كُثرت القضايا التى تشغل حيزًا كبيرًا من تفكير الناس، ومع تباعد الزمان عن الزمن بداية الوحي تكثر الأسئلة وتبث الشبهات التى لم تكن موجودة من قبل، ويظهر جانب مضيء لهذا الدين الذى عالج كل ما يستجد من أمور بفضل علماء حباهم الله تعالى بسطة فى العلم؛ يخرجون الدرر ويجيبون عما يشغل بال الكثيرين.

ولما كانت قضايا الإعجاز من أهم تلك القضايا التى تناقش على الساحة بين الرد والقبول وتكثر حولها الشبهات التى يثيرها أعداء الإسلام تارة، والمسلمون الذين يريدون أن يعبدوا الله على بصيرة تارة أخرى.. كان هذا الحوار مع الدكتور على فؤاد مخيمر رئيس جمعية الإعجاز العلمى المتجدد بالقاهرة، ليجيب عما يطفو على الساحة من أمور تتعلق بقضايا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، فإلى نص الحوار..

فى البداية، نود الإطلاع على جمعية الإعجاز العلمى المتجدد.. كيف بدأت وما أهم أهدافها؟

جمعية الإعجاز العلمى المتجدد هى أول جمعية فى مصر تتخصص في قضايا الإعجاز.. وقد كانت مسائل الإعجاز تشغلنا نحن المهتمين بشؤون المسلمين العامة لفترات طويلة، ولم يكن لدينا منذ فترة، ما يمكننا من تجسيد هذه الأفكار التى تطرأ علينا، ومن الإجابة عن الأسئلة التى تطرح علينا، بل وحتى الشبهات التى تعترض البعض، لم يكن لدينا كيان مستقل يتخصص فى الرد عن كل هذا، ويوم بعد يوم تزداد الحاجة لذلك الكيان خصوصًا مع زيادة عدد المسلمين وانفتاح العالم كله على الإسلام.. ومن هنا أصبح وجود هذا الكيان ضرورة ملحة يجب العمل على إنشائه وبعد استخارة الله تعالى واستشارة أهل التخصص وفقنا الله تعالى بجهود أهل الخير أن تكون جمعية الإعجاز العلمى المتجدد التى أنشئت 2013م النواة الأولى مستهدفة بيان أوجه الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم وصحيح السنة وأنه لا تعارض بين هذا وما توصل إليه العلم الحديث.

لماذا اخترتم «الإعجاز العلمى» وسيلة من وسائل الدعوة؟

معلوم أن الدعوة إلى الله لها وسائل متعددة، ولكن كما تعلم أيضًا أن قطاعًا كبيرًا من الناس لا يفهم إلا لغة الأرقام والحقائق العلمية وهو مجال الإعجاز العلمى الخصب والمدخل لهؤلاء جميعًا، وقد وفقنا الله لاختيار هذه الوسيلة للدعوة لفوائدها المتعددة والتى منها أن الدعوة بالإعجاز العلمى فى القرآن الكريم والسنة المطهرة هى الوسيلة المناسبة لأهل عصرنا – عصر العلم والتقنية- الذى فتن الناس فيه بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة، ونبذوا الدين وراء ظهورهم إلا من رحم ربى، وعلى هذا لم تصبح هناك وسيلة مقنعة بالدين قدر الإعجاز العلمى فى كتاب الله وفى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وحيث إن هذا التقدم العلمى يظهر لنا كنوزًا كامنة وردت فى القرآن الكريم ولم تكن معروفة ، فلابد من مواكبة العصر.

فالإعجاز العلمى خطاب إلى كل العقول فى أرقى صورها وأعلى درجات إدراكها، ومخاطبة الغرب بإعجاز القرآن الكريم بالإقناع العقلى وبما أظهرته البحوث العلمية الحديثة، حيث أصبح الدليل العلمى المادى هو وسيلة الإقناع الرئيسية، إن لم تكن الوحيدة المقبولة من الناس، وأيضًا الخطاب بالإعجاز العلمى له الأثر البالغ فى قلوب المسلمين والذى يترجم زيادة اليقين عندهم لدى رؤيتهم هذه الحقائق الباهرة.

