المرأة نصف المجتمع، ووضعها في المجتمعات، والدول، والطريقة التي يتم بها التعامل معها من بين المعايير التي يقاس بها مدى تحضر الشعوب، والأمم كما أن الاهتمام بها أمر رئيس في أي فكر يسعى إلى فهم أفضل للعالم، ومن ثم يساعد في تغيير هذا العالم نحو الأفضل.

والمرأة السودانية مثلها مثل نظيراتها في باقي الدول العربية نجحت في تحقيق بعض المكتسبات على مدى الفترات، والأنظمة السابقة إلا أنها ترى أن ذلك غير كاف، وتناضل من أجل الحصول على مكتسبات أكثر، وأكبر، وأوضاع أفضل لاسيما في المجال السياسي في مجتمعاتنا التي غالبا ما تسيطر عليها النزعة الذكورية.

ومنذ بداية أربعينيات القرن الماضي، انضمت السودانيات للنقابات مثل نقابة العاملين بالتمريض واتحاد المدرسات ما أعد سندا جديدا للحركة الوطنية لقيادة الصراع من أجل مطالب النساء، وكانت هناك أربع طالبات داخل جامعة الخرطوم يشاركن اتحاد الطلاب نشاطه السياسي في إطار القوي الوطنية السودانية.

وتم إنشاء الاتحاد النسائي السوداني في العام 1952، والذي يعد بمثابة فتح جديد في العمل النسائي، وحدث تحول ملحوظ نحو اهتمام الحركة النسائية بالقضايا العاجلة، والحقوق التي تهم النساء فكان لقيادات العمل النسائي، واللاتي كن أعضاء بالحزب الشيوعي السوداني، القدر الأكبر في قيادة العمل النسائي السياسي من أجل الحقوق، والمطالبة بها، ودعم ذلك تصاعد النضال الوطني، والفهم المتقدم للمثقفين الوطنيين لحقيقة قضايا المرأة، ومدى ارتباطها بقضايا الوطن.

وطالبت المرأة بحقوقها السياسية قبل الاستقلال عند انتخابات الجمعية التشريعية في عام 1954 ، وبعد الاستقلال في عام 1956، نالت المرأة عددا من الحقوق كان أبرزها المساواة في الأجر مع الرجل، وتوسيع فرص العمل في الخدمة المدنية وصيانة حقوق الأم العاملة.

وبعد ثورة أكتوبر 1964 شهد السودان دخول أول امرأة إلى البرلمان عن دوائر الخريجين وهي فاطمة أحمد إبراهيم العام 1965 وفي مايو 1969 تم تعيين أول وزيرة تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية، وصدر أول دستور سوداني يهتم بالحقوق العملية والسياسية والاجتماعية للمرأة كونها كائنا مستقلا لها حقوق، وعليها واجبات، بالإضافة لمساواتها مع بقية مواطني الدولة في الحقوق، والواجبات السياسية، والمدنية، والحريات.

وفي أبريل 1985 تكون أول مجلس انتقالي يحكم البلاد، بقيادة المشير سوار الذهب، ولكن لم تحظ المرأة سياسيا بشىء يذكر، إلا أن دستور الفترة الانتقالية أقر حق المساواة، وفرص العمل، والكسب، ولكنه لم يطور كثيرا الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية للمرأة، بل لم يدرج العمل بالمواثيق الدولية المصادق عليها من قبل الدولة.

أما في الفترة من 1985 إلى 1989 فقد وصلت المرأة إلى عضوية المكتب السياسي، ورئيس قطاعات في حزب الأمة، وتم إنشاء أمانة شؤون المرأة العام 1990، وضمت أمانات المؤتمر المتخصصة، وهي أمانة تختص ببناء المرأة بالمؤتمر الوطني وتنظيمها، ومعالجة قضايا المرأة، وإشراكها في العمل العام، وفي العام 2011 تولت السيدة سامية أحمد محمد منصب نائب رئيس البرلمان، كما تولت المرأة في ذات الفترة رئاسة لجان مهمة في البرلمان مثل التشريعات والعدل.

إلا أن ذلك كله لم يلب طموحها وحلمها في المشاركة بشكل أفضل والذي حالت عدة عوائق دون تحقيقه مثل العادات والتقاليد.

من جانبها قالت الدكتورة نهى النقر المدربة في التمكين السياسي والحاصلة على مجاستير في دراسات بعنوان “النوع الحكومة ” –في مقابلة خاصة مع موفدة وكالة انباء الشرق الاوسط الى الخرطوم- إن المرأة السودانية من اوائل النساء في العالم العربي التي نالت حقوقها مثل حق التصويت في الانتخابات والمشاركة فيها قبل الكثير من مثيلاتها في العالم العربي الا ان الحركة النسوية شهدت تراجعا في بعض الفترات مقارنة بمكتسبات الماضي لكنها استدركت ذلك الوضع وهي تعمل جاهدة على اصلاحه وهي على قدر كبير من المسئولية والنضج.

وردا على سؤال بشأن المعوقات التي تحول دون تولي المرأة في السودان مناصب سياسية وقيادية اكبر وما هو السبيل لتجاوزها قالت النقر إن النزعة الذكورية للاسف لازالت تمثل مشكلة في مجتمعنا والنظرة الى المرأة باعتبارها كائن من الدرجة الثانية لا مكان له سوى المنزل يؤثر على ثقتها بنفسها رغم أنها في غالبية الاحيان تتولى القدر الاكبر من الاعباء والمسئوليات. وأضافت أنه تم تخصيص كوتا للمرأة في الانتخابات الاخيرة بلغت 30 بالمائة لضمان المشاركة السياسية لها ومن المفترض ان تكون في الجهات التنفيذية الا أن ذلك لم يتحقق فعليا رغم أن الدستور يكفل ذلك لها الا أنه على أرض الواقع لم يتحقق ولكننا لن نيأس ومازلنا نناضل من أجل الحصول على حقوقنا.

وأشارت النقر الى أن الرجال يسيطرون بشكل اكبر على الاحزاب السياسية وكثيرا ما يكون تمثيل المرأة غير حقيقي والكوادر غير مؤهلة باستثناء احزاب قليلة مثل حزب المؤتمر فهو الاقوى تمثيلا للمرأة نظرا لتواجده منذ سنوات على الساحة السياسية.

وحول طموحات المرأة السودانية على المستوى السياسي مستقبلا، أوضحت النقر أن هناك أصواتا تطالب بتمثيل برلماني بنسبة 50 بالمائة للمرأة (كوتة)، وبعض الرجال المثقفين يؤيدون هذه الفكرة، ولكن ليس الغالبية بطبيعة الحال، كما نهدف إلى عدالة اجتماعية، ومساواة بين الأفراد على أساس القدرات، والتنافس الشريف، وليس التصنيف على أساس الجنس..مشيرة إلى أنه حتى وقتنا هذا فكثير ما يتم رفض قبول النساء في بعض الوظائف رغم تأهيلهن لها في حين أن الدستور يكفل ذلك إلا أنه في بعض الأحيان لا ينفذ فعليا على أرض الواقع.

وعلى الرغم من وجود 132 سيدة في المجلس التشريعي الحالي، ووزيرتين بالحكومة السودانية الحالية، لا يزال أمام رائدات العمل النسائي بالسودان الكثير من العمل لتجاوز التحديات التي تواجه المرأة كي تتبوأ مكانة أفضل على الصعيد السياسي.