140عاما مرت منذ أن توٌّج “السلطان المظلوم” على عرش الخلافة العثمانية، والذي تحل ذكرى تتويجه اليوم، لم يكن آخر الخلفاء لكنه كان آخر عظمائها من أصحاب السلطة الفعلية على البلاد فكل من لحقه كانوا من الحكام الصوريين الذين لم يملكوا سلطة حقيقة حتى إلغاء الخلافة العثمانية وانهيارها في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى.
على امتداد ما يقرب من ستة قرون هي عمر الدولة العثمانية توالى نحو 36 سلطانا حاكما باسمها، احتل الخليفة عبد الحميد الثاني الترتيب الرابع والثلاثين، بعد أن تولى شقيقه السلطان مراد الخامس الحكم لمدة قصيرة للغاية لم تتعد مائة يوم، فكان الأخير قد تولى بعد انقلاب نفذه على عمه السلطان عبد العزيز.
لكن مراد لم يتحمل طويلا الصراع عقب تسلمه الحكم، وأخذ يعتقد أنه السبب في وفاة عمه الذي فارق الحياة عقب عزله ولم يعرف إذا كان انتحر أم قُتل، ففاوض الوزراء عبد الحميد الثاني لتولي المنصب خلفا عن أخيه الذي اشتد مرضه وأصيب بالجنون، بعد تردد قبل السلطان الحكم وخلع أخيه مراد ونقل إلى قصر جراغان ووضع رهن الإقامة الجبرية حتى وافته المنية.
نشأته
السلطان عبد الحميد الثاني هو ابن السلطان عبد المجيد الأول وتوفيت والدته وعمرها 33 عاماً، ولم يتجاوز ابنها السبع سنوات، فتولت زوجة أبيه “بيرستو قادين الاعتناء به وبتربيته، لذا منحها عند صعوده للعرش لقب “السلطانة الوالدة”، وتعلم العربية والفارسية الفرنسية والأدب العثماني والعلوم الإسلامية. وكان له اهتمام بالرياضة والخيل كما أنه عمل في النجارة فبدأ شغفه بها منذ أيام والده السلطان عبد المجيد الأول، فضلا عن هوايات أخرى في الموسيقى والأوبرا والخط والرسم والتصوير، وقبل توليه العرش زار مع وفد عثماني مصر فضلا عن قيامه بجولة أوروبية بعدها استغرقت قرابة شهرين.
وتولى عبد الحميد الثاني الحكم في 1876 وكان يبلغ من العمر 34 عاما، فهو المولود في 21 سبتمبر 1842، وكانت البلاد عند توليه الحكم تمر في أزمات حادة ومصاعب مالية كبيرة، وتشهد ثورات عاتية في البلقان تقوم بها عناصر قومية تطالب بانفصالها عن الدولة العثمانية، والأزمات تهدده من كل الاتجاهات.
بداية حكمه
فبدأ حكمه بمحاولات إصلاحية وكسب بعض المناوئين له واستمالتهم إلى صفه بكل ما يستطيع، كما أن الديون وقت توليه كانت قد تراكمت بلغت ما يقرب من ثلاثمائة مليون ليرة نجح فيما بعد إلى تخفيضها إلى نحو 106 مليون ليرة، كما عمل على تدريب الجيش العثماني فاستقدم جنرالات ألمان لذلك، وأرسل بعثات عسكرية واستقدم الأسلحة من هناك.
وكذلك اهتم بالإصلاحات القضائية فافتتح “مدرسة الحقوق السُلطانية” وكان المتخرجون يتم تعيينهم في المحاكم النظامية، وأعاد تنظيم وزارة العدل، فأصبحت تشرف على القضائيين المدني والجنائي، وظلت المحاكم الشرعية تابعة لشيخ الإسلام وطلب السُلطان من وزارة العدل اتخاذ الاجراءات لوضع قوانين تشمل عمل المحاكم المدنية وتحديد اختصاصاتها.
وينسب له عمل واحدة من أهم المشروعات الحضارية وقتها وهو سكة حديد الحجاز يصل بين الشام والمدينة المنورة لتيسير الحج على المسلمين، بدلا من السفر عن طريق القوافل الذي كان يستغرق به أربعين يومًا وانخفضت المدة بالخط الحديدي إلى أربعة أيام، واستمر العمل بالمشروع الذي تكلف ميزانية ضخمة قرابة سبعة سنوات فوصل أول قطار إلى المدينة المنورة عام 1908.
