“لا يقطع المسافرون داخل مصر مسافات طويلة دون أن يصادفوا فى طريقهم منازل تغطى جدرانها برسوماتها بسيطة غاية فى الإبداع، وتزينها خطوط لكتابات عربية غالية فى الإتقان، هذه هى منازل الحجاج أو مساكن الأتقياء من المسلمين الذين سافروا إلى مكة المكرمة، الأعداد الكبيرة من هذه الدور تزين سنويا بالصور المرسومة احتفاء بعودة الحجاج، وهذه اللوحات لا تعد من قبيل التذكير بالرحلة المقدسة فقط، بل تعكس نماذج ملونة من فن الرسم الشعبى الحديث الأكثر شهرة فى عموم محافظات مصر كلها”.
هذه كلمات أفون نيل المتخصص فى الفنون الشعبية العالمية محرر كتاب “رسومات الحج: فن التعبير الشعبى المصرى عن الرحلة المقدسة” ، من تصوير آن باركر صاحبة فكرة مشروع الكتاب ، وترجمة حسن عبدربه المصرى ، الصادر عن المركز القومى للترجمة .
يضم الكتاب 150 صورة لمجموعة من هذه الرسومات التى قال عنها الكتاب إنها تعكس الإخلاص الدينى الذين رسمت من أجلهم، كما توضح موهبة الفنانيين الفطريين الذين رسموها، من سوء الحظ أن هذه ” الزهور المبعثرة فى صحراء مصر ” دون أن تتوافر لها عوامل الحماية ضد أشعة الشمس والرياح و الأمطار ، تعانى من تحلل ألوانها وضياع معالمها ، و لا أحد يهتم بأنها غير قابلة للإصلاح أو الاستنساخ .
لذا وضع نيل وباركر الكتاب الذى يعد الدراسة الوحيدة و الموسعة عن فن الرسومات الشعبية على جدران البيوت الذى يجسد احتفال المصريين الخاص بالحج ، ليساعد فى توثيق هذا الفن وحمايته من الاندثار ، و هو الأمر الذى لم يفكر فيه الكثير ممن يحيون فى هذا البلد .
بينما ارتحل المستشرقان أفون نيل و المصورة آن باركر ، عبر الكثير من المدن و القرى المصرية على امتداد نهر النيل وعبر أراضى الدلتا وعلى ساحل البحر الأحمر وداخل صحراء سيناء ، من أجل أن يوثقا ” رسومات الحج ” تلك الجداريات التى تحكى تجربة الحج الروحية كما صورها الرسامون الشعبيون بلغة فنية بسيطة تنبض بالحياة .. هذا المشروع الذى استغرق من باركر وزوجها نيل عشر سنوات ليخرج إلى النور .
مغامرة باركر
عبرت المصورة آن باركر التى التقطت صوراً فوتوغرافية متميزة لرسومات الحج على جدران بيوت المصريين عن مدى افتتانها برسومات الحج الذى أبدعها الفنان الشعبى المصرى ، مؤكدة أن هذه الرسومات أدهشتها للمرة الأولى التى لمحتها فيها بعينها من نافذة القطار عام 1985 أثناء سفرها من القاهرة لأسوان .
وتقول باركر : لقد بُهت بمرأى هذا الجمال البسيط المفعم بالحياة، والذى يتحدى الزمن فوق حائط بيت من بيوت قرى الريف المصرى النائية. وبعدما تعرفت على القوة الدافعة التى تقف وراء هذه الرسومات، لم أقدر على مقاومة نداء تعريف العالم الخارجى بها. لقد اقتنعت بأنها فن تقليدى شعبى له تاريخ استثنائى.
وتتابع : عندما توسع البحث الذى أقوم به اكتشفت أن لدى كنزا من الصور ، وكلما عدت إلى مصر كنت ألاحظ عبر السنين تطور الفنانين مع كل موسم حج يمر عليهم ، و أثناء تجوالى عثرت على بقايا رسومات غاية فى الروعة ، جعلنى أندم أشد الندم أننى لم أبدأ بحثى هذا حول الفن الشعبى القابل للاندثار فى فترة مبكرة .
كما عبرت عن حزنها لوفاة أحد الفنانين التى كانت تتابع أعماله وهو فى مقتبل العمر ، معتبرة موته خسارة للفن الشعبى العالمى ، لبراعته فى رسم جداريات الحج المبهرة .
و تحدثت باركر عن مشاق الترحال عبر الريف المصرى والمعوقات التى قابلتها من الارتفاع الشديد للحرارة وذرات التراب والرمال التى تغطى كل شئ مما يتطلب حماية معدات التصوير ، ولكنها أكدت أن على الرغم من التجارب القاسية التى مروا بها ، كان هناك دوما التعويض المفرح ، قائلة : ليس هناك أكثر إثارة للأحاسيس من مشاهدة مجموعة من المنازل التى تزينها رسومات الحج بعد طول بحث .
وعن ضيافة المصريين للغرباء قالت أنها لا تقدر بثمن وتتلاشى بسببها مشاعر الإحباط والإرهاق التى كادت أن تعوق مسيرة العمل التى تقوم به .
وعبرت باركر عن حزنها العميق كلما غادرت مصر ، للعودة لمهمات التحرير الرتيبة ، بينما عملها على صور الحج المصرية لمشروع كتابها يعيدها لتجاربها الحية فى مصر ، هذه الرحلة البحثية التى تملؤها بالغبطة فى أرض مصر التى تثير فضولها ، مشيرة أن رسومات الحج العفوية لا تشكل فقط إضافة مهمة للفن الشعبى الدينى ، ولكنها تعبر أيضا عن فن تقليدى فى قمة ازدهاره .
وأشارت أن سعادتها تتمثل فى مغامرة حياتية متواصلة للتعرف على الكنوز الإنسانية ، منجذبة لموروثات الفن الشعبى وكيف خلد الفنان البدائى اللحظات الأعمق تأثيرا فى حياة البشر .

