تشهد ثلاث دول كبرى في قارة أمريكا الجنوبية، سلاسل من الاحتجاجات الشعبية ضد حكوماتها وسط اتهامات بفساد السلطات ومطالبات جماهيرية بتغيير رؤوس السلطة في كل بلد، ولعل تلك الموجات التي تلطم الدول الثلاث الأكبر في القارة اللاتينية أشبه بموجات مد وجزر عاتية ضربت منذ 5 سنوات دولاً عربية وأطاحت بحكام وأنظمة جثموا سنوات فوق صدور شعوبهم بعد انتفاضات شعبية انطلقت من أصغر الدول مساحة في الشمال على الساحل الأفريقي حيث تونس ومنها إلي مصر وليبيا وغيرها من الدول.

ولكن الموجات اللاطمة هذه المرة ورياح التغيير تهب من أكبر دولة في قارة أمريكا الجنوبية وهي البرازيل، التي عزل المواطنون فيها الرئيسة ديلما روسيف من منصبها على خلفية اتهامات بالفساد، وبعدها بأيام تنتقل الانتفاضة في شكل مسيرات حاشدة إلى فنزويلا ومنها إلى الأرجنتين.

بدأ المشهد المضطرب في البرازيل، حيث صوت مجلس الشيوخ البرازيلي لصالح عزل الرئيسة ديلما روسيف من منصبها بأغلبية 60 صوتًا إلى 20، وهو النصاب القانوني للموافقة على القرار (الثلثين)، ليتولى نائبها، ميشيل تامر، اللبناني الأصل الملقب بـ"صانع الرؤساء"، لأنه ساعد على تشكيل تحالفات مع جميع الرؤساء خلال عقدين من الزمن، مهام الرئاسة.

واتهمت روسيف بالفساد والتلاعب في الميزانية بشكل غير مشروع لإخفاء العجز المتنامي، ولكنها رفضت تلك الاتهامات وقالت إنها ذات "دوافع سياسية"، وسيجري تصويت منفصل بشأن ما إذا كانت روسيف ستمنع من تقلد مناصب عامة لمدة 8 سنوات.

ووصفت وسائل الإعلام الجلسة بأنها "يوم الحساب" لروسيف، وقام رئيس المحكمة العليا ريتشارد ليفاندوفسكي، الذي أدار المناقشات، بقراءة تقرير يلخص الاجراءات قبل التصويت الإلكتروني.

وتولت روسيف الرئاسة، في يناير 2011، لصبح أول امراة تتولي الحكم في دولة عانت من الانقلابات العسكري، وبدأت ولايتها الثانية في الرئاسة في 2015، واشتهرت بأنها أحد رموز الثورة في البرازيل، حيث أنها شيوعية سابقة حملت السلاح إبان الحكم الديكتاتورى خلال أعوام الستينيات من القرن العشرين، وتعرضت للتعذيب مرارا بالصدمات الكهربائية، وحكم عليها بالسجن 3 سنوات بعد اتهامها بـ"الانتماء للثوار"، وأصبحت بشعرها القصير ونظارتها ذات العدسات السميكة من أبرز المطلوبين للنظام الديكتاتورى، وشبهها بعض الماركسيون بـالمناضلة الفرنسية الشهيرة جان دارك البرازيل، وخلال فترة ترشحها للرئاسة حملت شعار «نعم المرأة تستطيع» المستوحي من شعار حملة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الشهير "نعم نستطيع"، ووعدت بأن نساء أخريات سيخلفنها على هذا المنصب، وبدأ قادة المعارضة العمل على إنهاء الحكم الاشتراكي الذي استمر منذ 2003.

وفي نهاية 2015، فعل رئيس مجلس النواب الإجراء الدستوري لإقصاء روسيف عن الحكم، متهمًا إياها بالتلاعب بالحسابات العامة، وفي مارس الماضي، عمت المظاهرات المدن البرازيلية، تطالبها بالتنحي، وما زاد في غضبهم، محاولتها حماية الرئيس السابق لولا دا سيلفا داعمها الأول، وقد دعته للانضمام الى الحكومة، مع انه كان يخضع لاستجواب الشرطة، لكن الضربة الأقوى التي طالت روسيف جاءت من نائبها ميشال تامر، الذي هو من حزب الحركة الديمقراطية، وبعد أن صوت النواب في 17 إبريل الماضي، على الإطاحة بها في تصويت هو أول خطوة في إجراء الإقصاء الدستوري للرئيسة.

