حالة من الجدل تسود الشارع التونسي بعد فرض ضريبة على الجزائريين الذي يدخلون أراضيها عبر الحدود، مما أدى لاتخاذ الأخيرة قرارًا بالمعاملة بالمثل، اذ شهدت معابر حدودية برية بين الجزائر وتونس الصيف الماضي احتجاجات لجزائريين يطالبون بإلغاء الضريبة.
وفرضت السلطات التونسية ضريبة على الأجانب العابرين لأراضيها، في أكتوبر 2014م.
احتجاجات حدودية
وكان قرار تونس بفرض رسوم مالية قدرها 30 دينارًا ( 14 دولار)، على الجزائريين الذين يدخلون أراضيها، أثار احتجاجات واسعة في الجزائر، لاسيما في المدن الحدودية.
ويقول منتقدو القرار إن من غير المعقول أن تفرض إتاوات بين بلدين شقيقين، لاسيما أن السياح الجزائريين واظبوا على زيارة تونس في عز المخاوف الأمنية التي صرفت السياح الغربيين.
ويضيف آخرون أن الزائر الجزائري ينفق في الأصل أمواله، حين يدخل تونس، وبالتالي، فإنه يساهم في الاقتصاد التونسي، ولا يدخل لأجل اقتناء مواد تدعمها الحكومة التونسية فقط.
من جانبهم، يرى مدافعون عن فرض الإتاوة، أنها تضمن موارد إضافية لخزينة الدولة التونسية، وتتيح لها عائدًا إضافيًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي فاقمها الإرهاب وركود السياحة.
ويشير المؤيدون إلى أن من الصعب إلغاء الإتاوة خلال الصيف الحالي، لأنها فرضت في قانون مالية 2014م، ولا يمكن التراجع عنها إلا بعد إقرار قانون مالية 2017م.
رد جزائري
وردًا على القرار التونسي، أعلنت الجزائر شروعها في تطبيق ضريبة دخول على المواطنين التونسيين في إطار "المعاملة بالمثل".
وجاء ذلك في رد مكتوب من وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، على سؤال برلماني بخصوص الضريبة المفروضة من طرف السلطات التونسية على الجزائريين أثناء عبورهم إلى تونس بمركباتهم، والمقدرة بـ 30 دينارًا تونسيًا (14 دولارًا أمريكيًا).
وقال المسؤول الجزائري: "بما أن الأمر يتعلق ببلد مجاور، والذي تجمعنا به علاقات مميزة (تونس)، فإننا قررنا بدء الإجراءات المتعلقة بتطبيق المعاملة بالمثل، مع إبقاء الأبواب مفتوحة لمواصلة المشاورات مع السلطات التونسية الشقيقة قصد إلغاء هذه الضريبة".
وتابع "أحيطكم علمًا بأن ضريبة 30 دينار تونسي قد تم استحداثها بموجب قانون المالية التكميلي التونسي لسنة 2014م، والذي تمت المصادقة عليه في 7 مارس 2015م، وبموجب هذا القانون تطبق هذه الضريبة على جميع الرعايا الأجانب إلى تونس، عبر المنافذ البرية أو البحرية، وبالتالي هي غير تمييزية".
ووجه لخضر بن خلاف النائب عن حزب جبهة العدالة والتنمية (إسلامي جزائري معارض)، مطلع أغسطس/آب الماضي سؤالاً برلمانيًا يطالب فيه وزير الخارجية بالتدخل لحل قضية الضريبة المفروضة على الجزائريين لدى دخولهم تونس لأنها خلفت متاعب مالية خصوصًا للمقيمين على الحدود والذين يتنقلون عدة مرات.
أزمات سابقة
وواجهت العلاقات التونسية الجزائرية منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية عواصف كثيرة لكنها كانت في كل مرة تعود الى مسارها ومدارها الصحيح إلى ضرورات الجغرافيا.
ففي كل مرحلة كانت تظهر فيها الخلافات والتوترات في سماء العلاقات بين البلدين كان التقارب الجغرافي والتاريخي والثقافي بدءًا من الإشعاع الثقافي للزّيتونة، وصولاً إلى الكفاح المشترك ضد الاستعمار الفرنسي ووحدة المصير المشترك بمثابة "صمام الأمان"، الذي يتصدى لمحاولات إحداث الوقيعة والقطيعة.
وبدأت تظهر تلك الخلافات في العلاقات التونسية الجزائرية مباشرة بعد إعلان الاستقلال تونس في العام 1956م، حيث تتحدّث الكثير من المصادر التاريخية عن محاولات قام بها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بعد زيارته إلى الولايات المتحدة للتوسّط لتهدئة حدّة المواجهة بين فرنسا وجبهة التّحرير الوطني.
