- "ابتسام " الاول أصابها باكتئاب حاد والثانى استغل مرضها لحرمانها من ابنها

لم تتحمل عقولهن الممارسات والضعوظ التى تعرضن لها على يد أزواجهن فغادرتهن بلا عودة، لكن تركت لهن الذكريات المؤلمة التى توقفت عندها حياتهن وأسماء جلاديهن وراويات وشائعات تطاردهن أينما تولين وجوهن، فوزية، أحلام، ابتسام هى مجرد أسماء لزوجات أصبن بأمراض نفسية أوعقلية جراء خلافات أسرية وضغوط مجتمعية ، ويوجد من أمثالهن الكثيرات لكنها أسماءتعكس فى النهاية معاناة الزوجات قبل وبعد الإنفصال، وهذا ماكشفت عنه دراسة حديثة صادرة عن محاكم الأسرة حيث أكدت أن 50 ٪ من الزوجات يعانين من مشكلات نفسية بعد الإنفصال و15%يعانين من مشاكل أسرية،و20% تعثرن مادية بعد اﻻنفصال و10%دمرت أسرهم بسبب مشاكل الطلاق، و5%منهن أصبن بمشاكل صحية بسبب الخلافات الزوجية.

الدراسة التى تم إجراؤها على عينة عشوائية من المترددات على محاكم الأسرة بينت وأن 6%من حاﻻت اﻻنفصال وقعت بسبب تنافر الطباع بين الزوجين و7%بسبب تدخل الاقارب ،اما الغيرة والشك فتسببت فى 5%من حاﻻت الطﻻق، و 9% كان نتيجة الاختلاف في الميول والاتجاهات الفكرية والمستوى العلمي بين الزوجين، وواصلت الدراسة الحديث عن أسباب الطلاق وقالت إن عمل المرأة وشعورها بالاستقلال،وعدم التبعية تسبب فى 7%من حاﻻت اﻻنفصال أما حدة الزوجة في التعامل فتسبب فى 8% و 9% كان بسبب سوء الاختيار ، و10% كان بسبب الخﻻفات المادية ، أما الخيانة فكانت السبب الرئيسى فى 9%من حاﻻت الطلاق و10 %كان بسبب انشغال الزوجة وعدم اهتمامها باسرتها بالاسرة ، أما تمردها فتسبب فى 20%من الخلافات الأسرية

"سارقة الأختام"

25 عاما قضتها "فوزية" أو"سارقة الأختام" كما يلقبونها داخل محكمة الأسرة بزنانيرى تنتقل بجسدها الضئيل وملابسها الرثة وحذائها المنبرى نعله بين أروقة ومكاتب المحكمة حاملة على أكتافها حقائب بلاستيكية تكاد تتشقق من كثرة ما بها من أوراق بيضاء مهترئة، تلتقط كل مايقابلها من ورقيات ملقاة على أرضيات المحكمة المتسخة أوغارقة فى تلال القمامة المنتشرة بين جنباتها وعلى درجات سلمها المتهالك وتحتفظ بها، اذا اقتربت منها ستقابلك بابتسامتها التى لاتغادر ثغرها دوما، واذا سألتها عن حكايتها فلن تتذكر منها سوى المكيدة التى نصبها لها زوجها واتهامها بالسرقة وابنها الذى حرمها منه وقضية الطلاق التى فقدت أوراقها والزلزال الذى خسف ببيتها الأرض وجعلها شريدة تتخذ من الأرصفة ملاذا ومستقرا لها، وأخواتها الذين تخلوا عنها وتركوها تبات ليلها فى الشوارع وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظات.

