في 14سبتمبر 1982، وبينما كان بشير الجُميل يخطب في زملائه أعضاء كتائب القوات اللبنانية “المسيحية” المتحالفة مع إسرائيل، انفجرت قنبلة في الساعة 4:10م بتوقيت بيروت مما أدى إلى مقتل بشير و26 سياسيًا آخر من الكتائب. في الصباح التالي، وعلى الرغم من انتشار إشاعات تفيد بنجاة بشير من الاغتيال، أكد رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان أن بشير الجميّل قد قتل.
المتهمون
اتهم بالاغتيال حبيب الشرتوني وهو مسيحي ماروني وعضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي وقد تم اعتقاله بتهمة اغتيال الجميّل. استطاع الشرتوني تنفيذ عملية الاغتيال بسبب وجود شقة شقيقته في أعلى شقة بشير.
وقبل اغتيال بشير بيوم، زار شقيقته وزرع القنبلة في شقتها ثم دعاها في اليوم التالي للخروج من الشقة. وعندما خرجت، قام بتفجير القنبلة على بعد بضعة أميال من البناية. وعندما عاد للاطمئنان على شقيقته، تم اعتقاله على الفور.
لاحقًا، اعترف الشرتوني بأنه نفذ عملية الاغتيال لأن بشير الجميّل “باع لبنان إلى إسرائيل”، مما جعله بطلًا في أعين بعض اللبنانيين. تم سجن الشرتوني لـ8 سنوات قبل أن تسيطر القوات السورية على لبنان في نهاية الحرب الأهلية وتحرره في 13 أكتوبر 1990.
علاقته مع إسرائيل
وفقًا لملحق جريدة ” يديعوت أحرونوت” اﻹسرائيلية الذي صدر بمناسبة مرور 30 عاما على الحرب اﻷهلية اللبنانية، فقد أكدت أن “الجُميّل” كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع اﻹسرائيلين.
وقالت إن العلاقة بدأت بين إسرائيل وقوى مسيحية لبنانية عام 1975، حين طلبت هذه القوى من تل أبيب المساعدة في خضم الحرب الأهلية التي كانت تعصف بالبلد. رئيس الوزراء في حينه، إسحاق رابين، استجاب للطلب، وعلى مدى الأعوام التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82 بلغت قيمة المساعدات الإسرائيلية 118 مليون دولار، إضافة إلى تدريب نحو 1300 عنصر من الكتائب في قواعد خاصة داخل إسرائيل...
كان لدى القوات اللبنانية أساليب عدة لشراء زملائهم الإسرائيليين. سريعاً أدركوا أن شارون يحب الطعام الفاخر، فعمدوا عند كل زيارة له إلى استقدام أنواع فاخرة من الجبن والطعام البحري من باريس، إضافة إلى لحوم الضأن ومقبلات أخرى. وخلال كل زيارة لشارون، كانت هناك مائدة دسمة تستمرّ ساعات، لكن في المجال العسكري، لم تكن هناك أي جدوى ترجى من القوات. معظم طلبات إسرائيل لمساعدتها في القتال رُفضت بحجة أنهم غير مستعدين لذلك من الناحية العملياتية...
وفيما كانت العلاقة بين إسرائيل والقوات تتوثق، كانت هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي تستكمل خطة الحرب على لبنان. في كانون الأول عام 1981 صدّق شارون على الخطة، وفي كانون الثاني 1982 زار بيروت سراً والتقى بشير الجميل وقيادة القوات. وعندما عاد من الزيارة اتصل شارون بي وقال «لقد ربطت أرجلهم. كل شيء جاهز من أجل الحرب، وهو سيكونون شركاءنا فيها»...
في الأيام الأولى من حزيران 1982، كان شارون في زيارة سرية إلى رومانيا، حين جاءه نبأ محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شلومو أرغوف. كان ذلك بالنسبة إلى بيغين وشارون ذريعة للدخول إلى لبنان. غداة عودة شارون، عقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعاً في السادس من حزيران، وقررت فيه تنفيذ عملية «الصنوبر الكبير»...
في جلسة الحكومة في 15 حزيران، التي نوقش خلالها احتلال الجزء الغربي من بيروت، أوضح بيغين أن هذه المهمة ستلقى على القوات اللبنانية. وفي جلسة ثانية، بعد يومين، قال شارون للوزراء «إذا تطلب الأمر الدخول إلى بيروت، فإن من سيدخل أمامنا وخلفنا ويطهر المدينة من المخربين هم القوات اللبنانية»...
هذه العملية، التي أطلق عليها اسم «بريق»، كان من المفترض أن تكون درة تاج التعاون بين إسرائيل والقوات اللبنانية. وفي إطارها كان من المفترض أن تدخل قوات بشير الجميل غربي العاصمة، التي كانت مطوقة من قبل الجيش الإسرائيلي، وأن تطهر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في برج البراجنة وصبرا وشاتيلا من المخربين، الذين اختبأوا فيها. في ليلة 20 حزيران، التقى شارون في بيروت قادة القوات اللبنانية، واتفق معهم على أن تبدأ العملية بعد يومين. إلا أن ذلك لم يحصل...