فقد كان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة يدعو قادة الثورة الجزائرية الى العودة الى الهدوء، وعندما قام بزيارة إلى واشنطن في تلك الفترة، طلب منه الرئيس الأمريكي إيزنهاور بالقيام بدور المهدّئ للثورة الجزائرية، مقابل مساعدات اقتصادية أمريكية، وطلب أيزنهاور من بورقيبة أن يقنع الثوّار الجزائريين بالعودة الى السلم والعيش في كنف فرنسا، ووعد بورقيبة أيزنهاور بالقيام بهذا الدور ومحاولة إقناع الجزائريين بوقف القتال كما فعل هو في تونس، وكان أول تصريح لبورقيبة في البيت الأبيض قوله: "نحن مع الغرب وسنظل معه لا بحكم موقعنا الجغرافي فقط بل بحكم ثقافتنا وتقاليدنا".
وأدى ذلك الى اهتزاز العلاقة بين البلدين لكنه لم يؤثر في المقابل على دعم تونس واحتضانها للثورة الجزائرية.
وفي يناير 1963م، استدعت تونس سفيرها في الجزائر بحجة تواطؤ الجزائر مع عناصر عسكرية تابعة لبن يوسف، حاولت اغتيال الحبيب بورقيبة في تونس.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن الخلافات ظهرت مجددًا عندما منحت تونس حق اللجوء السياسي للعقيد الطاهر الزبيري رئيس هيئة الأركان في الجيش الجزائري، والذي قاد محاولة انقلاب ضدّ حكم الرئيس هواري بومدين المنقلب بدوره على أحمد بن بلة.
وعندما تولى الشاذلي بن جديد الحكم في الجزائر في 1980م، كان الاتحاد المغاربي في طور التأسيس، الأمر الذي أدى نسبيًا إلى إعادة تصحيح العلاقة بين الجزائر وتونس، لكن سرعان ما تغيرّت الأوضاع بعد خريف الغضب الجزائري في 5 أكتوبر 1988م، حيث اضطّرت السلطة الجزائرية الى تغيير أسلوبها السياسي وأطلقت مشروع التعددية السياسية الذي بموجبه تأسست الأحزاب السياسية في الجزائر من وطنية واسلامية وبربرية.
وترافق هذا التغير الجزائري مع تغيّر آخر في تونس تمثلّ في وصول بن علي الى السلطة في نوفمبر 1987م، وكان بن علي منزعجًا من السلطة الجزائرية التي منحت الاعتماد للجبهة الاسلامية للإنقاذ وقد أوصل انزعاجه هذا الى الرئيس الشاذلي بن جديد وطالبه بحلّ جبهة الإنقاذ لأن وجودها في الجزائر من شأنه أن يحرج السلطة التونسية مع حركة النهضة التي حُظرت في تونس وزجّ بكل قيادييها في السجن، وارتفعت حدّة التوتر بين الجزائر وتونس عندما أقام زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في الجزائر العاصمة وظلّ يتردد على عباسي مدني ورفاقه من قادة الجبهة الاسلامية للإنقاذ، وقد أرسلت تونس رئيس وزرائها حامد القروي الى الجزائر للطلب رسميًا من الجزائر بتسلّم راشد الغنوشي المحكوم عليه بالإعدام في تونس مع مجموعة من قياديي حركة النهضة.
وغادر الموفد التونسي الجزائر خالي الوفاض لأنّ الرسميين في الجزائر كانوا يتصورون أنّ خطوة من هذا القبيل من شأنها تفجير الشارع الاسلامي الذي كان يغلي في الجزائر، وتبع الغنوشي إلى الجزائر عشرات من أنصار النهضة وكوادرها، وارتابت السلطة التونسية في الأمر، حيث تخوفت من عودة النهضة إلى تونس من البوابة الجزائرية.
وعندما تزايدت الضغوط على الجزائر من قبل تونس، طُلب من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة أن يغادر الجزائر، واختار التوجه الى السودان ومنه توجه إلى بريطانيا للإقامة فيها كلاجئ سياسي.
وبعد إبعاد الشاذلي بن جديد عن الحكم وفرض حالة الطوارئ وحلّ الجبهة الاسلامية للإنقاذ، اندلعت مواجهات دامية بين أنصار الإنقاذ والسلطة الجزائرية، وترتبّ على إلغاء الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للإنقاذ بروز العمل المسّلح وعشرات الحركات الاسلامية المسلحة التي كان بعضها يقوم بالهجوم على مواقع على الحدود التونسية الجزائرية.