بحلول الثامن من سبتمبر من كل عام تخلد دول العالم مجتمعة اليوم العالمي للأمية وسط دعوات متواصلة من الكفاح ضد واحدة من أكبر الآفات القائمة أمام التنمية،حيث يُمثل هذا العام الذكرى السنوية الخمسين لإعلان اليوم الدولي لمحو الأمية، وهو العام الذي تحتفل فيه اليونسكو بهذا اليوم تحت شعار "قراءة الماضي، صياغة المستقبل"منذ 1966

ويتميز اليوم الدولي لمحو الأمية هذا العام بالتركيز على الابتكار وهذا هو أول عام يبدأ فيه تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

وفي هذا السياق، تتماشى رؤية محو الأمية مع فرص التعلم مدى الحياة مع تركيز خاص على الشباب والكبار. ويُشكل محو الأمية جزءًا من الهدف 4 للتنمية المستدامة الذي يتمثل في "ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع".

والغاية تتمثل في ضمان أن يلمّ جميع الشباب، ونسبة كبيرة من الكبار، رجالًا ونساءً على حد سواء، بالقراءة والكتابة والحساب بحلول عام 2030 لتحقيق التنمية المستدامة.

كيف تستطيع مصر الاستفادة من تجارب العالم في القضاء علي الأمية، و ما نوع الأمية التي تسيطر على المصريين، هذا ما تجيب عنه السطور التالية:

"أمية متعددة"

قال طارق نور الدين، معاون وزير التريبة والتعليم الأسبق، إنه من المؤسف وصف مصر بأكبر دولة تسجل نسبة للأمية، لافتًا إلى أن الأمر ليس قاصرًا علي الأمية التعليمية بمعنى إجادة القراءة والكتابة، بل هناك أمية تكنولوجية وسياسية وأقتصادية ودينية وأخلاقية، لم تنجح الدولة في تخطيها من خلال الحملات الإعلامية المزيفة -بحسب وصفه- التي لا تمت بصلة للواقع المرير.

وأوضح "نور الدين" في تصريح خـاص لــ "صدى البلد"، أن الخطة الاستراتيجية 2014-2030 في عهد الدكتور محمود أبو النصر، وزير التربية والتعليم الأسبق، كانت ستقضي علي الأمية تمامًا في فترات وجيزة كما فعلت الدول الأوروبية والآسيوية في حال تطبيقها، مشيرًا إلى أن حركة التنقلات الوزارية وثقافة البدء من الصفر مع الوزراء الجدد أوقفت من سير الخطة.

وأضاف أن الخطة الاستراتيجية كانت تتضمن مشروع "محافظة خالية من الأمية"، وتبنت محافظة الأقصر كعينة عشوائية لقلة التعداد السكاني، وذلك خلال 6 شهور لتعميم الفكرة في حالة نجاحها علي المحافظات كلها وصولا لدولة خالية من الأمية، وذلك بالتكاتف مع الوزارات الأخري وعلي رأسهم وزارة التنمية المحلية، والإسكان نظرًا للإحصائيات الدقيقة التي تستند عليها ولكن توقف الخطة أفسد المشروع.

واستكمل "نورالدين" أيضا توقف مشروع" المدرسة الداعمة" ضمن خطة القضاء علي الأمية ولا سيما الأمية التكنولوجية أو"الكمبيوترية"، حيث تم تجهيز حوالي 278 مدرسة بأحدث الوسائل التكنولوجية، بواقع مدرسة لكل 10 مدارس، أي 2780 مدرسة علي مستوى المحافطات.

وأكد أنه يري مقترحات الوزارة بتعليم الطالب الجامعي 10 من الأميين، كشريطة لحصوله علي المؤهل الجامعي، طريقة تسلطية تقضي على الأمية بشكل مزيف.

وتابع أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أشار في زيارته العام الماضي لليابان إلى أن نجاح التجربة اليابانية في التعليم يعود إلي كتاب القيم والأخلاق والمواطنة، لافتا إلى أن هذا المنهج اقترحه وزير التعليم السابق محمود أبو النصر لتدريسه إجباريًا في المراحل الابتدائية، قبل زيارة السيسي لليابان وتم إلغاؤه ولم يري النور، موضحًا ضرورة تعليم الأخلاق والقيم والمواطنة قبل أي شيء.