وذكرت صحيفة "استادو دي ساوباولو"، الجمعة، أن الشرطة الاتحادية في البرازيل أوصت بأن يوجه المدعون العامون تهما للولا دا سيلفا بالفساد وغسل الأموال.

وأضافت الصحيفة أن الشرطة الاتحادية في مدينة كوريتيبا في جنوب البلاد تتهم لولا وزوجته بتلقي نحو 2.4 مليون ريال برازيلي (حوالي 750 ألف دولارا) من شركة (أو.إيه.إس) للإنشاءات كجزء من برنامج رشى يتركزحول شركة بتروبراس النفطية الحكومية.

  • فنزويلا

احتشد آلاف الفنزويليين الغاضبون من زيادة نسب الفقر وارتفاع معدل التضخم في العاصمة كاراكاس، الخميس الماضي؛ للمطالبة بإجراء استفتاء على بقاء الرئيس «نيكولاس مادورو» في احتجاج ضخم وصفته الحكومة بأنه منظم من قبل زعماء المعارضة الذين يستهدفون "الاستيلاء على العاصمة.

ووصل المتظاهرون الفنزويليون إلى العاصمة عن طريق حافلات وسيارات وحتى سيرا على الأقدام من جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك ولاية جنوب الأمازون، على الحدود مع البرازيل، والولايات الشرقية على ساحل المحيط الأطلسي، وغرب الأنديز، وفق تقرير نشره موقع «إيه بي سي نيوز» الأمريكي.

وقال زعماء المعارضة، من خلال ائتلاف متنوع الأيديولوجيات من قبل الأطراف التي تهدف إلى تغيير الحكومة الحالية، بانهم يتوقعون بأن أكثر من مليون شخص قد حضروا الفعالية التي انطلقت اليوم للتظاهر من أجل تغيير الأوضاع التي يعاني منها المواطنون

وقد شهدت العاصمة الفنزويلية العديد من التجمعات الصغيرة لمتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، ما يجعل فعالية الاحتجاج اليوم هي أكبر مظاهرة قادتها المعارضة خلال عامين .

وفي عام 2014، طالب أنصار المعارضة باستقالة «مادورو» الاشتراكي بعد أسابيع من المظاهرات التي انتهت بمقتل 43 شخصا، وعشرات الجرحى و اعتقال عدد من قادة المعارضة.

ولكن هذه المظاهرة قد تتحول إلى مشهد من مشاهد العنف، مع قوات الأمن الموالية للحكومة من ضباط الحرس الوطني والميليشيات التي تجوب الشوارع، باسلحة الغاز المسيل للدموع، وفقا لتقارير صحفية نشرتها عدد من وسائل الإعلام في كاراكاس.

كما أجرى متظاهرون فنزويليون اتصالا مع شبكة «ايه بي سي نيوز» الأمريكية أفادوا فيه بأن قوات الحرس الوطني في البلاد منعت بالفعل وصول المظاهرة في المدينة إلى عدة أنحاء.

وقال زعيم حزب الحكومة البارزين، ديوسدادو كابيلو، إن المتعاطفين مع الحكومة سيمنعون من الدخول إلى المدينة.

ودعا منظمو المعارضة المتظاهرين للتجمع سلميا، ولكن «مادورو» وقادة حكوميين آخرين وصثفوا الإجراء المتبع من قبل المعارضة بانتقاد حكمه بأنه محاولة انقلاب مدبرة من قبل الولايات المتحدة؛ بالتعاون مع رئيس المعارضة بإغراق الدولة في "حرب اقتصادية" خطط لها، زاعما بأن الحكومة الأمريكية هي سبب العديد من المشاكل في البلاد.

كما اتهم الرئيس الفنزويلي المعارضة بمحاولة اسقاط الحكومة الشرعية في كاركاس- منذ أن هزم زعيم المعارضة «هنريك كابريلس» في الانتخابات الرئاسية عام 2013، بعد وفاة الرئيس هوغو شافيز.

