تحتفل الأمة الإسلامية بعيد الأضحى، ويذبح المسلمون الأضاحي، وهي إحدى الشعائر الإسلامية، التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل بتقديم ذبح من الأنعام بدءًا من أول أيام عيد الأضحى حتى آخر أيام التشريق «رابع أيام العيد».

ويهاجم البعض ذبح الأضاحي، وظهرت دعوات ببريطانيا سنة 1829م ورفضها اليهود والمسلمون، معللين ذلك بأنه يتعارض مع الرحمة بالحيوان، «صدى البلد» استطلع آراء العلماء في حكم ذبح الحيوان وحكمة مشروعية الأضحية.

أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، أنه لا تعارض بين الرحمة بالحيوان، والامتثال لأمر الله بذبح الأضحية للانتفاع الذي أذن الله به، ولتحقيق وظيفة هذا الحيوان في الكون التي خلقها الله من أجله، وهي أن يأكله الإنسان ليحدث التوازن البيئي الكوني.

وقال «جمعة»، في فتوى له، إن الذبح لا يكون إلا لله والأضحية لا تكون إلا لله، والنذر بها لا يكون إلا لله، فهو حده الذي يستحق العبادة، والأضحية توزع في الفقراء، وتوزع في المساكين لوجه الله، ويوهب ثوابها لفلان وعلان إنما هي لوجه الله.

لا يتعارض مع الرحمة

وأضاف: "البعض يظن أن الذبح للحيوان يتعارض مع الرفق والرحمة به، فهل الإسلام أمر بالرفق بالحيوان في نصوصه الشرعية؟ وهل نفذ المسلمون ذلك في حضارتهم؟"، مشيرًا إلى أن الإسلام اهتم بالحيوان وأكد ضرورة التعامل معه بالرأفة والرحمة، فهو مسخر للبشر، وغير قادر على التعبير عن احتياجاته وآلامه ولذلك كان الاهتمام به أكبر".

ولفت المفتي السابق، إلى أن المسلمين حولوا الرحمة بالحيوان في حضارتهم إلى واقع معيش فأنشأوا مساقي الكلاب؛ وفي العصر المملوكي، وبالتحديد في تكية محمد بك أبو الذهب بنيت صوامع للغلال لتأكل منها الطير، وأنشأوا مبرات للبيطرة وصيروها علما لتخفيف الألم عن الحيوان.

الإسلام أمر بالرحمة

ونبه عضو هيئة كبار العلماء، أن "الإسلام أحاط الحيوان بالرأفة والرحمة، فكيف يمكننا الجمع بين الرحمة والرأفة بالحيوان، وبين الأمر بذبحه تقربا إلى الله سبحانه وتعالى؟"، مؤكدًا أن هناك اتفاقًا بين البشر على منفعة أكل لحوم الحيوانات مأكولة اللحم [الجمال-البقر-الماشية-الأرانب] أو الطيور [الدجاج-الأوز-البط-الحمام]، ولا يعقل أن يأكل الناس هذه الحيوانات والطيور وهي حية فلابد من قتلها.

وتابع: "إذن فإن عقلاء البشر يتفقون على ضرورة قتل الحيوان للاستفادة من منفعته التي خلقها الله، وجاء الإسلام يإذن للبشر في ذلك، إلا أنه حدد وسيلة ذلك القتل إلا وهو الذبح، وغير المسلمين من أصحاب الدعوات الحديثة يرون أن قتل الحيوان بالذبح تعذيب له، ويرون أنه من الرحمة قتله بالصعق الكهربائي، أو الضرب على رأسه".

ظهور دعوات الرفق بالحيوان

وذكر أن هذه الدعوة الحديثة جاءت عبر جمعيات الرفق بالحيوان، التي أنشئت أول ما أنشئت ببريطانيا سنة 1829م، ورفضها اليهود في إنجلترا وغيرها من البلاد، إلا أن وسائل الإعلام لا تذكر ذلك كثيرا، وتحاول أن توهم الناس بأنه لا يعارض هذه الدعوة غير المسلمين، ربما لتأكيد النظرة المعادية للإسلام التي تتهمه بالعنف والإرهاب!

