صدر حديثًا عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع، رواية “104 القاهرة” للكاتبة ضحى عاصي.
الروايه تدور احداثها في القاهرة، منذ بداية الخمسينات وحتي نهاية العقد الأول من القرن الحالي، أنشراح عويضه هي الشخصية المحورية في العمل ومنها يتحرك الكاتب الي عالم الرواية المتشابك المكثف.

تنطلق الكاتبه من التفاصيل العادية والمعاشة لترصد من خلالها التخبط السياسي والأيدلوجي الذي عاشته مصر في تلك الحقبة الزمنية وكيف أثر هذا التخبط علي نفسية وشخصية الإنسان المصري، وعلاقته بذاته ورؤيته للعالم والأخرين.
حاولت الكاتبه في هذا العمل أن تعيد رؤية البشرمن خلال أمكانيتهم الإنسانية وقدراتهم النفسيه بعيدًا عن التصورات النمطية وفقا للتقييم الطبقي والاجتماعي فتكون انشراح عويضه مثلا الفقيرة الغير متعلمة، ربما هي الاكثر تماسكا ووضوحا مع عالمها وذاتها بل الاكثر قدره علي دعم ومسانده الكثيريين.
وبالرغم من قوه انشراح النفسية الفطرية ولكنها كجزء من مجتمع تخبط ايدلوجيا وسياسا لن تكون بمنأي عن أثار هذا التخبط فنجد صراعاتها النفسية بين عالم الواقع الذي لا يمنحها اي قوه بل بالعكس يكون ضاغطا، واحلامها التي تحاول ان تروض الواقع من أجل تحقيق اي منها.
هذه الرواية تعتبر عملا إبداعيا رائعا يتميز بحيوية السرد، فتجذبك من صفحاتها الأولى ببساطة مدهشة، لتستغرق في عالم مترابط من الشخصيات النابضة القريبة، إذ تقدم الكاتبة لوحة اجتماعية شديدة التشابك والكثافة، تكشف وتحرك الحياة الاجتماعية المصرية منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى العقد الأول من القرن الحالي، وتصهر ثقافات الأولياء والمتصوفة مع عالم الحكمة والفلسفة اليونانية، والغناء والحكي مع حضارات التبت ووصفات السحر الشعبي، تلك العوالم التي -من خلال تفاصيلها- تقودك إلى فلسفة الطبيعة الإنسانية الممزوجة حتما ما بين عالم الروحانيات وأرض الواقع.. ما بين المتمنى والمتاح.
ضحى عاصي تتمرد على أي شكل من أشكال الجمود، وتحرر السرد والبناء من البلاغة التقليدية، لتبني روايتها بناء رائعا ومدهشا من مادته، اللغة، التي تتجاوز الكاتب إلى أرواح البشر والمكان.