"الأمية نفق مظلم"

وفي السياق ذاته،قال الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، إن نسبة الأمية في مصر البالغة الآن 29% بحسب الجهاز المركزي للإحصائيات، رغم تراجعها في الآونة الأخيرة، إلا أنها لا تليق بمكانة مصر بين العالم.

وأضاف مغيث، في تصريح خــاص لـ"صدى البلد"، أن النسبة الحقيقة تتعدى هذا الرقم في حالة توسيع دائرة الأمية، فستضم كثيرا من طلاب الدبلومات والمتسربين من التعليم والحالات التي انضمت لفصول محو الأمية ثم ارتدت عنها.

وأوضح أن مصر تعد من أكبر الدولة في الأمية بأنواعها وتعتبر كارثة بكل المقاييس، مشيرًا إلى أن الأمية لا تقتصر فقط على الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة، وإنما هناك أمية وظيفية لأشخاص غير مؤهلين وأميين بأساسيات العمل، وأمية ثقافية بالجهل بالموضوعات والخلفيات الثقافية للبلاد رغم الإجادة التامة للقراءة والكتابة، وأمية لعلماء يفتقرون المفاهيم الدينية وأصول الشريعة ويخرجوا علينا بفتاوى تكفر الناس، وكثير من الأمية التي يطال عنها الحديث.

وأشار إلى أن الطبقات المعدومة المصنفة تحت خط الفقر نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة تعد أكثر استعدادا لإنتاج أمية مرتفعة نتيجة بحثهم عن فرص عمل لمساعدة أسرهم الفقيرة، إضافة إلى أطفال الشوارع.

ولفت "مغيث" إلى أن الدول الأوروبية خالية من الأمية، وخير دليل على ذلك تجارب بعض الدول كالصين وكوبا وألبانيا ومنغوليا، استطاعت أن تقضي على الأمية بشكل نهائي في عامين.

وتابع أنه لا يرى أي مؤشرات أو استعدادات من الدولة للقضاء على الأمية في مصر، وبالتالي ستسجل نسبا مرتفعة، متسائلا: "إلى أين ستخرج مصر من نفق التعليم المظلم". في يوم محو الأمية "الحقونا بالتجربة الاوروبية".. قضت علي الجهل بنسبة 100%.. أتاحت الفصول الليلية بعد الانتهاء من العمل تحت إشراف جامعيين.

"تجارب العالم"

على مدار العصور الماضية، عانت مصر من نسبة أمية مرتفعة، ورغم ذلك لم نسمع عن حل جذرى تبنته الحكومات المتعاقبة، لاقتلاعها من جذور الجهل والأمية التى التصقت بها دائمًا، باستثناء حملات قومية تنطلق من حين لآخر، وتصرف ملايين الجنيهات من موازنة الدولة أو المنح الأجنبية، ومع ذلك الحصيلة تظل "صفر".

وفيما يلي استعراض لتجارب الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وفيتنام وبنجلاديش والهند واندونيسيا وباكستان والتيبت في محو الامية، لاسيما أن العالم يحتفل اليوم 8 سبتمبر باليوم العالمي لمحو الامية، الذي بدأ الاحتفال به لأول مرة في 1966.

1- "الولايات المتحدة الأمريكية"

ما بين عامي 1910-1935م كانت هناك حملة لمحو الأمية في جنوب الولايات المتحدة. واعتمدت الحملة بصورة أساسية على المتطوعين الذين كانوا يعملون في المدارس الليلية والصيفية وطواحين القطن وكان يطلق عليها "مدارس الفرص "وكانت هناك جهود مشابهة لمحو الأمية الوظيفية بين الراشدين الذين يعيشون في المناطق الريفية مثل حملة ألاباماAlabama لمحو الأمية بين عامي 1915-1935م، والجهود الحديثة لمحو الأمية الوظيفية في مقاطعات جاكسون وكلاي الريفية Clay & Jackson

ومن المنظمات التي تقوم بحملات محو الامية في الولايات المتحدة مجموعات محو الامية التابع لمكتب محو الامية والتعليم الاساسي للكبار التابع لوزارة التربية والتعليم بولاية بنسلفانيا، ويدعمه قانون بنسلفانيا لتعليم الكبار الصادر عام 1986م. وبنسلفانيا لمحو الامية شراكة مع مؤسسات التعليم العالي ويقوم بتقديم التعليم الاساسي ومحو الامية للكبار بهدف انخراط طلاب الجامعات في الجهود المحلية للتغلب على مشكلة الامية، خاصة وأن هناك 4 ملايين راشد في بنسلفانيا بحاجة الى تطوير مهاراتهم الاساسية.