الإعلام الغربي

واستطرد: "وفي بداية أبريل سنة 2004، ذكرت «بي بي سي» أن تقرير مجلس رعاية الحيوان أثار غضب الجالية اليهودية في بريطانيا، وذكرت أن هناك منظمة تدعى سيخيتا بريطانيا لزيادة الوعي «بالطريقة اليهودية الدينية الإنسانية لإعداد الماشية للطعام» التي تسمى "طريقة السيخيتا". وقال هنري جرونوولد -الذي يرأس منظمة سيخيتا ومجلس نواب اليهود البريطانيين- إن الحكومة لم تنشر أدلة تثبت أن الحيوانات تتعذب بالذبح بهذه الطريقة، وقال: "بالعمل البناء مع الحكومة، سنوضح أن طريقة السيخيتا رحيمة تماما ولا يمكن العدول عنها".

الاتفاق بين الأديان على الذبح

واستكمل: "إذن يتفق المسلمون مع اليهود في عدم جواز قتل الحيوان لأكله إلا عن طريق الذبح، فينبغي أن يكون الإنكار على من يقر الذبح يشمل اليهود كذلك، والعجيب أنهم يصعقون الحيوان بالكهرباء، ويصوبونه بالطلق الناري، ويضربونه بالآلات الحديدية على أم رأسه حتى يخر ميتًا، بل وتسلخ جلود الحيوانات وهي لم تمت، ويزعمون أن في كل ذلك رحمة بالحيوان".

وأجاب عن سؤال البعض: هل هناك فرق من الناحية الصحية بين القضاء على الحيوان بالذبح أو بأي طريقة أخرى؟ أنه مع اعتقادنا أن الذبح هو الوسيلة الشرعية للقضاء على الحيوان لأكله، وذلك لما ورد من الآيات القرآنية واتفق عليه علماء الإسلام، وإنما نذكر نتائج الأبحاث الطبية والأدلة العلمية ليزداد الإيمان واليقين، وييأس غير المسلمين من محاولة صدنا عن الالتزام بشريعتنا.

وبيّن أن ذبح الحيوان يسمى في الفقه الإسلامي "الذكاة الشرعية"، ويعرفها الفقهاء بأنها هي عبارة عن قطع مخصوص [ما بين اللبة وهي أسفل العنق واللحية وهي شعر الذقن] لحيوان مباح الأكل بنية القصد لله وذكره عليه، وقال: "ولذلك فالمسلمون يرون أن أي حيوان يموت أو يقتل بغير الذبح هو ميتة يحرم أكلها، وقد ذكر القرآن أشكال من قتل الحيوان بغير ذبح كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع".

آراء الأطباء

وألمح إلى أن الأطباء يستنبطون العلاقة بين المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة باعتبارهم أشكال للحيوان الميت الذي يحرم أكله، فيرون أن القاسم المشترك الذي يجمع بين هو أن الدم بقي في جسمها.

وعرض قول الدكتور جون هونوفر لارسن، أستاذ قسم البكتيريا في مستشفي غيس هوسبيتال – المستشفى الرسمي – أكبر مستشفيات كوبنهاجن-: «الميتة مستودع للجراثيم، ومستودع للأمراض الفتاكة، والقوانين في أوروبا تحرم أكل الميتة. كما يقول: إن قوانيننا الآن تحرم أكل لحم الحيوان إذا مات مختنقًا، حيث اكتشفنا مؤخرًا أن هناك علاقة بين الأمراض التي يحملها الحيوان الذي يموت مختنقًا وبين صحة الإنسان، حيث يعمل جدار الأمعاء الغليظة للحيوان كحاجز يمنع انتقال الجراثيم من الأمعاء الغليظة – حيث توجد الفضلات – إلى جسم الحيوان وإلى دمه طالما كان الحيوان على قيد الحياة، ومعلوم أن الأمعاء الغليظة مستودع كبير للجراثيم الضارة بالإنسان، والجدار الداخلي لهذه الأمعاء يحول دون انتقال هذه الجراثيم إلى جسم الحيوان، كما أن في دماء الحيوان جدارًا آخر يحول دون انتقال الجراثيم من دم الحيوان، فإذا حدث للحيوان خنق فانه يموت موتًا بطيئًا».