وحذر «مادورو» من عواقب ثبوت محاولة أي شخص يخطط للانقلاب ضد حكومته.

ويركز موقع إبه بي سي الأمريكي، خلال هذا الأسبوع فقط، على عدة إجراءات اتخذها مادورو لتحجيم عمل المعارضة ضد نظامه بأن نقل عمدة المعارضة السابقة بعد اعتقاله في أعقاب احتجاج 2014 من الإقامة الجبرية إلى سجن عسكري، كما تم القبض على اثنين من قادة شباب المعارضة منذ أكثر من عامين.

كما تم اعتقال رئيس بلدية المعارضة الحالية في الدولة المركزية «آراغوا» وكذلك 11 من قادة الشباب المعارضين في الولاية الشرقية من انزواتيجي.

ويأتي احتجاج الخميس، في الأول من سبتمبر الجاري، بسبب الصراع الناشئ في الدولة الغنية بالنفط والتي يعاني مواطنوها من ضائقة مالية في مواجهة انخفاض أسعار النفط.

ووقف الفنزويليون في طوابير لمدة تصل إلى 35 ساعة في الأسبوع؛ لشراء المواد الغذائية الشحيحة كما أن المستشفيات ضاقت بالمرضى بعد نقص الموارد.

ويقدر البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي عام 2016 انخفض بنسبة أكثر من 10 %.

ويقول صندوق النقد الدولي أن التضخم في البلاد وصل إلى 500 % هذا العام.

وتعاني فنزويلا تعاني من نقص نحو 80 % من أنواع مختلفة من السلع، وفقا لشركة الاقتراع المحلية.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد أعرب مؤخرًا عن قلقه العميق إزاء ما وصفه بـ "أزمة إنسانية" في فنزويلا، حيث أرجع السبب وراء ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي.

من جانبه، نفى سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة رافييل راميريز وجود أزمة إنسانية ببلاده، كما أعلن السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون الأسبوع الماضي.

وقال «راميريز» - حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية، إن التصريحات التي أدلى بها بان كي مون في هذا الشأن "خاطئة"، متعجبا من مصدر معلومات السكرتير العام للأمم المتحدة.

ويشار إلى أن فنزويلا تشهد أزمة اقتصادية خانقة إثر انهيار أسعار النفط التي تشكل 90 في المائة من دخل البلاد، وطالت الأزمة المواد الغذائية التي تستوردها فنزويلا من الخارج.

وتحولت الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية أيضا، إذ تطالب المعارضة بإقالة الرئيس نيكولاس مادورو لاتهامه بالمسئولية عن تدهور الأوضاع.

  • الأرجنتين :
وفي عاصمتهم، بيونيس آيرس، احتشد الآلاف من الأرجنتينيين من خمس محافظات مختلفة؛ للاحتجاج على السياسة الاجتماعية للحكومة، وفق ما ذكرته وسائل اعلام لاتينية في الدولة.

وكان عدد من الحركات الاجتماعية الأرجنتينية والنقابات العمالية قادوا ما أسموه بمسيرة احتجاجية ضد السياسة الاجتماعية التي سنها الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري، وطالب بتنفيذها من أجل جلب مجموعة من أنصاره إلى عاصمة البلاد.

وذكرت قناة تلفزيونية أرجنتينية، مساء أمس الجمعة، أن حوالي 200 ألف شخص من جميع انحاء البلاد قد وصلوا إلى ميدان «بلازا دي مايو» وهو الميدان الرئيسي في بوينس آيرس.

وأضافت محطة التلفزة أن المحتجين طالبوا حكومة البلاد يبمراجعة السياسة الاجتماعية وتنفيذ الاتفاقات الموقعة بالفعل مع المتظاهرين.

وكان الرئيس «ماكري» قد انتخبه الأرجنتينيون في ديسمبر عام 2015، ومنذ ذلك الحين، وبوينس آيرس كانت قد قطعت البرامج الاجتماعية الداعمة للجمهور الأرجنتيني وكذلك قلصت من برامج الإنفاق الحكومي.

وأدت التدابير الحكومية أيضا في ازدياد معدلات البطالة وارتفاع قيم التعريفات الجمركية في جميع أنحاء البلاد.