تتنوع الطقوس والمناسك وتتعدد العبادات في الإسلام ويظل لموسم الحج رونقه الخاص، والأهمية الأكبر في قلوب المسلمين من عمار البيت حاجين ومعتمرين، أيام قليلة ويبدأ أكثر من مليوني مسلم من شتى بقاع العالم مناسك حجهم، حيث تتوافد جموع الحجيج على مشعر جبل عرفات المقدس (الذي يبعد عن حدود مكة المكرمة بحوالي 22 كيلومترا)، لإتمام ركن الحج الأعظم “فالحج عرفة”، وذلك بعد أن تهيئوا له بالنية والإحرام وطواف القدوم والتوجه للمبيت في المزدلفة.
وفضل وقفة عرفة بين مناسك الحج لا تأتي من فراغ ففضلها عظيم وكبير بين سائر الأيام الأخرى، وعلى أيام شهر ذي الحجة نفسه فهو اليوم الذي أتم الله دينه على أمة الإسلام كما أعلن سيد الأنام ذلك في خطبة الوداع، في حجته الأولى والوحيدة للبيت الحرام.
والحج عبادة تجمع العبادات وتربط شريعة محمد بأبيه إبراهيم، وشرطها قبل السفر الاستطاعة والقدرة المادية والصحية، وبعد العودة الحفاظ على التوبة لضمان استدامتها وترجع بعض من مناسك الحج لسيدة مصرية هى “السيدة هاجر”، عندما تركها زوجها أبو الأنبياء إبراهيم في الصحراء وحيدة مع ابنها، وهاجر اسم من جزءين “ها” وتعني باللغة الهيروغليفية زهرة اللوتس، و”جر” أرض مصر وكنايتهما “مصر” ، وجاء من فعل السيدة هاجر الخير والبركات استجابة لدعوة خليل الرحمن سيدنا إبراهيم.
ويحج المسلمون للبيت من هذه اللحظة وإلى أن تقوم الساعة، والحج مؤتمر إسلامي أعلن فيه النبي محمد (ص) في حجة الوداع مباديء حقوق الإنسان منذ 14 قرنا، حيث أكد أن للبشرية كرامة ما بعدها كرامة وأن لها حقوقا، وفيها أرسى دعائم الإنسانية وحقوق الإنسان، وهو ما يعمل المسلمون على تعزيزه في كل مرة يقومون فيها بحج البيت أو إعماره، حيث تزكي هذه المناسك الشعور بالانتماء لأمة عظيمة وهى أمة الإسلام.‎
وينطلق موسم حج هذا العام ولأول مرة في إطار رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠ التي أقرها مجلس الوزراء، حيث تم التوسع في استخدام التقنية الحديثة في منظومة عمل وزارة الحج والعمرة لتحقيق نقلة نوعية في التعاملات الإلكترونية بهدف تقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن في المشاعر المقدسة والمنافذ الجوية والبحرية والبرية، وشرعت الوزارة واعتبارا من هذا العام في تطبيق برنامج “الإسورة الإلكترونية” على الحجاج والتي تتضمن بياناتهم الأساسية الخاصة وصورهم، والرقم الحدودي ورقم التأشيرة ورقم جواز السفر، مما يساعد الجهات الحكومية ذات العلاقة على قراءة هذه البيانات إلكترونيا، وبالتالي التعرف عليهم وعلى مقار سكنهم والإسهام في إرشاد التائهين وحصر الأعداد.
واستعانت الوزارة في موسم حج هذا العام بسيارات “الجولف” صغيرة الحجم في المشاعر المقدسة لاستخدامها في تنقل فئة كبار السن والعجزة داخل حدود مشعر منى وداخل الأماكن الضيقة بين المخيمات، مما ييسر التنقل في المشاعر المقدسة، وذلك في تجربة قابلة للتقييم تمهيدا لزيادة العدد في المواسم المقبلة حال نجاحها، بالإضافة إلى استحداث وحدات نسائية للإشراف والمتابعة على المخيمات في المشاعر المقدسة.
ولموسم الحج قدسية خاصة ليست فقط لدى القائمين عليه، لكن أيضا لضيوف الرحمن الراغبين لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، حيث ميز الله يوم عرفة “اليوم التاسع من شهر ذي الحجة” على غيره من الأيام، باستجابة الدعاء، وإقالة العثرات، وفيه يباهي الله الملائكة بأهل المشهد، وهو يوم عظم الله أمره، ورفع قدره على سائر الأيام، فهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النار، وهو اليوم الذي أقسم به الله، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، وصيامه يكفر سنتين، وهو اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم.‎
وتبدأ شعائر هذا اليوم بعد أن يصلي الحجيج صلاة الفجر في منى (التي تبعد 7 كيلومترات عن مكة) فينتظرون إلى شروق الشمس، ثم يسلكون بعدها طريقهم إلى عرفة وهم يرددون التلبية، ويقضون فيها النهار كله حتى غروب الشمس، حيث يدعون الله ويذكرونه ويبتهلون إليه كثيرا مقتدين في ذلك بفعل النبي (ص)، ويتخلل اليوم خطبة يلقيها إمام الحجاج ثم يصلون خلفه الظهر والعصر جمعا وقصرا بآذان واحد وإقامتين.
ويقضي المسلمون يوم عرفة في الصلاة والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن من شروق الشمس لغروبها، ثم النحر والحلق والتحلل ورمي جمرات العقبة مع بداية أيام التشريق، وتبدأ مناسك يوم عرفة منذ انتهاء الحجيج من صلاة الفجر في مشعر منى المقدس، وينزل الحجاج من مشعر عرفات مع غروب الشمس حيث يتوجهون للمزدلفة ثالث المشاعر المقدسة.
تأخذهم مناسكهم إلى مساحة من الصفاء والخشوع والشفافية، يحاورون الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة، خائفة قلقة، وكلهم راد حسن الظن بوعد الله وصدقه، وتائب أخلص التوبة، هارب من ذنوبه لاجئا إلى الله طارقا بابه، فكم هناك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أعسر الأوزار فكه وأطلقه وحينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء، ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنو مشهدا ملائكته أنه قد غفر لهم.
وتبقى عيون القابضين على الرغبة والتمني ممن لم يوفقوا للحج هذا العام متعلقة بأقرانهم ويلهب قلوبهم شوق الزيارة، يتابعون مشهد الوقوف بعرفة عبر التلفاز والحجيج في ملابس إحرامهم البيضاء، ليظل مشهد هذا اليوم مشهودا مهيبا جليلا بمعناه الديني والإنساني والاجتماعي، يأخذ قلوب ووجدان مشاهديه عن بعد.