واستخلص من ذلك أن في تحريم الدم حماية للإنسان، فتتجلى رحمة ربنا عند قراءة قوله: «إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، وقال الشوكاني: «اتفق العلماء على إن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به».

تعريف الدم

ونوه بأن الدم علميًا هو هذا السائل الأحمر القاني الذي يتكون من أخلاط عديدة منها الخلايا الحمراء الممتلئة بمادة الهيموجلوبين التي تقوم بنقل الأكسجين إلى مختلف خلايا الجسم‏‏، والخلايا البيضاء التي تدافع عن الجسم ضد غزو حاملات الأمراض من الجراثيم والطفيليات، والصفائح التي تتحطم حول نزيف الدم من أجل تجلطه.

وشدد على أن الدم يحمل سمومًا وفضلات كثيرة ومركبات ضارة، وذلك لأن إحدى وظائفه المهمة هي نقل نواتج استقلاب الغذاء في الخلايا من فضلات وسموم ليطرحه خارج الجسم عبر منافذها التي هيأها الله لهذا الغرض، وأهم هذه المواد هي: البولة وحمض البول والكرياتنين وغاز الفحم كما يحمل الدم بعض السموم التي ينقلها من الأمعاء إلى الكبد ليصار إلى تعديلها.

الشريعة تؤثر في الروح والقلب معًا

وقال: "إن الأحكام الشرعية تؤثر في الروح وفي القلب، وليس هناك انفصال بين دائرة الاعتقاد ودائرة الامتثال، فالاعتقاد هو الأساس، وهو ما وقر في القلب، ولكن لابد أن يصدقه العمل وهو الامتثال، وتأملت في تحريم الله علينا الدم والميتة ولحم الخنزير، فوجدت أن تلك الأحكام أنشأت نفسية للمسلم يجعلها هي أبجديته التي يتعامل بها في حياته في جميع مناحيها السياسية، والاقتصادية، والحضارية، والفكرية، والاجتماعية، وغيرها، وظهر هذا في تاريخ المسلمين في كل بلادهم شرقا وغربا".

دم الميتة

ورد المفتي السابق، على سؤال يثير الفكر ويدعو إلى التأمل هو ما الرابطة بين تحريم الدم والميتة واعتبار تسبيح الكون وسجوده، بين عمارة الدنيا وبين استباحة الدم والميتة وبين خراب الدنيا، قائلًا: "إن تحريم الدم المسفوح ليس من أجل أنه يسبب ضررًا من ناحية الطب بقدر ما أنه يسبب ضررًا من ناحية الأخلاق، والتجرؤ على شكل الدم، وعلى رفع الحاجز النفسي بين الإنسان وبين سفك دماء البشر، وتحريم الخنزير كذلك، فإنه الحيوان الوحيد -كما يقال- الذي لا يغار على أنثاه، وهو أيضا تعود على أكل القاذورات بشكل أساسي".

وحذر من أن بعضهم يحاول -وقد يكون صادقا، وقد يكون غير دقيق- أن يربط بين التحريم وبين الضرر الجسدي، وأن يبحث في حكمة التحريم بالمسائل الطبية، إلا أن التحريم لا يقتصر على هذا الجانب، بل إنه يبني نفسًا، ويعمق شعورًا لدى الإنسان يساعده في نشاطه الاجتماعي، وفي عمارته للدنيا، ولذلك لا يقبل المسلم حلولًا لأزماته الكمية بتحليل الحرام، فقد يقترح بعضهم إذا ما وقع مجتمع ما في أزمة لحوم، أن يربي ذلك المجتمع الخنزير وأن يأكله، فالخنزير كثير التناسل، ونفقته قليلة، ويمكن أن يحل المشكلة بطريقة كمية، ولكن (سلطان الكم) ليس هو كل شيء في هذه الحياة.

