في مثل هذا اليوم من عيد الأضحى عام 2006، أعدم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين صباح 30 ديسمبر، الذي صادف حينها أول أيام عيد الأضحى المبارك.

وتم إعدام صدام حسين شنقا فجر يوم عيد الأضحى عن عمر ناهز 69 عاما، وجرى ذلك بعد أن سلمه حرسه الأمريكي للحكومة العراقية لتلافي جدل قانوني في أمريكا التي اعتبرته أسير حرب.

استعجلت السلطات آنذاك بتنفيذ الحكم ما أثار استغراب الأوساط العربية بمختلف اتجاهاتها، ورأوا في إعدامه فجر عيد الأضحى، عملا يتنافى مع كل الشرائع والأديان.

منذ تلك اللحظة التي عرضت فيها كل شاشات العالم لحظات الإعدام والتي سبقت أضحية العيد، اقترن يوم عيد الأضحى بذكرى إعدام رئيس عربي، اختلفت حوله الآراء وتضاربت المواقف بين ناقد ومناصر وغريم.

حيث رأى فيه البعض دكتاتورا جلادا ورأى فيه البعض الآخر زعيما حافظ على وحدة العراق وكان رمزا لنظام وطني لم يساوم فيه على وحدة العراق واستقلالية قراره وسيادته.

وقد سرد مستشار الأمن القومي العراقي السابق موفق الربيعي في حوار أجري معه قبل أعوام شهادته مع حادثة إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وقال إنه ظل متماسكا حتى النهاية, ولم يعرب عن أي ندم.

يقول الربيعي: «تسلمته عند الباب. لم يدخل معنا أي أجنبي أو أي أمريكي, كان يرتدي سترة وقميصا أبيض, طبيعي غير مرتبك, ولم أرَ علامات الخوف عنده. طبعا بعض الناس يريدونني أن أقول إنه انهار, أو كان تحت تخدير الأدوية, لكن هذه الحقائق للتاريخ. مجرم صحيح, قاتل صحيح, سفاح صحيح, لكنه كان متماسكا حتى النهاية».

ويضيف: «لم أسمع منه أي ندم. لم أسمع منه أي طلب للمغفرة من الله عز وجل, أو أن يطلب العفو. لم أسمع منه أي صلاة أو دعاء. الإنسان المقدم على الموت يقول عادة: يا ربي اغفر لي ذنوبي، أنا قادم إليك. أما هو, فلم يقل أيا من ذلك».

وأعدم صدام حسين الذي حكم العراق لأكثر من عقدين بيد من حديد، قبل أن تطيح به قوات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة اجتاحت البلاد في عام 2003 صباح يوم 30 ديسمبر 2006، في مقر الشعبة الخامسة بدائرة الاستخبارات العسكرية صباح يوم عيد الأضحى, بعدما أدين بتهمة قتل 148 شيعيا من بلدة الدجيل.

وقبضت القوات الأمريكية على صدام حسين المولود في عام 1937 وصاحب التاريخ الحافل بالحروب والعداوات, في 13 ديسمبر 2003 داخل حفرة في مزرعة قرب ناحية الدور في محافظة صلاح الدين.

وكان صدام بنظراته الحادة وشواربه الكثيفة, الرجل القوي في العراق منذ تسلم حزب البعث السلطة في 17 يوليو (تموز) 1968، لكنه تولى رسميا قيادة البلاد في الـ16 من يوليو 1979.

وينظر بعض العراقيين السنّة خصوصا إلى صدام على أنه قائد لا يتكرر، بحيث كانوا يطلقون عليه لقب «القائد الضرورة», وهي صفة تبناها بعض العرب الذين رأوا فيه «بطلا» لخوضه حروبا مع الولايات المتحدة وإيران وقصفه إسرائيل, وللجرأة التي بدا عليها في التسجيلات المصورة المسربة يوم إعدامه.

