في البداية وصفوها بانقلاب عسكري، إلا أنه أطلق عليها فيما بعد “ثورة الفاتح من سبتمبر”، التي أودت بحياة حُكم المملكة الليبية، وأعلنت قيام “الجمهورية العربية الليبية”.
ففي الأول من سبتمبر 1969 ، قام الرئيس الراحل معمر القذافي بانقلاب عسكري أبيض على الملك محمد إدريس السنوسي واستولي على السلطة في ليبيا فيما عرف باسم “ثورة الفاتح من سبتمبر”.
كلمة السر
كانت كلمة السر لتفجير الثورة هي “القدس” ، ما له بالغ الدلالة على اعتبار قائد الثورة، وكل الضباط الوحدويّين الأحرار القضية الفلسطينية هي محض تركيزهم واهتمامهم وولائهم.
وفي اليوم الأول من أيلول/سبتمبر عام 1969 تمت السيطرة التامة على كافة شئون البلاد، وانتصرت الثورة، وذاع قائد الثورة الرئيس الراحل معمر القذافي البيان الأول للثورة.
وكان ملك ليبيا إدريس السنوسي خارج ليبية عند قيام الثورة، ولذا تم كل شيء بهدوء وبلا صعوبات أو مقاومة حقيقية، ونادت الثورة بمقاومة الفساد والتمسك بالقيم والمبادئ والوحدة، ولقيت تأييداً كما لقيت معارضة.

وجرى تنظيم العمل وقيام المؤسسات ، خلال شهر بعد قيام الثورة، وتشكَّلت حكومة ومجلس ثورة ومجلس وزراء ومخابرات عامة، واستبدل فيما بعد أسماء الوزارات بأسماء أمانات شعبية عامة كون الذين يديرون البلد ليسوا حكومة (تقليدية)، واتخذت الثورة مدينة بنغازي، التي لُقبت بمدينة “البيان الأول”، مقراً لها، وتمَّ إعلان الدستور.
”الضباط الوحدويين”
وتشكلت حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول معمر القذافي وقامت بالزحف على مدينة بنغازي لتحتل مبنى الإذاعة و تحاصر القصر الملكي بقيادة الضابط الخويلدي محمد الحميدي لتستولي على السلطة في الأول من سبتمبر عام 1969 م، وسارع ولي العهد وممثل الملك بالتنازل عن الحكم حيث كان الملك محمد إدريس السنوسي خارج البلاد في رحلة لتلقي العلاج في تركيا.
وقام القذافي بإجلاء القواعد الأمريكية والإنجليزية عن ليبيا ، وأصدر قانونا يمنع تناول الخمور وبيوت الدعارة كما قام بإلغاء الدستور الليبي وليعلن اعلان دستوري ألغاه لاحقا لتظل البلاد بلا دستور ينظمها طوال فترة حكمه كما قام بشل الحياة السياسية التي كانت قائمة بما فيها الأحزاب والمنظمات والجمعيات والصحافة الحرة، وأراد العمل على تطبيق فريضة الزكاة، لكنه فشل، كما حاول القذافي العمل على الوحدة العربية وباءت كل محاولاته الاندماجية بالفشل في دمج ليبيا مع مصر وتونس، واستحدث تأريخا خاصا بدولته يخالف ما تعارف عليه المسلمون منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حيث رأى القذافي أن يؤرخ بدأ من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس من الهجرة النبوية.
وعلى الصعيد الدولي تدخل القذافي في الشؤون الداخلية لعدة دول فساند “ثورة المسلمين” في تشاد ضد حكم الأقلية المسيحية التي أقامها الفرنسيون بزعامة فرنسوا توم بالباي، وساند المسلمين في جنوب الفليبين مساندة قوية، وكانت طرابلس مقرا للمفاوضات التي دارت بين الحكومة الفليبينية والمسلمين عام 1976 م والتي انتهت بإعطاء ولايات الجنوب حكما ذاتيا، وساند الديكتاتور عيدي أمين في أوغندا، وأيد باكستان في نزاعها ضد الهند سنة 1971، كما كان رافضا لاستقلال بنغلاديش.
وثق القذافي علاقاته بالاتحاد السوفيتي في عام 1974 م بعد زيارة عبد السلام جلود الرجل الثاني في النظام الليبي لموسكو وتوقيعه اتفاقيات صداقة وتسليح، وفي 2 مارس عام 1977 م “استقال” القذافي من كل مناصبه الرسمية وتفرغ “لقيادة الثورة في ليبيا” التي هي في الأصل رئاسة الدولة.
