يطفو على المشهد السياسي الفلسطيني المفعم بالضبابية بين الفترة والأخرى جملة من الأحداث المتسارعة، دون بصيص من الأمل قد يلوح في الأفق لإيجاد حل لها، لا سيما وأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما يجري في المنطقة العربية والإقليمية.
ولعل من أبرز الملفات العالقة حتى هذه اللحظة هو حسم “الصراع” السياسي بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والقيادي المفصول عن حركة فتح سابقًا محمد دحلان، وسط جملة من التساؤلات حول مصير العلاقة في ظل تعثر جهود الإعمار في قطاع غزة، وتأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، وارتفاع وتيرة الخلاف بينهما.
لكن تقدير موقف نشره “مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة”، والذي يرأس مجلس إدارته وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلي دوري غولد، فإن الدول العربية “المعتدلة”؛ وتحديدًا التي تقع في محيط فلسطين معنية بتنصيب شخص يمكن أن يتم تسليمه زمام الأمور في قطاع غزة، إلى جانب تمتعه بالقدرة على السيطرة على الأمور في الضفة الغربية، وهذا ما يبدو جليًا أن هناك تحركًا عربيا لحل المشكلة الفلسطينية.
وأشار التقدير الذي أعده الرئيس السابق لسلطة البث الإسرائيلية والخبير في الشؤون العربية يوني بن مناحيم، إلى أن أنظمة الحكم العربية “تعي تماما أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب أولا توحيد حركة فتح، على اعتبار أن هذا يعد شرطا أساسيا لاستعادة غزة”.
قبل الدخول في الحديث عن إمكانية تسلم “دحلان” للسلطة الفلسطينية لابد من اﻹشارة إلى جذور الخلاف بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والقيادي المفصول عن حركة فتح محمد دحلان، والتي تتكون من ثلاث أسباب كانت كفيلة بإشعال الخلاف داخل جبهة حركة فتح.
جذور الخلاف
اﻷول : اتهام مساعدين لعباس دحلان بأنه وراء تحريض قيادات في فتح عليه، وسعيه لتعزيز نفوذه بالأجهزة الأمنية والوزارات في الضفة الغربية وهو ما أغضب السلطة، والتي تتهمه بأنه المسؤول المباشر عن سقوط غزة بيد حركة حماس.
الثاني : تدخل دحلان بملف تشكيل حكومة سلام فياض قبل بضع سنوات، مما دفع عباس لإعطاء أوامر لفياض بإجراء نقل لمدراء عامين ووكلاء وزراء مقربين من دحلان في وزارتي الخارجية والداخلية إلى وزارات أخرى ليست ذات علاقة بالسياسة الخارجية أو بالأمن الداخلي.
الثالث والذي فجر العلاقات بينهما هو اكتشاف عباس أن دحلان يجتمع سرًّا بقيادات فتحاوية في الضفة الغربية، ويطرح عليها إسقاطه بحجة أنه ضعيف، وتوجيهه انتقادات شديدة لأبناء عباس واتهامهم باختلاس الأموال، وقيامه بتجنيد مجموعات شبابية في أكثر من منطقة في الضفة الغربية وبتسليحها.
وعلى مدار سنوات الصراع، تبادل الرجلان الاتهامات، ولعل أبرزها اتهام غير مباشر من عباس لدحلان بقتل الرئيس الراحل ياسر عرفات إضافة لـ6 شخصيات أخرى، كما اتهمه بالمحاولة الأولى لقتل مؤسس كتائب القسام صلاح شحادة، وقصف مقر الوقائي في رام الله عام 2002.
هذه الاتهامات رد عليها دحلان في حينه في مقابلة تلفزيونية له في مارس 2014، حيث هاجم رئيس السلطة بشدة، ووصف خطابه بالهابط، وبأنه كان وصمة عار في تاريخ حركة فتح، وألمح إلى مسؤولية عباس عن وفاة عرفات، مطالبا إياه بالاعتذار للشعب الفلسطيني.
هل السبب في شخصية عباس؟
منذ أن وتولى محمود عباس مقاليد السلطة الفلسطينية، حصلت انشقاقات ضخمة ﻷول مرة في التاريخ بين فصائل المقاومة الفلسطينية أو البيت الفلسطيني المناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاصب، أبرزها انشقاق حماس وتكوين حكومة وحدة خاصة في قطاع غزة، إضافة إلى المشكلة الداخلية لحركة فتح ذاتها.
الرئيس الفلسطيني نجح في تنفيذ ما فشلت فيه تل أبيب خلال عقود، حيث تمكن أبو مازن من شق الصف الوطني الفلسطيني وضرب الوحدة الداخلية لحركة فتح وأقحم الحركة الوطنية في صراعات مع الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تستنكر ما تقوم به أجهزة عباس من استهداف قادة الفصائل المختلفة في مدن الضفة الغربية.