وفي عهده وصل أول قطار يربط المدن الأوروبية ببعضها، وانطلق من مدينة فيينا إلى مدينة إسطنبول العاصمة وهو “قطار الشرق السريع”، كما اهتم بالتعليم فأنشأ المدرسة السلطانية للشؤون المالية، ومدرسة الحقوق التي تخرج القضاة وتخرج الطلاب للوظائف الإدارية، فضلا عن مدارس أخرى للفنون الجميلة، والتجارة والهندسة المدنية والطب البيطري والشرطة وغيرها في كافة المجالات.
فقدان الأراضي
لكن الأمر لم يسر على ما يرام ففي عهده تعرضت الدولة لعدد من الحوادث والثورات والحروب بدأت بالحرب مع روسيا بعد أن أرسلت الدول الأوروبية الكبرى لائحة للدولة العثمانية تقضي بتحسين الأحوال المعيشية لرعاياها النصارى، وإجراء إصلاحات في البوسنة الهرسك وبلاد البلغار، وتعيين الحدود مع الجبل الأسود.
لكن السلطان رفض تلك اللائحة باعتبارها تدخل في شئون الدولة فاستغلت روسيا رفض اللائحة واعتبرته سبباً كافياً للحرب، وقطعت علاقاتها السياسية مع الدولة العثمانية، وأعلنت الحرب وتركت أوروبا روسيا لتتصرف كيفما تشاء مع العثمانيين، فاحتلت الأفلاق والبغدان وبلغاريا ووصلت أدرنة وأصبحت على بعد 50 كيلومترًا فقط من إسطنبول.
وفي النهاية طلبت الدولة العثمانية الصلح وأبرمت معاهدة سان ستيفانو مع روسيا، والتي نصت باعتراف الدولة باستقلال الصرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان وبلغاريا، والتنازل عن عدة مدن في آسيا، وتعهد الباب العالي بحماية الأرمن النصارى من الأكراد والشركس، ورغم ذلك فقدت الدولة العثمانية بعد ذلك في مؤتمر برلين مزيدا من أراضيها عام 1887.
وبعد ذلك توالى الاحتلال الفرنسي والبريطاني فسلب الدولة العثمانية عدد أكبر من أراضيها بعدما وقعت مصر وتونس تحت أيديهما بالإضافة إلى السودان وشرق أفريقيا والحبشة، كذلك منحت جزيرة كريت اليونانية حكما ذاتيا بعد قيام الحرب اليونانية العثمانية وتبعها ثورات أخرى في مقدونيا.
الأرمن واليهود
كما واجهت الدولة في عهده أزمة مع الارمن بعد أن طالبوا باستقلالهم في أعقاب مؤتمر برلين وتصاعد التوتر في الأماكن التي يقمون بها مّت الاضطرابات، فخرج حوالي 4000 أرمني عن طاعة السلطان في بدليس بعد تأخر الإصلاحات الموعودة.
ورد العثمانيون على ثورة الأرمن بأن أرسلوا جيشًا مؤلفًا بمعظمه من الأكراد إلى مناطق الثورة، حيث دمّروا العديد من القرى الأرمنية وقتلوا كثيرًا من الثوّار ومن ساندهم ووقعت سلسلة من المجازر بحق الأرمن في ديار بكر، حتى أن أحد الأرمن حاول اغتيال السلطان عبد الحميد الثاني لكنه نجا.
ومع نشأة الصهيونية وعقد مؤتمرهم الأول في سويسرا، والذي قرروا فيه إقامة وطن لليهود في فلسطين، حاول مؤسس الحركة تيودور هرتزل مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني ليطلب منه السماح لليهود بإقامة وطنهم المزعوم والسماح لهم بالهجرة إلى فلسطين في مقابل مادي كن السلطان كان على موقفه رافضاً.
وبعد إلحاح هرتزل رد السلطان بجملته الشهيرة قائلا: “انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة”.
خلعه من الحكم
وبعد أن قضى في الحكم ثلاثة وثلاثين عاما انتهى الحال بالسلطان عبد الحميد الثاني مخلوعا من عرشه في 27 إبريل 1909 وتولى أخيه الأصغر محمد الخامس الحكم، فيما نُفى عبد الحميد إلى مدينة سالونيك مع مرافقيه وبقي هناك تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته في 10 فبراير لعام 1918.