"فوزية ديه متعلمة وبنت ناس ميغروكيش شكلها دلوقتى.. ديه الزمن جار عليها زى كتير"هذا ما قاله موظفو محكمة الأسرة بزنانيرى عن السيدة الخمسينية التى دائما ما تحرص على تزيين عنقها بوشاح حريرى وردى اللون لم يقلل من جماله ماعلق به أوساخ وتطوق رأسها بعصبة بيضاء تطل منها شعيرات تفضح ما أصابها من شيب فى بداية حديثهم لـ"صدى البلد"، مؤكدين أن زوجها هو السبب الرئيسى فى فقدانها لعقلها بعد أن سجنها - حسب روايتهم- وحرمها من ابنها الوحيد: "جوزها هو السبب فى كل الى حصلها لفق لها قضية وسجنها وحرمها من ابنها الوحيد وكل ده علشان ينتقم منها لأنها رفعت ضده قضية طلاق لأنه كان خاين وطماع".

أشقاء السيدة الخمسينية كان لهم دور أيضا فيما حدث لها حسب رواية المحيطين بها: "أخواتها كمان اتخلوا عنها ومضوها على أوراق تنازل عن حقها فى الميراث وأما بيتها وقع فى زلزال التسعينيات وخسرت كل حاجة ولقيت نفسها فى الشارع اتجننت، ومن ساعتها وهى بتيجى هنا تلم كل ورقة تقابلها، وتدور فى أكوام القمامة وتحتفظ بها فى أكياس بلاستيكية، 25 سنة ماغبتش يوم".

الكثير من الحكايات والشائعات طالت "فوزية"، عم حنفى محمود أقدم حاجب بمحكمة الأسرة بزنانيرى سرد لنا بعضا منها:"بيقولوا عنها أنها ممسوسة مش مجنونة، لأنها بتقعد بالساعات تغنى فى دورات مياه المحكمة ومرات كتير جبناها من جوه وهى بتنزف من رأسها وبتضحك وكأنها مش حاسة بحاجة،"، وتابع:" لكن الكل هنا فى المحكمة بيحبها المستشارين قبل الموظفين، لأنها عمرها ما أذت حد ولا مدت أيدها لحد ولا اتعدت على حد زى باقى المجانين، بالعكس ديه عندها عزة نفس مش عند ناس كتير عاقلين ولو جيتى اديتيها فلوس هترميها فى وشك".

الحاجب الستينى قال عن سبب تلقيب"فوزية" بـ"سارقة الأختام":" الاسم ده طلع عليها لأنها دايما كانت تتسلل إلى مكاتب الموظفين وتسوية المنازعات الأسرية وتسرق الأختام وتقعد تختم بها أوراقها البيضاء وترجع تقدمها تانى على أنها طلب شقة بدل شقتها اللى اتهدت فى الزلزال وناس كتير ضحكت عليها وأوهموها أن مجلس الوزراء هيساعدها وخلوها تبات قدامه"، الرجل الستينى الذى بدا من هيئته أن كل شىء تخلى عنه حتى أسنانه أكد أن لا أحد يعلم أين تبات "سارقة الأختام" ليلها:" محدش يعرف هى ساكنة فين ولا بتصرف منين" .

"حلم أحلام تحول لكابوس"

تقابلك بابتسامة هادئة، وبنبرة متوددة تتحدث إليك، فتجعلك تظن خطأ أن مهمتك ستكون سهلة وأنها ستفتح لك خزائن حكايتها المثيرة طواعية وستسمح لك بالنفاذ إلى أعماق نفسها دون عناء، لتجد نفسك تصطدم فى كلامك معها بمئات المطبات والخطوط الحمراء وتصاب بالحيرة والارتباك وأحيانا الشك، وكلما نجحت فى تخطى عاصفة من عواصف غضبها تتلقاك الآخرى بلطمات أعتى من سابقتها، وتطالك ذرات من الشرر المتطاير من عينيها المزينتين بخطوط سوداء عريضة.

إنها "أحلام" ذات الأربعين ربيعا والتى تتلخص مأساتها فى أنها حلمت يوما بكوشة وفستان فرح وبيت وطفل يحيى روحها بكلمة "ماما" كباقى قريناتها، فسقطت فى شرك رجل "طماع" استغل عطشها لكلمة حانية ولعب على أوتار رغبتها فى الهروب من جحيم لقب "عانس" الذى ظل يلاحقها أينما ولت وجهها، ليستولى على نصيبها فى ميراث والديها وحينما فشل فى الوصول إلى أهدافه تركها معلقة وسافر إلى السعودية دون أن يتمم الزيجة، ولم تجد محاولاتها لإعادة حبيبها إلى حضنها، فانهارت من الصدمة وهاجم المرض النفسى روحها، وتملكها الشعور بالاضطهاد والظلم..

