتنج - قطعة من جسم محنط - وأخيرا قطعة من جلد قديم))، ويضم المتحف أيضاً مناظر تحاكى تماما برديتى "حونيفر" و"آنى" اللتان يرجع تاريخهما إلى 1200 سنة قبل الميلاد، فيما يستقر الأصل فى المتحف البريطانى.
وتم بناء متحف التحنيط بالأقصر منذ 19 سنة مضت على مساحة 2035 متراً مربعاً ويحتوى على قاعة العرض التى تضم عشر لوحات معلقة تبين تفاصيل طقوس الموكب الجنائزى والإجراءات التى تتبع من الموت وحتى الدفن من واقع بردى آنى وهو نفر المعروضتين فى المتحف البريطانى، وأكثر من ستين قطعة فى 19 نافذة عرض زجاجية وقاعة محاضرات وغرفة شرح فيديو، وتتمحور معروضات متحف التحنيط حول 11 موضوعاً أساسياً هى (آلهة مصر القديمة - مواد التحنيط - المواد العضوية - سوائل التحنيط - الوسائل المستعملة فى عملية التحنيط - أوان كانونية لحفظ الأحشاء الداخلية للمتوفى وكانت تتخذ شكل أبناء حورس الأربعة وهم "إمست" و"حابى" و"دواموتف" و"قبح سنوف" – الأوشبتى – تمائم - تابوت بادى آمون - مومياء ماسحرتى (ابن الملك باـ نجم الأول، والذى كان كبيراً لكهنة آمون وقائداً للجيش) وهى المومياء البشرية الوحيدة فى المتحف - حيوانات محنطة).
وفى هذا الصدد يقول محسن عبد الخالق مرشد سياحى بالأقصر، أن فن التحنيط عن القدماء المصريين هو عمل مميز للغاية كانوا يتقنونه بصورة كبيرة، فكانت العقائد الدينية فى مصر القديمة تؤكد على حفظ جسد المتوفى وإبقاءه على شكله حتى يتسنى للروح أن تتردد عليه فى مقبرته، فكانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت فكانت تتم عملية التحنيط للمتوفى لمدة 70 يوما منذ الوفاة حتى الدفن، وكانت تدفن معه كل متعلقاته وخاصة الملوك الذين كانت يدفن معهم خدامهم ومتعلقاتهم الذهبية وحلاهم وقلادهم.
ويضيف محسن عبد الخالق لـ"اليوم السابع" أن المتحف يتضمن بعض المعروضات المختصة بموضوع التحنيط وشرح تفاصيله، عبر خزانات العرض وعددهم 9 خزانات توضع فيهم الاّثار، حيث تحتوى كل خزانة على عدد كبير من القطع الأثرية، وتمثل مومياوات حيوانية واّدمية، كما يضم مومياء كبير كهنة "آمون رع" وقائد الجيش "ماسحرتى" ابن بانجم الأول فى الأسرة الواحد والعشرين، والذى وجد بإحدى أصابعه اليمنى عليها غطاء من الذهب، وتم اختيار هذه المومياء فى المتحف لأنها تمثل عصر الكمال حين بلغ التحنيط ذروته، مشيرا إلى أن العالم ماسبيرو هو من اكتشف المومياء عام 1981، ضمن باقى المومياوات التى اكتشفها فى خبيئة الدير البحرى فى البر الغربى، كما تم العثور على غطاء مومياء وغطاء تابوت "ماسحرتى"، موضحا أن هذه المومياء توضح أن "ماسحرتى" كان سمينا ورأسه غليظة وصاحب أيدى ممتلئة.
أما حول المعروضات التى يضمها متحف التحنيط فتقول الدكتور سناء أحمد عمر مديرة متاحف مصر العليا، أن متحف التحنيط يعرض داخله مومياوات حيوانية كمومياء طائر "أبى منجل"، ومومياء لقرد فى الناووس وكلاهما رمز للمعبود "تحوت" إله المعرفة والحكمة، حيث كانت لهما جبانات خاصة فى سقارة وتونا الجبل بالمنيا، ومومياء لبطة محنطة من العصر الحديث قام بتحنيطها الدكتور زكى إسكندر عام 1942 لإثبات معرفة طريقة التحنيط عند قدماء المصريين، ومومياء تمساح حديث الولادة، ومومياء سمكة قشر بياض وجدت فى إسنا مركز عبادتها، وتمثال ومومياء لقطة كان يرمز بها فى مصر القديمة بـ"باستت" التى زادت شعبيتها فى تل بسطة الزقازيق.
وأضافت مديرة متاحف مصر العليا أن يعرض أيضاً بالمتحف علامة "العنخ" رمز الحياة والتى يعتقد أن شكلها مأخوذ من شكل أربطة الصندل الذى كان يرتديه المصرى القديم، وخشب ملون للأسرة الثامنة عشر عثر عليه فى مقبرة أمنحتب الثانى بوادى الملوك، بجانب العمود "جد" رمز الثبات والاستمرار، وربما كان يمثل "الجد" فى الدولة القديمة بالأعمدة التى تسند السماوات، وأحيانا كان يشار به إلى العمود الفقرى للمعبود "أوزوريس"، وكبش محنط مغطى بقناع مذهب من الكرتوناج وجد فى جزيرة الفنتين، ويتكون الكرتوناج من طبقات عديدة من الكتاناو البردى مثبتة بمادة صمغية، ومشكلة طبقا لملامح الوجه، وكان يعتبر الكبش رمز للإله "خنوم" الذى كان يعتقد أنه يقوم بتشكيل جسم الإنسان على عجلة الفخار وكان مركز عبادته فى أسوان، وتمثالى "نفتيس" و"إيزيس" إلهى حماية المتوفى، حيث كانت "نفتيس" تصور فى النقوش وعلى التوابيت وبجانب رأس المتوفى، بينما كانت "إيزيس" تصور عند قدميه لأنهما يبكيان ويحميان المتوفى.
كما يتواجد داخل المتحف نموذج لمركب جنائزى لنقل جثمان المتوفى عبر النيل إلى البر الغربى، وكانت توضع فى المقابر أو صور على جدرانها، حيث كان يجب على كل مصرى سواء فى حياته أو مماته أن يستخدم مركبا ليقوم برحلة أبيدوس حيث مقر دفنة "أوزوريس" إله العالم الآخر، ومومياء لتمساح والذى كان يرمز فى مصر القديمة للمعبود "سوبك" رب الماء والخصوبة، حيث عثر عليه فى مقصورة بمعبد "كوم أمبو" إذ كانت المدينة أهم مراكز عبادته، وكان المصرى القديم يربيه فى بحيرات ضمن ملحقات المعبد، والإله "سوبك" هو رب مدينة التماسيح بالفيوم عند المصرى القديم، وعبد هناك وكرس له جزء من معبد عظيم، وعبد فى منطقة الدهامشة فى أرمنت بالأقصر، وروى عنه المؤرخ "هيرودوت" أن هذه التماسيح كانت تزين وتطعم وتضع لها أقراط من الذهب أو الأحجار الصناعية فى آذانها، كما توضع الأساور فى أقدامها الأمامية ويقدم إليها طعام خاص، وكان يعتنى بها اعتناء خاص أثناء حياتها، وعندما تموت تحنط وتوضع فى توابيت مقدسة.