وألمح إلى أنه كتب في هذا المعنى رينيه جينو (عبد الواحد يحيى رحمه الله تعالى) كتابه الماتع (سلطان الكم وعلامات الزمان) وهو في نسخته الإنجليزية (The Reign of Quantity & the Signs of the Times) وفيه يبين أن من سمات عصرنا سيطرة الكم على معيار التقويم، فأصبح الكم هو المسيطر على السوق وعلى الاستهلاك.

حكم الأضحية

قال الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن الأضحية سُنَّة مؤكدة للقادر عليها، وليست واجبة، مستشهدًا على ذلك بأحاديث عدة منها:- «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عمن لم يضحِّ من أمته، كما في حديث جابر رضي الله عنه"، وحديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئًا»، موضحًا: فقوله: (وأراد) ظاهر الدلالة في عدم الوجوب.

وأشار المفكر الإسلامي، إلى أن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- «كانا لا يضحيان كراهية أن يُقتدى بهما»، منوهًا بأنهما كانا يضحيان ولكن بصفة غير دائمة حتى لا يظن المسلمون أنها واجبة، وفى قول أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: «إني لأدع الأضحى وإني لموسر؛ مخافة أن يرى جيراني أنه حتم عليَّ».

لماذا نضحي؟

وبيّن أن هناك حِكمًا كثيرة لمشروعية الأضحية منها: التقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، وإراقة الدم، مضيفًا أن من حِكم مشروعية الأضحية: "التربية على العبودية، وإعلان التوحيد، وذكر اسم الله عز وجل عند ذبحها، إطعام الفقراء والمحتاجين بالصدقة عليهم، والتوسعة على النفس والعيال بأكل اللحم الذي هو أعظم غذاء للبدن وشكر نعمة الله على الإنسان بالمال.

سنة عن سيدنا إبراهيم

أوضح الشيخ أحمد ممدوح، مدير إدارة الأبحاث الشرعية وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الأضحية هي إراقة الدم لبهيمة الأنعام "البقر والجمل والغنم"، تقربًا إلى الله عز وجل وسميت أضحية، لأنها تذبح في وقت الضحى أو بعد صلاة العيد، وقيل إنها سميت أضحية لأنك تضحي بالمال من أجل التقرب لله عز وجل.

وقال ممدوح إن الحكمة الأُضْحِيَّة شرعت لِحِكَم كثيرة منها: أولًا: شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة، فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمٍ كثيرةٍ لا تُعَدُ ولا تُحصى، كنعمة البقاء من عام لعام آخر، ونعمة الإيمان، ونعمة السمع والبصر والمال؛ فهذه النعم وغيرها تستوجب الشكر للمُنعم سبحانه وتعالى، والأُضْحِيَّة صورةٌ من صور الشكر لله سبحانه وتعالى، حيث يتقرب العبد فيها إلى ربه بإراقة دم الأُضْحِيَّة؛ امتثالا لأمره سبحانه وتعالى، حيث قال جلَّ جلاله: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» [الكوثر: 1-3].

وأضاف: "إحياء سنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كان ذلك كله هو سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته عز وجل على هوى النفس وشهوتها".

واستطرد: "التوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء، والتصدق على الفقراء. وقد مضت السنة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم في التوسعة على الأهل وإكرام الجيران والتصدق على الفقراء يوم الأضحى. عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ)). فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ - وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم عَذَرَهُ - وَعِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم، فَلاَ أَدْرِى بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لاَ ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ - يَعْنِى فَذَبَحَهُمَا - ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا)) أخرجه البخاري في صحيحه".