أول منشور للثورة
صدر المنشور السري الأول للثورة، في يناير من العام 1969، وقد كتبه القذافي في معسكر قار يونس بمدينة بنغازي، لمعرفة ما إذا كان الضباط الوحدويّون الأحرار يستطيعون السيطرة على جميع وحدات القوات المسلَّحة والقيام بعملية مسح للقوات والأفراد والذخيرة الواجب توافرها لتفجير الثورة.
عقد الاتفاق على أن يكون يوم 24 آذار/ مارس في العام 1969، موعدًا لتفجير الثورة، لكن قرار سفر الملك المفاجئ إلى مقر إقامته في طبرق دفع الضباط الوحدويّين الأحرار إلى تغيير خطَّطهم، على الرغم من أن بعض الوحدات بدأت تستعد للتحرُّك.
تم تأجيل الموعد إلى أجل غير مُسمّى ؛ تقرَّر بعدها القبض على قائد الثورة من قِبل سلطات العهد الفائت، لكن مشيئة الله حالت دون تنفيذه.
وفى 13 أغسطس عام 1969 قرَّرت قيادة الجيش عقد اجتماع عسكري تحضره كل القيادات الكبيرة، ومعظم ضباط وحدات الجيش في منطقة بنغازي، ليشرح مدير التدريب آنذاك لهؤلاء الضباط الوحدويّين الأحرار أهمية نظام الدفاع الجوي الذي صمَّمه الانجليز، ووافق عملائهم في ليبيا على شرائه.
كان هذا الاجتماع في مسرح الكليَّة العسكريَّة في بنغازي، وعقدت اللجنة المركزيَّة لحركة الضباط الوحدويّين الأحرار اجتماعًا قرَّرت فيه تفجير الثورة يوم 13 أغسطس، بأن يتم اعتقال كافة الضباط ذوى الرتب الكبيرة. ونظرًا لأن بعض أعضاء التنظيم، وخاصة مجموعة طرابلس لم يتمكَّنوا في هذا الوقت القصير من تبين صورة الوضع الذي هم فيه من حيث السيطرة وعدمها على وحدات طرابلس؛ لذا تقرَّر تأجيل الحركة إلى موعد آخر في الساعات الأخيرة، وقد حدَّدت اللجنة المركزيَّة موعد آخر لتفجير الثورة، هو الفاتح من أيلول/سبتمبر 1969م، الموافق 19 جمادى الآخرة 1398هـ ، لأن قيادة الجيش كانت على وشك إرسال دفعات أخرى من الضباط من بينهم ضباط وحدويّين أحرار للتدريب في الخارج.
وضعت الخطة على أساس الاستيلاء على الإذاعة، وعلى معسكرات الجيش، والقوة المتحرِّكة، ومحاصرة القواعد الأجنبية الجاثمة فوق الأرض الليبية، والقبض على كبار المسئولين السابقين من العهد البائد، والسيطرة على بقية المدن المهمة.
بداية شعبية
أكد عبد السلام جلّود الرجل الثاني في نظام معمّر القذّافي سابقاً أن القذافي كان في سريره بعيداً عن مناطق الصراع وقت نجاح ثورة “الفاتح من سبتمبر”، مشدداً على أن الثورة بدأت شعبية، لكن القذافي أصر على تحويلها إلى عسكرية.
وأوضح جلود أنه يتذكر كيف أن القذافي ذهب إلى بيته ليلة انقلاب “الفاتح من سبتمبر”، حيث تظاهر بأنه خارج مع الضبّاط لكنه عاد إلى سريره، وهو ما أخر إذاعة بيان “ثورة الفاتح” لساعات حتى حضوره للساحة.
وحكى أنه بعد احتلال قوّة من الجيش معسكر الثوار عرض العسكر على القذّافي الاستيلاء على مدرّعاتها ومعه 49 جندياً بلا ذخائر، وكذلك فعلوا، وكان معمّر القذّافي حينها في بنغازي.
وكشف أن الشعب الليبي كان جاهزاً لـ”ثورة الفاتح من سبتمبر” ورفض قرار منع التجوّل الذي كان مفروضا في ذلك التوقيت.
وأكد جلّود أنهم في البداية كانوا يخطّطون لثورة مدنية تنطلق من الجامعات لكن القذّافي أرادها عسكرية، مبينا أنه رفض الانضمام إلى الجيش لكنه قبل لاحقاً بسبب إلحاح القذّافي عليه.