ويقول الربيعي «عندما جئت به كان مكتوف اليدين وكان يحمل قرآنا. أخذته إلى غرفة القاضي حيث قرأ عليه لائحة الاتهام بينما هو كان يردد: الموت لأمريكا, الموت لإسرائيل, عاشت فلسطين, الموت للفرس المجوس».

ويتابع: «قدته إلى غرفة الإعدام, فوقف ونظر إلى المشنقة, ثم نظر لي نظرة فاحصة, وقال لي: دكتور, هذا للرجال. فتحت يده وشددتها من الخلف, فقال: أخ, فأرخيناها له, ثم أعطاني القرآن. قلت له: ماذا أفعل به؟ فرد: أعطه لابنتي, فقلت له: أين أراها؟ أعطه للقاضي, فأعطاه له».

وحصل خطأ أثناء عملية الإعدام، إذ إن رجلَيْ صدام كانتا مربوطتين ببعضهما, وكان عليه صعود سلالم للوصول إلى موقع الإعدام, فاضطر الربيعي, بحسب ما يقول, وآخرون، إلى جره فوق السلالم.

وقبيل إعدام صدام الذي رفض وضع غطاء للوجه, تعالت في القاعة هتافات، بينها «عاش الإمام محمد باقر الصدر»، الذي قُتل في عهد صدام, و«مقتدى, مقتدى», الزعيم الشيعي البارز حاليا, ليرد الرئيس السابق بالقول: «هل هذه الرجولة؟». وكانت آخر كلمات قالها صدام «أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا», وقبل أن يكمل الشهادة, أعدم بعد محاولة أولى فاشلة قام بها الربيعي نفسه, الذي نزل بعد ذلك إلى الحفرة مع آخرين «ووضعناه في كيس أبيض, ثم وضعناه على حمالة وأبقيناه في الغرفة لبضعة دقائق».

ونقل جثمان صدام في مروحية أمريكية من ساحة السجن في الكاظمية إلى مقر رئيس الوزراء نوري المالكي في المنطقة الخضراء المحصنة.

ويقول الربيعي: «مع الأسف، الطائرة كانت مزدحمة بالإخوة, فلم يبق مكان للحمالة, لذا وضعناها على الأرض، بينما جلس الإخوة على المقاعد لكن الحمالة كانت طويلة, لذا لم تسد الأبواب، أتذكر بشكل واضح أن قرص الشمس كان قد بدا يظهر», مشددا على أن عملية الإعدام جرت قبل الشروق, أي قبل حلول العيد. وفي منزل المالكي «شد رئيس الوزراء على أيدينا، وقال: بارك الله فيكم.

وقلت له: تفضل انظر إليه, فكشف وجهه، ورأى صدام حسين», بحسب ما قال مستشار الأمن القومي السابق المقرب من رئيس الوزراء الذي يحكم البلاد منذ عام 2006. وعن مشاركته في عملية الإعدام, يقول الربيعي الذي سجن ثلاث مرات في عهد صدام: «لم أشعر بمثل ذلك الإحساس الغريب جدا.

هو ارتكب جرائم لا تُعد ولا تُحصى، ويستحق ألف مرة أن يُعدم, ويحيا, ويُعدم, ولكن الإحساس, ذلك الإحساس إحساس غريب مليء بكل مشاعر الموت». ويوضح: «هذا ليس بشخص عادي. لقد تسبب خلال حكمه للعراق بحروب كثيرة, واستخدم الكيميائي ضد شعبه, وفقدنا مئات الآلاف في المقابر الجماعية, والآلاف في الإعدامات، لذلك كنت أعرف أنه حدث تاريخي».

وتحدث الربيعي عن مجموعة ضغوط تعرضت لها السلطات العراقية قبيل إعدام صدام, منها قانونية, ومنها سياسية من قبل زعماء عرب.

وذكر أن مسار إعدام صدام انطلق بعد أحد المؤتمرات المتلفزة بين المالكي والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش, الذي سأل المالكي, بحسب الربيعي, خلال اللقاء: «ماذا تفعلون مع هذا المجرم؟», ليرد عليه المالكي بالقول: «نعدمه». فيرفع بوش إبهامه له, موافقا.