حسن الشافعي : أسرني بأشعاره وعلمه منذ رأيته في الخمسينات

حسام عقل : مصر تصالح سعدا أخيرا .. ومجمع الخالدين يحتفي بقدومه

خالد فهمي : عروبته منفتحة .. وأوراقه لا تذبل أبدا

مصطفى أبوطاحون : رائد النقد الأصيل وصاحب السر مع القرآن

زينهم البدوي : تجاهل القامات موت للأمة

فيصل الحفيان : إنسانيته تسبق علمه وفتوحه اللغوية مبهرة

مبدعون ونقاد يشيدون بـ”نهر العطاء” وصاحب الصالون الرفيع

طال السري وخطاك ترتجف”

وأراك لا تلوي ولا تقف

يأيها المزجي مطيته

في حيث لا ماء ولا علف

أقصر فدونك قنة صعد

وانظر فتحتك هوة جرف

دنياك تشنأ كل عارفة

ولها بكل نقيصة شغف

جاورت في عميائها زمنا

قوما علي أصنامهم عكفوا

وبها تورك ـ غير مكترث

“الكارثان‏:‏ الجهل والصلف
أبيات قالها حكيم البلاغة وشيخها سعد مصلوح في قصيدته “خطوات على الأعراف” وكانت حلقة من نظمه الفريد الذي تنوع بالشعر والنقد والترجمة، صال وجال وأبدع بفهم البلاغة وتأصيل أسلوبها وممارسة فنونها حتى صار “كتاب العمر” فياضا كالنهر على كل من حوله
وقد احتفى ملتقى السرد العربي بالقاهرة أمس بعودة سعد مصلوح للقاهرة ، والذي لقبه أحد النقاد بـ”آخر أحفاد شوقي” بحضور شيوخ الأدب والبلاغة الذين جاءوا من كل حدب وصوب وأبرزهم رئيس مجمع اللغة العربية د. حسن الشافعي والخبير اللغوي البارز د. خالد فهمي والشاعر زينهم البدوي نائب رئيس الإذاعة المصرية، فيما أدار منسق اللقاء د. حسام عقل الاحتفالية والتي تكللت بتسليم درع ملتقى السرد العربي لسعد مصلوح .
أما كلمات مصلوح فجاءت قليلة أكد خلالها – فيما الدمع منه يسيل – أن ما قدمه إنتاج “محدود” بالإمكان والزمان ولكنه أحب اللغة العربية وتراثها وأخلص لهما طيلة حياته .
وأكد د. حسام عقل أن الاحتفالية تمثل مصالحة تاريخية تأخرت طويلا بين مجمع اللغة العربية وسعد مصلوح، وقد كتب مرارا عن تجاهل مجمع الخالدين للريادات، وتساءل عن الثمن الذي يتعين على مصلوح دفعه إزاء مواقفه المغايرة ! والتكريم واجب كي لا يجري مجددا ما شهدناه من مآس مع الدكتور عبدالرحمن بدوي مثلا حين عاد للقاهرة محمولا على نقالة فلم يجد بانتظاره أحد! وكذلك كان حال كثير من مبدعينا الذين فوتت أمتهم فرصتها لتكريمهم بحياتهم.
ويمتاز مصلوح بحسب الناقد الأكاديمي بكونه استطاع أقلمة أفكار النقد بالثقافة العربية بشكل أصيل وهذا ما جعله كتبه مرجعا لا غنى عنه للباحثين.
عرف د. سعد مصلوح بكونه أحد شيوخ البلاغة ورائد الدراسات الأسلوبية وأحد القلة بين العلماء اللغويين المختصين باللسانيات وصاحب الإسهام البارز في النقد المعاصر ، إضافة لكونه أحد الشعراء الكبار المفوهين وإن غابت عنه الأضواء لتواضعه من جهة، ولارتباطه بحقل الأبحاث المتخصصة
و”مصلوح” لا يهاب لومة لائم في آرائه، ومع ذلك فهو يخضع النقد الأدبي للقواعد العلمية ، ولا يدعي أن منهجه الأسلوبي هو الوحيد فيصادر على بقية الاقترابات. وقد كان يصر على أن البلاغة ابنة شرعية للغة والثقافة العربية وقد استفادت في عصر أجدادنا الأوائل من كافة العلوم . وظل مصلوح يرفض التشبث بالمناهج الغربية لفهم بلاغتنا العربية
ظل سعد مصلوح شاعرا ملهما رغم اهتماماته البحثية، ولا ينسى د. حسن الشافعي حينما استمع إليه للمرة الأولى عام 1951 بساحة السيدة زينب وهو يلقي أشعاره “شديدة الأسر” بصحبة الشيخ القرضاوي، وقد استطاع وزميلاه الحساني عبدالله وأبوهمام بدار العلوم أن يطوعوا القصيدة الكلاسيكية لاتجاهات التجديد ، كما يكفيه تتلمذه على يد العبقري د. إبراهيم أنيس
وقد تمنى الشيخ حسن الشافعي بأن يدون مصلوح سيرته الذاتية في كتاب ، فيما تمنى الحاضرون بالملتقى أن يكون بين يدي القراء ديوانه الكامل من عذب الأشعار .
ثمار العمر
حصل سعد مصلوح على الدكتوراة من موسكو عام 1975، وحاز الأستاذية بكلية دار العلوم 1992 وعمل أستاذا مشاركا بجامعة الملك عبدالعزيز وخبيرا بمعهد الخرطوم الدولي للغة العربية وأستاذا بكلية الآداب جامعة الكويت ، وحاز جوائز عربية عدة آخرها جائزة الشيخ زايد عن الترجمة وإن غاب عنه التكريم المصري اللائق كما غابت عنه عضوية مجمع اللغة العربية برغم إسهاماته البارزة والتي يهتم بها كل المشتغلين بالدرس البلاغي العربي.
يرى سعد مصلوح أن النحو العربي “لم ينضج ولم يحترق” وأننا نفتقد نظرة أسلافنا العميقة لفهم الصلات الشائكة بين المعارف .
وتساءل “عقل” هل يمكن أن يأتي لغوي معاصر يواصل مسيرة “ابن جني” بالقرن الرابع الهجري حين تراجعت الدولة سياسيا ولكن نخبتها حافظت على تماسكها!

