ألقى الدكتور إدجار جول؛ رئيس قسم بحوث الدراسات المستقبلية بمعهد الدراسات المستقبلية وتقييم التكنولوجيا ببرلين، محاضرة بعنوان "الدراسات المستقبلية في العالم العربي في ضوء خطة الأمم المتحدة 2030"، وذلك خلال مؤتمر "مستقبل المجتمعات العربية.. المتغيرات والتحديات"، الذي تنظمه وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية في الفترة من 5 إلى 8 سبتمبر 2016.

تناول جول في البداية تجربته في تناول الدراسات المستقبلية في مصر، حيث عمل لمدة عامين كباحث مشارك في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري وخرج بتقييم لأوضاع الدراسات المستقبلية والمراكز والشخصيات الرائدة القائمة عليها.

وانطلقت المحاضرة من الأهمية القصوى التـي يمثلها هذا الحقل في دراسة عوامل وآليات استمرار المجتمعات البشرية، حيث استخلص أن الاهتمام بالمستقبل يعد أحد أهم أسباب استمرار المجتمعات وربما نجاحها؛ فكثير من الحضارات اختفت نتيجة الجهل بما سوف يواجهون في المستقبل من متغيرات اقتصادية وبيئية واجتماعية، وعدم فهم التحديات المستقبلية.

وتناول بالتحليل عددًا من القضايا المصيرية التـي تهم المجتمع المصري، خاصة في ظل التغيرات العالمية مثل التغير المناخي الذي يؤثر على المدن الشمالية، وعلى رأسها الإسكندرية وبورسعيد؛ فهذه المدن مهددة بالغرق في حال ارتفاع منسوب مياه البحر ولو بقدر بسيط على مدار السنوات المائة المقبلة.

وأكد أنه يجب على صانعي القرار في العالم العربي أن يدركوا أن الاعتماد على الدراسات المستقبلية في اتخاذ القرارات المصيرية بمجتمعاتهم ودولهم ستساعدهم على بقائها، وأنه يجب أيضًا على الرجال والنساء وكل المؤسسات أن يغيروا أنشطتهم حتى لا يعيشوا على حساب الأجيال القادمة، فمفهوم العدالة الاجتماعية ليس فقط في وسط جيلنا ولكن عبر الاجيال القادمة.

ولفت جول إلى أن عملية التنمية المستدامة هي عملية معقدة، وأن هناك متطلبات لهذه التنمية أهمها: التقبل، والمعرفة، والاستشراف والقدرة على الاختيار، والعمل، والدعم المعرفي، والنقود ، والمعرفة المجتمعية، وكذلك أيضًا التمكين؛ حيث يجب أن يكون هناك قرارات داعمة من الوزارات، والمجتمع، وصانعي القرار.

وقال إن "ما نتخذه من قرارات اليوم، وما نقوم به من تصرفات في الحاضر سوف يؤثر بصورة أو بأخرى على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا من بعدنا، وإذا أردنا لهذا المستقبل أن يكون مقبولًا من وجهة نظرنا، فعلينا أن نتخذ قراراتنا اليوم آخذين في الاعتبار النتائج والتداعيات المحتملة لهذه القرارات على مدى زمنى طويل، وليس فقط على المدى القصير أو المتوسط".

وأوضح أنه لا يوجد مستقبل واحد بل هناك عدة مستقبلات يكون على كل مجتمع الاختيار من بينها؛ فهناك المستقبل الممكن والمعقول والمحتمل وهناك المستقبل المفضل الذي يسعى البشر شعوريًا إلى تكوينه، ويعود اختلاف وتنوع المستقبل إلى اختلاف الثقافات الإنسانية، وكذلك اختلاف استجاباتنا البشرية تجاه هذا المستقبل، فهناك استجابة استسلامية وهناك استجابة تتسم بالرد الفعل على حسب الظاهرة وهناك استجابة فعالة تحاول إعادة تشكيل الفعل وتتفاعل إيجابيًّا ومع الظواهر، وأشار إلى أن تشكيل المستقبل بإيجابية يتطلب ردة فعل فعالة.

وتناول جول في كلمته أجندة الأمم المتحدة للعام 2030 وهي خطة عالمية موضوعة من أجل ضمان التنمية المستدامة في المجتمعات البشرية وتستهدف القضاء على الفقر وتحسين فرص التعليم والصحة ونوعية الاقتصاد فيها بحلول العام 2030، وقد تمت ترجمتها إلى العديد من السيناريوهات والخطط، وعلى خلفية هذه الأجندة أوضح جول عددًا من المراكز والمشروعات المستقبلية التـي يمكن البناء عليها في بناء مستقبل العالم العربي.

واستعرض مشروع منارة، وهو مشروع عربي أوروبي تقوم عليه عدد من المراكز البحثية في أوروبا والعالم العربي ويهدف إلى وضع سيناريوهات التنمية المستدامة في منطقة شمال أفريقيا على المستوى المتوسط والطويل. ويسعى هذا المشروع عبر أعمال الخبراء واجتماعات مشتركة بين الباحثين على امتداد المنطقة إلى التركيز على الفرص والموارد المشتركة التـي يمكن البناء عليها لتحقيق "قفزة عربية" في مجال التنمية المستدامة.