كما أن الرد العلمى الدامغ على الأفكار التى تشكك فى صحة الرسالة المحمدية، وإقناع غير المسلمين من العلماء بربانية القرآن الكريم وصدق النبى محمد صلى الله عليه وسلم، يجب أن يتميز هذا الأسلوب بالتأكيد المقترن بالبرهان الساطع على أن الدين الإسلامى هو دين العلم حقًا، وذلك لورود آيات كثيرة فى الآفاق والأنفس توافقت مع الحقائق العلمية الكونية الحديثة وهذا ما أثبتته الهيئة العالمية للإعجاز العلمى بمكة بلجانها العلمية المختلفة بأن أكثر من 1300 آية فيها حقائق علمية حتى الآن، والبحث مستمر فى إظهار ما هو كامن فى القرآن الكريم من حقائق كونية.

يخلط الكثيرون بين مفهوم الإعجاز العلمى والتفسير العلمى، فما الفرق بينهما؟

نعم، نريد أن نحرر ونؤكد عدة معانٍ وتعاريف مهمة جدًا: فالمعجزة: لغة مشتقة من العجز والضعف وعدم القدرة وعند العلماء هى أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة، وهناك معجزة منتهية حسية ملموسة مرتبطة بنبى معين تنتهى بانتهاء زمن النبى، وهى معجزة تناسب قومه زمن رسالته، مثل عصا موسى عليه السلام حيث كان السحر قاسيًا عند فرعون وقومه، وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى على يد عيسى -عليه السلام -لأنه كان فى زمن تقدم فيه الطب وخوارق العادات، وكذلك للنبى محمد -صلى الله عليه وسلم -معجزات مادية محسوسة عديدة، انتهت بانتهاء وقتها، مثل «نبع الماء من بين إصبعيه – حنين الجزع - تكثير الطعام – نطق ذراع الشاة وإخبار النبى بأنها مسمومة... وغيرها كثيرة جدًا لاتعد ولا تحصى».

وهناك معجزة متجددة وهى المعجزة الكبرى الباقية، وهى القرآن الكريم، الذى تحدى الناس به قديما، ومازال هذا التحدى قائمًا إلى يوم القيامة ذلك لأن التجدد فى المعجزة إعجاز.

أما الإعجاز العلمى فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبى أخيرًا وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

ووصف الإعجاز بأنه علمى نسبة إلى العلم - والعلم هو إدراك الأشياء على حقيقتها والمقصود بالعلم فى هذا المقام "العلم التجريبي".

وأما التفسير العلمى فهو الكشف عن معانى الآية أو الحديث فى ضوء ما ثبت من نظريات العلوم الكونية، وهو جهد بشري يؤدى إلى فهم دلالة الآية القرآنية إن أصاب فيه المفسر فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد.

وخلاصة الأمر فى هذا أن الإعجاز العلمى متفق عليه بين أهل العلم والتفسير ذلك لأنه خاص بما يتعلق بالتوفيق بين الحقائق الشرعية والحقائق الكونية.

أما التفسير العلمى فمختلف فيه بل إن من العلماء من لا يجيزه لأنه إذا لم تراع ضوابطه وشروطه فقد يكون سببًا فى وقوع الخطأ فى فهم كتاب الله بسعة مجاله ، وذلك لأنه يتناول النظريات والإشارات الضمنية فى تفسير النصوص الكونية ، وكلها نظريات قد تحتمل الخطأ والصواب، وهذا لا يليق بجمال وعظمة القرآن الكريم.