أما عن سعد مصلوح “القامة” فهو يرفض أن يتورط بملاسنات ومصادرات حتى لو هاجمه البعض ومنهم د. صلاح فضل حين تربص بفكرة استخدام أداة الإحصاء بالدراسات الأسلوبية برغم أن ذلك له جذور بالتراث العربي .
تأصيل النقد عربيا
يؤكد د. خالد فهمي، الرئيس الأسبق لدار الكتب وأستاذ البلاغة والنقد، أن سعد مصلوح بذل عمره للإجابة على تساؤلات بالغة العمق بثقافتنا، وكان وراءه هم عقلنة المقولات النقدية وتأصيلها من التراث العربي وكان كتابه الأبرز في ذلك “النص الأدبي .. دراسة أسلوبية إحصائية” هوجم بسببه رغم أنه تذرع بمنهج الأقدمين ومنهم جلال السيوطي بقيمة استثمار الحساب بعلوم القرآن .
وسعد مصلوح هو الاسم الثاني من رواد الصوتيات العربية ومن نبع هذا العلم أنتج أعمالا هامة كـ “التصوير الطيفي للكلام” واعتبر أنه لا مكان لناقد غير لغوي ، فالنقد فرع اللغة وعلومها .

كانت أسفار سعد مصلوح للخرطوم وجدة والكويت تزيده تمسكا بقوميته العربية وهي عروبة لم ينسها وهو بعواصم الضباب بموسكو ولندن، وقد عرفها عروبة منفتحة متجددة وليست منغلقة على أيديولوجيا وشعارات، وكان يؤكد بأن كل المشترك بين الشعوب العربية يصنع أمة متماسكة لا تتوقف أمام فوارق ولا عقبات.
وختم بقول الشاعر خليفة بن مر : “إنا إذا حطمة حتت لنا ورقاً ... نكابد العيش حتى ينبت الورق”. قائلا أن أوراق مصلوح لا تبرح عن النبت الوفير .
التكريم المفقود
يتذكر الشاعر زينهم البدوي رئيس شعبة الفصحى باتحاد الكتاب، مقولة العقاد يوما حين رأى التكريم يذهب لغير مستحقيه وقد يطال المرء ببلدنا بعد رحيله عن الدنيا، فقال أن الحمد إن فات نابغ قوم فهو موت للحاضرين لا الذاهبين.
وقد خرج سعد مصلوح ليقود جيلا جديدا بمجال الأسلوبيات بعد أن ظن النقاد بموتها بعد الأخفش وسيبويه وابن جني .
ولكن حظ مصلوح أنه جاء بأمة تئد المواهب ولا تنميها، وهو يشبه حال الشاعر محمود غنيم حينما وجد بلاده تحتفي بمحمود شكوكو وتنكره !
وأنشد الشاعر أبياتا بحب مصلوح افتتحها بقوله : قلم توضأ ثم صلى ركعتين .. ماذا عساه يخط في الأفق اللجين!
سر مع القرآن!
يؤكد الناقد البارز د. مصطفى أبوطاحون أن سعد مصلوح أحد منارات علم الأسلوب في العالم العربي، وقد كان بحثه أصيلا من ناحية لا يعتمد على كثرة المنقولات، وضافيا وافيا لكل متخصص بالبلاغة، بخلاف كثير من كتب الأسلوبيات المعقدة شكلا والفارغة بالمضمون، وقد مالت دراساته للتطبيقية فكان ينظر لشوقي والبارودي والعقاد والرافعي، وكان أسلوب الأخير يشبهه كثيرا بجزالته وسلاسته وعمقه .
ولكن المبهر أيضا حين نتأمل نص مصلوح، النقدي أو الأدبي، أننا نجد استعارات بليغة من القرآن الكريم، وبغاية الإدهاش وتدل على صلة خاصة بينه وبين هذا الكتاب المعجز، فقد وعاه لغة بصدره وصارت مفرداته وتراكيبه مستمدة منه .
مصلوح .. دروس إنسانية
وجه المرب والأب لا يغيب أبدا عن سعد مصلوح، ويشهد تلامذته بأستاذيته الحانية، وبيته الذي لاذ به كل محب للبحث الأدبي واللغوي فكان عامرا بصنوف الكرم والعلم ، ومن هؤلاء الذين شهدوا للعلامة تلميذه د. محمد متولي، وقد تذكر كيف كان اسمه مرتبطا دائما بالعمالقة بكلية دار العلوم، وهو صاحب مصطلحين نصيين أصبحا متداولين اليوم بكثرة “السبك” و”الحبك”