ويلتحق هؤلاء الطلاب بمقرر بساعات معتمدة يعدهم للعمل مع الراشدين الذين يحتاجون الى مهارات اساسية ويرغبون في مواصلة الدراسة، والالتحاق في برامج محو امية الاسرة وتنمية مهارات الاستعداد للوظيفة والتحسن في الوظيفة. ويتم توزيع الطلاب مع الدارسين الراشدين. ويقوم شركاء من التعليم العالي ومحو الامية بالاشراف على الانشطة التعليمية.

وتتميز برامج محو الامية الناجحة بالتركيز على الحاجات المحلية، واشباع توقعات عملائها، والتعاون بين الوكالات، ودعم مزايا البرنامج بلغة واضحة، واشراك افراد الجماعات المحلية في التنمية والتطوير واعتبار تقويم برامج تعليم الكبار في الارياف اساسا في انجاح هذه البرامج. ومن العوامل التي تحد من نجاح برامج محو الامية عدم كفاية التمويل.

(2) روسيا

في القرن التاسع عشر، قام بطرس الأكبر بتقديم الحروف الروسية Cyrillic وفتح أولى المدارس الحكومية. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اتسع نظام مدارس الفلاحين وظهر التعليم عن بعد. إلا أن تلبية الطلب المتزايد على التعليم لم تكن ممكنة، لان حكومة القيصر وضعت قيودا على التنمية الثقافية.

وفي بداية القرن العشرين بدأت جهود مكافحة الأمية الحقيقية في روسيا. حيث بلغت نسبة المتعلمين عام 1919م 22% فقط. وبين عامي 1918-1920م، ازداد عدد المدارس الى 13.000 مدرسة التحق بها 2 مليون طالب، وظهرت الحاجة إلى محو الأمية المهنية. فأنشئت مدارس المصانع والورش مدتها أربع سنوات عام 1921م. وعام 1939م (أي بعد عشرين عاما)، ارتفعت نسبة المتعلمين في الاتحاد السوفياتي إلى 81.2%، ومنذ عام 1939م، تركزت جهود محو الأمية في المناطق الريفية، وكانت أعداد الناس من الجنسيات غير الروسية كبيرا جدا، وأصبح تعليم النساء أولوية كبرى بعد الثورة. وتلقى المتعلمون الجدد توجيهات تدور حول ماذا يقرأون وكيف يدونون الملاحظات، وفي عام 1959م (أي بعد 40 عاما) بلغت نسبة المتعلمين 99.3% بين الذكور، و97.3% بين الإناث بين سن 9-49 عاما.

ولقد قامت الحكومة الروسية بتنظيم جميع برامج تعليم الكبار وتمويلها. وكانت مجانية للدارسين الكبار. وتم تدريس الدارسين في الأوقات المناسبة لهم.

وشكل التعليم الرسمي وغير الرسمي في مجمله نظام تعليم الكبار. ودمجت برامج مدارس تعليم الكبار الرسمية مقررات تعليم الكبار في إطار التعليم الثانوي والمهني والتعليم العالي. وكانت مناهج التعليم المسائي والتعليم بالمراسلة والتعليم النهاري هي نفسها.

وكان لبرامج محوالامية وتعليم الكبار في روسيا أهداف متعددة مثل: محو الأمية، رفع مستوى المهارة المهنية والإغناء الثقافي والاستخدام البناء لوقت الفراغ.

ويمكن تلخيص عوامل نجاح روسيا في محو الأمية فيما يلي: رغبة الأميين الشديدة في الدراسة ـ،محو أمية الدارسين وتثقيفهم العام في آن واحد ، التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والجذرية حيث كانت الحملة على مستوى الدولة وتدريب المعلمين لتعليم القراءة والكتابة لجميع الجنسيات.

(3) الصين

تركزت حملات محو الأمية في الصين في المناطق الريفية. وكانت مشكلة محو الأمية في المناطق الريفية تقع ضمن إطار الإصلاح العام في الصين. فقد انخفضت نسبة الأمية من 80% عام 1949م إلى 20% عام 1988م. ولكن لا يزال هناك 230 مليون أمي من بينهم 72 مليون أمي تتراوح أعمارهم بين 15-40 عاما. ومن العوامل السلبية التي تعيق محو الامية في الصين أن الغالبية العظمى من الأميين من المحرومين، الذين يحتاجون إلى التعليم ويعيشون في مناطق نائية، وانخفاض الروح المعنوية للمربين القائمين بعملية التعليم، وعدم وجود مصادر كافية. لذا قامت الحكومة الصينية بوضع نظام متسلسل لتعليم الكبار.