لا شك أن هناك بعض العقبات التى تواجهكم.. فما أهم تلك العقبات، وكيف تتعاملون معها؟

من المسلم به أن طريق الدعوة إلى الله ليس مفروشا بالورود كما يظن البعض، بل إن الابتلاءات والعوارض تحيط به، وهذه سنة الله، ولذا أوصى الله المؤمنين أن يتحلوا بالصبر مع الإيمان بقضايا دينهم الحق: "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ..."، لكن ما تجدر الإشارة إليه أن العبادات هنا مشتركة بين المؤمين وغيرهم، فالمؤمنون ربما يعترضهم شبها أو تثار أمامهم قضايا، أو أن هناك أمورًا يلزمهم معرفتها من باب ليطمئن قلبى، وغير المسلمين ليسوا أيضًا على درجة واحدة من النكران والعناد فمنهم من يبحث صدقا عن إجابة محايدة بغض النظر عن الدين والانتماء ولعل بإجابتنا له على ما يهدي قلبه ينشرح صدره للإسلام، وهنا مكمن الخطورة التى يجب أن نعيها في حوارنا معهم، وهناك من يتربص ويريد النيل والمكر، وهؤلاء أيضًا يلزمنا مخاطبتهم بالحجة والبرهان، غاضّين الطرف على ما قد يبدو من جدالهم، وفى هذا ما لا يخفى من الحكمة والموعظة الحسنة التى أمرنا الله بالتزامها فى الدعوة إلى الله «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»، وقال: «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا»

هل يعد القرآن الكريم مرجعًا علميًا؟

لا.. القرآن الكريم كتاب عبادة ومنهج، وليس مرجعًا علميًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يشير فيه إلى معلومات علمية كثيرة فى عدد من الآيات، وهو ما يسمى بالإعجاز العلمى فى القرآن وأن هذا يشكل الدليل القاطع على أن مقدرة الله العليم والعارف بكل شىء: قال تعالى «قَد جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُور وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» المائدة (15-16).

فالقرآن معجزة فى ألفاظه وأسلوبه وفى بيانه ونظمه وتشريعاته وأحكامه وفيما يحتوى من علوم ومعارف وهذا ما نحاول إيضاحه وإيصاله للناس، فتحدى به الأولين واللاحقين إلى يوم الدين وخاطبهم بما يعلمون، خاطبهم بالحجة والبرهان بالأدلة القاطعة فيما يعتقدون، وما يحترمون من العقل والتفكير والحوار فالعلم والحقائق العلمية هى اللغة التى يحترمها العقل ويمجدها، ولذا قال ربنا «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ».

ما سبب عدم حصول "الإعجاز العلمى"على حظه فى المؤتمرات المحلية والبحثية كغيره من المجالات؟

الإعجاز العلمى هو فى الأصل بحث علمى، ونحن كى نثبت حقيقة علمية نحتاج إلى أبحاث وأماكن للبحث والتجربة، وهذا يتكلف مبالغ طائلة، ولدينا البحث العلمى وهو آخر ما نفكر فيه، حتى أننى عندما سُئلت فى فرنسا عن أنه كلما استجد أمر ما فى الغرب ، نقول إنه لدينا فى القرآن، فلماذا لا نعلن ذلك، كانت إجابتى بسيطة جدًا، وهى أن البحث العلمى لم ترصد له أموال أو ميزانيات، إنما الدول الأوروبية نجحت، لأن ميزانيات دول ترصد للبحث العلمى، وبالتالى فإن الحقائق الكونية لديهم هى موجودة لدينا فى القرآن، وعندما يقرأها المسلم يدرك أنها موجودة بالفعل فى القرآن.

بعد سنوات من الجهد المبذول في هذا المجال محليا وعالميا.. ما أهم النتائج التى وفقتم فى تحقيقها؟

الحمد لله أن شرفنا ابتداء بالعمل لدينه، وما أريد التأكيد عليه هو أن النجاحات وغيرها لا تقاس بما يتحقق غالبا على أرض الواقع من أمور مادية.. فمما لا يمكن إنكاره أن البيئة كانت مجدبة من البحث فى هذا المجال لفترات طويلة، وهذا بدوره يستدعى جهدا مضاعفا حتى نمهد من جديد لخلق بيئة صالحة ، ومجال خصب لهذا الأمر وهذا في حد ذاته يعد نجاحا ولو لم يلمس الكثيرون أثره عمليا.. ثم إنه -والحمد لله -وبعد عقد أكثر من دورة تدريبة فى مجال الإعجاز العلمى بات لدينا كوادر جاهزة لنشر هذا الأمر والدعوة إلى الله به على بصيرة وهذ أيضا إنجاز افتقدناه لفترات..