وقد التقت باركر أثناء رحلاتها بهؤلاء الرسامين الشعبين ، وقامت بعمل كشاف لأعمالهم لتعريف العالم بهؤلاء المبدعين الفطريين .
تطور رسومات الحج
عمد أفون نيل إلى شرح الرسومات التى ضمها الكتاب بأسلوب بسيط وبليغ دون أن ينسى الإشارة الى أسماء الفنانين الذين أبدعوها والذى خصص لهم الكتاب فصلاً من فصوله .
وأوضح نيل أن على الرغم من أن رسومات الحج فى منشئها تعد تقليدا ريفيا ، فقد انتقلت إلى حوائط بنايات المراكز والمدن الكبرى مع هجرة أبناء القرى إلى المناطق الحضارية ، لهذا يمكن بسهولة العثور على أحد هذه الرسومات فى مناطق سكنية متاخمة للقاهرة .
وعن تاريخ هذا الفن ، قال أن لا أحد يستطيع أن يجزم متى و لا من أين أتى هذا العرف لأول مرة ، ولكن من المؤكد أن أحدهم أعجبته الفكرة و عمل على تطويرها ومن ثم تحولت إلى فن شعبى مزدهر ، والبعض رأى أن هذا الفن قد حفز عليه الأتراك إبان وقوع مصر تحت حكم الأمبراطورية العثمانية ، بينما ترجح وجهة نظر اخرى أن تزيين بيوت مصر بالرسومات فن تمتد جذوره فى حلقات تاريخها الممتد لما قبل التاريخ .
وتسجل سجلات السفر خلال القرن التاسع عشر شيوع رسومات الحج فى هذا القرن ، و لكن ليسبنفس المستوى التى هى عليه اليوم ، وفى البداية كانت رسومات الحج تقتصر على نقوش بسيطة لا تتعدى اسم الحاج وتاريخ أدائه للفريضة ، و فى بعض الأحيان كان الرسام يضيف آيات قرآنية دون أى رسومات ، حتى تطور الأمر لوضع رسومات تشير لرحلة الحج المقدسة باعتبار أن الصور توفر المعلومات لمن لا يستطيع قراءة النقوش لإعلام العامة أن ” حاجا ” يسكن هذه البناية ، وتزايد الرسومات ساهم فى انتشارها ، ليصبح من المعتاد أن تجد واجهة بيت أو أكثر فى القرية تغطيها رسومات الحج .

وقد تطورت من رسومات بدائية للكعبة الشريفة ، لتبلغ مؤخرا مستوى مبهرا من الصور تعكس مفردات لجداريات شديدة الإتقان .
مبدعو الرسومات
أما عن مبدعو الرسومات ، فذكر نيل أن الرسم لدى أغلبهم حرفة إضافية لكسب المزيد من الدخل ، أما المعلمين الذى يزين الكثير منهم جدران البيوت فيعدونه تقليد مجتمعى يحظى باحترام كبير ، و يحتكر الرجال هذا الفن وكلهم مسلمين بطبيعة الحال ، منهم الموظف و المدرس وناظر المدرسة والموسيقى ضمن فرقة محلية وعامل بمصلحة التليفونات ورسام لواحد من المعمارين ، و تتراوح أعمارهم بين 25 عاما و 50 عاما ، قلة منهم من درسوا أصول الرسم .
أسبوعين إلى ثلاث أسابيع هو ما يستغرقه الرسامون فى العادة للانتهاء من جدارياتهم ، بعضهم يكرر نفسه ، و آخرين يطورون من أنفسهم مع كل عام لينتجوا جداريات غاية فى الإبداع ، غالبية فنانى رسومات الحج أتوا من خلفيات متواضعة بجانب صغر سنهم ، و بسبب محاولاتهم الفنية الدءوبة أصبحوا مشهورين فى مجتمعاتهم بقدرتهم على تجميل الجدران .
تكلفة رسومات الحج غالبا ما تتواءم مع الإمكانيات المادية التى تتوافر مع المتعاقدين مع الرسام ، و هى فى المتوسط تماثل قيمة استئجار بعض العمال للقيام بطلاء بيت بالكامل .
ويبدأون عملهم فى الصباح الباكر قبل أشعة الشمس الحامية ، ويجهزون سطح البيت لاستقبال أعمالهم من خلال طبقة رقيقة من الجص لتنعيم السطح ، ثم يتركونه ليجف ، بعضهم يرسم اللوحة فورا ، و اخرون يحددون الاطار الخارجى لأعمالهم ، و فى منتصف النهار يخلدون للراحة ، وبعد أن تخف حرارة الشمس يعاودون للعمل .
غالبيتهم يعمل بيديه ، و بعضهم يستعين بمساعدين “صبيان ” لتسوية أسطح الحائط ، وهم يفضلون العمل فى هدوء حتى لا يتشتت تركيزهم ، ويستخدمون الألوان المائية ، وبعضهم يفضل ألوان الزيت التى تبقى أطول .
وكيف يتناول الرسامون الموضوع الواحد كفكرة الأضحية أو وسائل النقل كالبواخر والطائرات أو الجمال والأحصنة، الأكثر من ذلك أن لكل منهم رؤيته الفردية لشكل الكعبة المشرفة .

ويقول نيل : علينا أن نعترف أن فن زخرفة الكتابة العربية والخيالات البدائية التى تغطى رسوماتها واجهات بيوت الحجاج تعد فى ذاتها تعبيرا عصريا عن الإيمان الدينى الذى ينفرد به المصريون .