في نهار الانتخابات في 23 آب، فرض الجيش الإسرائيلي إغلاقات على المعابر الحدودية بين سوريا ولبنان من أجل منع النواب اللبنانيين المتمردين من اجتياز الحدود والتهرب من المشاركة في الاقتراع. وأرسلت وحدات خاصة تابعة للجيش الإسرائيلي إلى بيوت بعض النواب المترددين، من أجل ضمان أمن عوائلهم. وصف أحد ضباط الموساد ذلك بالقول «تماماً مثل المافيا»...
في الأثناء، كان بيغين في القدس ينتظر الأنباء من بيروت. صحيح أن القوات خذلته ولم تنفذ التزامها في تطهير غربي بيروت من المخربين، إلا أن ياسر عرفات كان على وشك مغادرة لبنان، وهذه هي اللحظة المناسبة لتنفيذ الشق الآخر من الاتفاق مع الجميل: توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل...
إلا أن الجميل نقل رسائل مخالفة. خلال لقائه مع ديف كمحي، مدير عام وزارة الخارجية، ومهندس الاتصال مع القوات اللبنانية، أوضح الجميل «سيكون عليكم أن تنتظروا بين ستة إلى تسعة أشهر حتى أستقر في كرسي الرئاسة، وعندها سوف آتي إلى القدس من أجل توقيع اتفاق. وفي غضون ذلك، سوف أقنع دولاً عربية أخرى، وعلى رأسها السعودية، بدعمي. أنا أريد أن أبني جيشاً قوياً، وأن أجهض المقاومة الداخلية في لبنان...».
«طلب بيغين لقاء بشير فوراً. اللقاء المشار إليه أعلاه في نهاريا انتهى دون نتائج عملية وبنبرات حادة. كان ذلك قبل أسبوعين من مقتل بشير.
من هو بشير الجميل
هو الابن الأصغر للزعيم المسيحي بيار الجميّل مؤسس ورئيس حزب الكتائب اللبنانية وأخ أمين الجميّل.
تلقى دروسه الجامعية بكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف، ونال في عام 1971 شهادتين في الحقوق والعلوم السياسية.
وفي عام 1972 سافر إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته، إلا إنه قطعها وعاد في سبتمبر من العام نفسه، وفتح مكتبًا للمحاماة؛ إلا إنه أقفل المكتب مع بداية الحرب الأهلية وتفرغ للعمل العسكري.
وتدرج في حزب الكتائب حتى أصبح قائده العسكري، ومن ثم أسس القوات اللبنانية وتولى قيادتها والتي كانت طرف أساسي في الحرب الأهلية اللبنانية.
دوره في الحرب اﻷهلية اللبنانية
في عام 1975 وفي بداية الحرب الأهلية اتهم بأنه المسؤول عن حادثة عين الرمانة.
وفي عام 1976 وبعد وفاة وليم حاوي تولى القيادة العسكرية لمليشيات الحزب، في نفس العام كوّن تحالف للميليشيات المسيحية المسلحة سميّ بالقوات اللبنانية وهي الذراع العسكري للجبهة اللبنانية وهو تحالف الأحزاب المسيحية اليمينية آنذاك وهي حزب الكتائب وتيار المردة وحزب الوطنيين الأحرار وحراس الأرز والتنظيم، وعلى الرغم من ذلك فكانت القوات تتألف في أغلبيتها من مقاتلين من الكتائب.
وبعد دخول القوات السورية في عام 1976 بطلب من رئيس الجمهورية ورئيس قوات المردة سليمان فرنجيّة. قامت القوات السورية بمحاصرة وقصف مخيم تل الزعتر بمعاونة من الميليشيات المسيحية.
وفي 7 يونيو 1978 وعلى إثر مقتل العضو في الكتائب “جود البايع” على يد قوات المردة، قام بإرسال قواته لمدينة إهدن لاختطاف قائد ميليشيات المردة طوني فرنجيّة ابن الرئيس سليمان فرنجيّة وذلك لإجباره على تسليم المسؤولين عن مقتل العضو الكتائبي، إلا أن العملية انتهت بمقتل طوني وعائلته والمقاتلين التابعين له، وهي الواقعة التي سميت فيما بعد بمجزرة إهدن، وقد أنهى الرئيس سليمان فرنجيّة ارتباط المردة بالجبهة اللبنانية بعد مقتل ابنه.
وفي ما بين يوليو وأكتوبر من عام 1978 قام الجيش السوري بمحاصرة بيروت الشرقية معقل القوات اللبنانية فيما سمي بحرب المئة يوم، وحدث خلال تلك الفترة قصف شديد لبيروت الشرقية ومنطقة الأشرفية، ولم تنته الاشتباكات إلا بعد وساطة عربية أدت إلى وقف إطلاق النار، وخرج من تلك الحرب وهو يعتبر نفسه منتصر.
وفي عام 1980 أرسل قواته إلى الصفرة لقتال قائد ميليشيا نمور الأحرار الجناح العسكري لحزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، وتم القضاء تمامًا على ميليشيا النمور فيما عرف باسم مجزرة الصفرا، وقد نجا داني وذهب ليعيش في بيروت الغربية التي كانت ذات أغلبية مسلمة، بينما أصبح هو بعد ذلك المسيطر الأوحد على القوات اللبنانية.
وفي عام 1981 تصادمت سوريا مع القوات اللبنانية التي يقودها مرة أخرى بعد سيطرتها على مدينة زحلة، في تلك المعركة.