المبهر أن تجده في صالونه الأدبي يستدعي الشعر العربي القديم بذهن حاضر وسرد ممتع في كل رد على مسألة تتعلق بالأدب والشعر والنقد، وكأنه بحر لا يفنى، وهو يقطر كلماته حتى ينهل منها الحاضرون .
وممن تحدثوا عن إنسانية سعد مصلوح، د. فيصل الحفيان مدير معهد المخطوطات العربية، والذي يستضيف العلامة سعد مصلوح الاثنين المقبل بمحاضرة عن اللغة العربية وسر تفوقها على اللغات الأخرى ، باستدلالات علمية جديدة لا تخضع لكونها لغة القرآن المقدس المعجز، وهو أمر لا ريب فيه، ولكنه لا يقنع غير المنتمين لهذا الدين من الأجناس الأخرى .

وقال “الحفيان” أن مصلوح مبهرا بتواضعه وإنسانيته بنفس إبهاره كعالم وشاعر، وهي معان نفتقدها اليوم، وثقافته مطعمة بين الأجنبية والعربية، وهو يمتاز بالأصالة في كل شيء يقوم به والتجرد التام عن المطالب .
ويتفق د. مصطفى عطية والذي زامل مصلوح بالكويت مع هذا الطرح، متذكرا عنايته به وكان لا يزال باحثا بالماجستير ، بمجرد أن أرسل يستشيره برسالته، وقد وفر عليه بكلماته جهد سنوات طويلة، وهي خصيصة تجمعه بزوجته د. إلهام المفتي ، فهما عطاء بلا حدود لكل المحيطين بهما .
و”مصلوح” بحسب الناقد صاحب السبق بفكرة خرائط السرد العربي الشفهية، ومنها استعان الكاتب بفكرة كتابه الجديد لخرائط السرد، وهو صاحب رصانة علمية لا يضاهيه فيها إلا الندرة .

ومن جانبه قرأ الشاعر د. بسيم عبدالعظيم أبياتا في حب سعد مصلوح الذي “تستهيم به الروح” وأكد على وفائه الكبير لوالده الشيخ عبدالعزيز مصلوح، وكان دائم الترديد لأبياته الشعرية الجزلة الحكيمة .
أما اللغوي والشاعر محمد حجاج فقد قرأ مقاطع من قصيدته “درة الدار” المهداة للشاعر ومنها : تلك النجاة لنا والموج يلحقنا

لكن لسعد سفين ذات غطاس

نشر الأعاريب للأنحاء قاطبة

وبات إعرابه غوثا لأجناس

وصال بالبحث في الموروث فارتفعت

مع الأصالة رايات بأفراس
وتذكرت الشاعرة وداد معروف الكرم والحفاوة والأبوة التي عاملها بها هذا العالم الكبير ، وقد شهدت صالونه الأدبي العامر وأصبح علامة فارقة بحياتها، وصارت تتبع كلماته وخطوه وترى فيه نبوغا حقيقيا . فيما اعتبرت الشاعرة نوال مهنى أن “مصلوح” من القيادات الكبرى للحركة الثقافية والإبداعية الأصيلة .
أما د. حسام جايل فقد هتف “سعد .. سعد .. يحيا سعد” وهو الشعار الذي رفعه المصريون قبل أقل من مائة عام ، وتحدث عن اللغة العربية النقية الرائقة التي امتاز بها سرد سعد مصلوح ، وعطائه العلمي والإنساني الكبير.
..
يتجاوز مصلوح عامه السبعين الآن، وقد كتب في ذلك قصيدة فريدة قال منها :
آنَسْتُ في الطُّورِ ناراً

وَسارِيَ البَرْقِ وَمْضا

وَناظِرُ القَلْبِ أَنْحى

مُحاذِراً أنْ يَغُضّا

أذِنْتُ حِينَ التنادي :

رَضَّاً وُقِيتَ وَرَمْضا

أَسْلِمْ ، وسالِمْ ، وَسَلِّمْ

واهْتِكْ حِجابَكَ أيْضا

فَيا قَديمَ عُهُودي

لا أنْقُضَنَّكِ عوْضا

ويا كُؤوسَ شُهودي

بُورِكْتِ مَحْضاً وَمَخْضا