وما يمكن قوله الآن إننا لا ننظر إلى ما نحقق بل أعيننا منصبة على ما نريد تحقيقه من أهداف؛ نرمق كل جديد من الوسائل العربية والغربية لاستخدامه فى تحقيق أهدافنا، وكلنا يقين أن الله تعالى لن يخذلنا في تحقيق ما نريد.

هل لكم نشاطات خارج حدود مصر؟

بداية أحب أن أنوه إلى أن الجمعية عقدت أكثر من دورة فى مجال الإعجاز العلمى، بمشاركة نخبة من المتخصصين من أساتذة جامعة الأزهر الشريف وأعضاء الهيئة العالمية للإعجاز العلمى فى القرآن والسنة بمكة المكرمة، وبحضور عدد من المهتمين بهذا المجال. ولا تزال الجهود موجهة لعقد الكثير والكثير بغية زيادة عدد المهتمين وتعريف الناس بهذا الأمر.

وعن جهود الجمعية خارج مصر، فقد شاركت فى عدد من الفعاليات العلمية بدولة ألمانيا، بمقر عدد من المراكز الإسلامية فى ألمانيا بمدن بون، فرانكفورت وشتوتجارت، بمشاركة كبيرة من جانب الجاليات المسلمة.

وتركزت المحاضرات- التى شهدت حضورًا كبيرًا من جانب أفراد الجاليات المصرية والعربية والإسلامية- على الإعجاز الربانى فى جسم الإنسان، فى إطار قوله تعالى: "وفى أنفسكم أفلا تبصرون"، وقوله:"أفلا يتدبرون".

يتكلم كثيرون الآن عبر وسائل الإعلام عن الإعجاز.. فهل هناك ضوابط معينة قبل الحديث في الأمر؟

نعم هناك ضوابط كثيرة ولابد للباحث فى الإعجاز أن يلتزم بها حتى لا يضر النص ولا يقع فى حرج شرعى، من هذه الضوابط:

عدم توظيف سوى الحقائق العلمية الثابتة والتى حسمها العلم وأصبحت من الأمور القطعية المسلمة التى لا رجعة فيها، وعدم التكلف وعدم لى أعناق الآيات للتوافق مع الحقيقة العلمية، كما يلزم الإلمام باللغة العربية ودلالة مفرداتها وقواعدها وأساليب التعبير فيها وكذلك بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من العلوم، جنبا إلى جنب مع الإلمام بما توصل إليه العلم فى الحقل الذى تتعرض له الآية الكريمة أو الحديث الشريف الصحيح.

ومما يجب مراعاته أيضا من ضوابط احترام التخصص العلمى فقد انتهى زمن العلماء الموسوعيين وذلك لأنه من المستحيل على فرد واحد أن يخوض فى قضية الإعجاز من علم الأجنة إلى علوم الفلك والهندسة ....وغير ذلك، كما يلزم التثبت من صحة الحديث النبوى قبل التعرض لإثبات جوانب الإعجاز العلمى فيه.

ختامًا.. ما تطلعاتكم وما الثمرات المرجو تحقيقها فى السنوات القادمة؟

نحمد الله تعالى على ما وفقنا لتحقيقه الآن..ونرجوه سبحانه أن يعيننا على أن تصل قضايا الإعجاز لكل بيوت المسلمين وغيرهم، وقد بدت تظهر فى الأفق استجابة لكل الشرائح التى تعاملنا معها حيث أن هذا المجال( الإعجاز العلمي) مجال محايد ولذا انتشرت مقرات الجمعية أفقيا فى مصر والأمل معقود على المزيد والمزيد من الانتشار والتوسع؛ بغية وصول هذا الأمر لكل الناس.