ومن العوامل التي ساعدت في عملية محو الأمية في الصين: إدراك الفلاحين حقيقة أن الإنتاج يعتمد على العلم والتكنولوجيا، وأن التعليم يحسن ظروف المعيشة في الريف، وتعميم التعليم الابتدائي، ووجود نظام متكامل للتعليم في الريف. وفي عام 2000م، أعلنت الصين جهودها في تعميم 9 سنوات من التعليم الإلزامي ومحو أمية الكبار.

ومن الانماط المستخدمة في تعليم الكبار في الصبن: تعليم الكبار في وقت الفراغ مثل المدارس الليلية، ومجموعات تعليم القراءة، وتفريد التدريب، ومزيج من التعليم بنظام التفرغ الكلي والتفرغ الجزئي (أي الدراسة وقت الفراغ) والدراسة بنظام التفرغ الكلي. وتقوم الدولة بوضع الأهداف العامة للتعليم، وتقوم الحكومات المحلية بوضع سياساتها وطرائقها.

(4) كوريا الشمالية

تم محو أمية الكبار أولا ثم ركزت الجهود على رفع مستوى المعلومات العامة للعاملين إلى مستوى خريجي الجامعة. وانتهت المرحلة الأولى لمحو أمية الكبار عام 1949م، وذلك بإنشاء معاهد لحملات محو الأمية. وفي المرحلة الثانية بين 1949-1959م تم رفع عدد المدارس الابتدائية الشعبية في الورش والمصانع والمناطق السكنية. وهدفت هذه المدارس إلى الحيلولة دون عودة الدارسين إلى الأمية ثانية.

وبين عامي 1960م ومنصف السبعينات من القرن العشرين، ازدهرت المدارس المتوسطة للعاملين، وكان هدف المرحلة التالية هو عقلنة المجتمع بالكامل أي رفع المستوى الثقافي والفني للعاملين إلى مستوى خريجي الجامعة، وتم إنشاء الكليات الملحقة بالمصانع. وكان بإمكان العاملين الالتحاق بالدراسة دون الحاجة إلى الانقطاع عن الأنشطة الإنتاجية، كما أنشئت كليات المزارعين والصيادين، والتعليم الجامعي المسائي، والتعليم بالمراسلة.

(5) كوريا الجنوبية

شهدت كوريا الجنوبية تغيرا جذريا في معدلات الامية خلال الـ 60-70 عاما الماضية، حيث تجاوزت نسبة الامية في ثلاثينيات القرن العشرين 70%، أما الآن فهي أقل من 2%، وذلك عن طريق نظام القيم لدى الشعب الكوري. حيث ان التعليم يأتي في مقدمة اولويات الكثير من الكوريين عبر التاريخ.

ويسعى الناس الى تعليم ابنائهم حتى لو أدى ذلك الى نقص طعامهم. ويعتقدون أن مردود التعليم أعلى من مردود أي استثمار آخر في الاطفال. ونظرا للعلاقة القوية بين الآباء والاطفال، كان الآباء دائما على استعداد للتضحية بنفسهم من أجل تعليم ابنائهم، والعامل الثاني هو سهولة تعلم الابجدية الكورية. فهي لغة صوتية علمية تتكون من عشر حركات و14 صامتا وهذا يجعلها سهلة التعليم والتعلم، ثالثا: بعد تحرر كوريا من اليابان عام 1945م، أدى التوسع الكبير في التعليم الابتدائي الى تمكن جميع الصغار من القراءة.

اضافة الى ما تقدم، قامت الحكومة الكورية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بحملات لمحو الامية في طول البلاد وعرضها، وكانت تلك الحملات ناجحة. ففي عام 1990م، بلغت نسبة المتعلمين 99.1% بين الذكور و93.5% بين الاناث. وفي عام 1995م، بلغت نسبة المتعلمين من الذكور 99.3% ومن الاناث 96.7%، أي أن نسبة المتعلمين الذكور ارتفعت 0.2%، والاناث 3.2%. مما جعل الفجوة بين نسبة المتعلمين الذكور والاناث تقل.