واستفرد أبو مازن بالسلطة الفلسطينية، من خلال تعطيل عمل المجلس التشريعي والتنصل من إجراء انتخابات رئاسية، والعمل على نقل السلطة في حال غيابه إلى من يثق فيهم خشية أن يتم التنكيل بولديه (طارق وياسر) وهما رجلا أعمال يحتكران الكثير من المرافق الاقتصادية في مناطق السلطة.
ومن خلال ذلك يبدو أن شخصية الرئيس الفلسطيني محمود عباس ذاتها، شخصية أنانية، تسعى لمصالحها الشخصية واﻷسرية لا يهمها مصالح الشعب الفلسطيني الذي يواجه أنواع المر وألوان الحصار الاقتصادي المفروض عليه من دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو اﻷمر الذي توصل إليه أطراف دولية إلى أهمية استبداله بشخص يكون أكثر مرونة مع الواقع ولديه نفوذ في مختلف الفصائل الفلسطينية أبرزها حركة حماس التي روج لها خلال الفترة اﻷخيرة أنها تتعاطف مع أنصار دحلان لما يواجهونه من قطع مرتباتهم ومطارداتهم أمنيًا، وسمحت لهم بالمظاهرات ضد الرئيس محمود عباس أبو مازن.
الطريق إلى هرم السلطة
وﻹصال محمد حلان إلى هرم السلطة الفلسطينية لا بد من إجراءات (مبادرة مصالحة مثلا) تقدم عليها كل من الدول المحيطة بدولة فلسطين أو من عليها تأثير، ويبدأ ذلك بإيهام إجراء المصالحة بين حركة فتح لصالح جناح “دحلان” ويتمثل ذلك في تقريب وجهات النظر بين دحلان وحماس أولا لترهيب عباس بالقبول بدحلان وإعادته إلى منصبه هذا أولا ..
وللانتقال إلى النقاط الثاني لابد من اﻹجابة على السؤال التالي.. لماذا يخشى عباس المصالحة بين دحلان وحماس؟ الجواب على هذا بسيط، فإن محمود عباس أوبو مازن يخشى أن يحظى دحلان بمزيد من الدعم السياسي الخارجي الذي يهدد شرعيته كرئيس للسلطة الفلسطينية، مع تمدد نفوذه على المستويين الإقليمي والمحلي.
وخشية عباس تنبع أيضًا من أن تكون المصالحة بين دحلان وحماس مصالحة حقيقية، وتنجح حماس في رفع الحصار عن غزة دون عودة حقيقية للسلطة الفلسطينية في القطاع وفرض نفوذها، حيث إن أخطر السيناريوهات التي تربك الرئاسة الفلسطينية هي عودة دحلان إلى قطاع غزة بالتوافق مع حركة حماس، وعقد تحالف سياسي معها للإطاحة بالرئيس في أي انتخابات رئاسية قادمة.
ويخشى أيضًا عباس من تكرار سيناريو إسقاط ياسر عرفات أو اغتياله فلا يتقبل فكرة عودة دحلان، وقد عمل في الفترة الأخيرة على تحسين صورته سياسيًّا وإعلاميًّا وشعبيًّا، فرفض خطة كيري للتسوية، وتمسّك بصفقة إطلاق الأسرى، ووقع على 12 طلبًا للانضمام لاتفاقيات دولية، وهذا ما قد يجعله يقبل بالمصالحة على عجل مع دحلان.
ثانيًا: بعد المصالحة تعمل اللجنة المركزية لحركة “فتح” على إلغاء كل الإجراءات التي تناولت ومسّت بالنائب المفصول من الحركة محمد دحلان، لتجاوز الخلافات بين جناحي الحركة، والعمل على توحيدهما ومعالجة ذيول الانقسام والمصالحة بين حركتي فتح وحماس، والتحرك على المستوى الدولي لتنشيط طريق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في القاهرة وباريس وموسكو”.
وفي وسط تلك المفاوضات التي سيتم إطلاقها بين الكيان اﻹسرائيلي والجانب الفلسطيني، يتوقع أن تخرج أصوات تنادي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، يترشح من خلالها محمد دحلان، وتغييب الرئيس الفلسطيني الحالي بأي وسيلة، إما بإفشاله في الانتخابات الرئاسية، أو ﻷسباب آخر، وهو ما يعطي فرصة الوصول إلى هرم السلطة.
وصول دحلان إلى هرم السلطة، بإمكانه أن يعمل على السيطرة على قطاع غزة إما بالقوة العسكرية وبمساعدة الدول المحيطة والداعمة له للوصول إلى الحكم، أو عن طريق المصالحة مع حركة حماس، ومنحهم حق المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية التي تنادي لها حماس، وفقًا لنتائج الانتخابات التشريعية.