حسب رواية محاميها سامى القويسى:"أحلام هى ضحية لرجل طماع وبلا ضمير، أوهمها بالحب ليستولى على أموالها والشقة التى تركها لها والديها وحينما فشل فى تنفيذ مخططه، هرب منها إلى السعودية بعد أن جعلها توقع على تنازل عن مؤخر صداقها المقدر بـ10 آلاف جنيه وتركها معلقة، فلم تتحمل الصدمة وأصيبت بحالة نفسية وأصبحت تظن أن الجميع يريد الخلاص منها وإيذائها "، المحامى الستينى تمنى أن يهتم أحد بحالة موكلته "أحلام" ويتكفل بعلاجها :" أنا نفسى حد يتبنى حالتها ويعالجها لأن هى مالهاش حد ولاسند ولامورد".

أما"أحلام" خريجة كلية الإعلام فقد استهلت رواية تفاصيل حكايتها لـ"صدى البلد" والتى تعود أحداثها إلى قبل عامين تقريبا بنبرة غاضبة:" أنا مش مجنونة زى ما الناس بتقول عنى ولا محتاجة علاج ولامصحة نفسية، أنا كل إلى عايزاه أن الخلق يسبونى فى حالى وبيطلوا يطاردونى ويتكلموا عليا"، تتزايد نبرة الحدة والغضب فى صوت السيدة الأربعينية وهى تكمل حديثها:" أنا كان كل حلمى إنى أبقى عروسة زى بقية البنات ألبس فستان فرح وأقعد فى الكوشة، ويبقالى بيت وزوج وطفل يشيلنى أما أكبر، كنت بشوف كل اللى حواليا بيتجوزوا وأنا محلك سر والعمر بيجرى بيا، كنت بدبح كل يوم وأنا بشوف القهر فى عينى أمى وخوفها عليا من الوحدة وأنا سنى بيقرب على الـ 40 ، وكنت بستحمل ألسنة الناس اللى مبترحمش العانس اللى زيي، لحد ماقابلته فى المدرسة اللى كنت بشتغل فيها، اتغيرت حياتى وافتكرت إنى خلاص هخلص من إحساسى بالنقص ولقب عانس، وبقيت أخرج معاه ما أنا كان لازم أعرفه كويس قبل مانتزوج حقى، أنا معملتش حاجة غلط ".

تضع "أحلام" يدها على بطنها البارزة من ملابسها السوداء الرثة التى تشبه ملابس الحداد وهى تتحدث عن حلم الإنجاب:"لكنه ضحك عليا وهرب إلى السعودية بعد مامضانى على تنازل عن 10 آلاف جنيه مؤخرى، بقيت أكلمه علشان يرجع ويتمم الجواز، وأجيب الطفل اليى بحلم بيه، هو مش من حقى ولا أيه، لكن فى كل مرة كان بيتهرب منى، كان يقولى ظروفى مش مساعدة وبعدين اختفى خالص، فقررت أرفع قضية خلع بمحكمة الأسرة بزنانيرى وأخلص منه، وألحق أجيب الولد اللى نفسى فيه"، تستمر السيدة فى استكمال روايتها وهى تتحسس حجابها الحريرى الذى يفضح شعرها الأشعت:" أما هو حاله دايما واقف ليه ارتبط بيا وساب الناس تقطع فى سيرتى وتطمع فيا، انا عارفة انه كان عينه على شقتى زى كتير، منه لله كسرنى".

"حبس انفرادى"

بين موجات الزحام المتلاطمة ، جلست "ابتسام" صاحبة الـ33 ربيعا، إلى جوار أمها العجوز، تتصفح وجوه العابرين بعين زائعة، قلقة، مملوءة بالشوق لرؤية صغيريها الذى لم تحتضنه منذ عام – بحسب روايتها- بسبب والده الذى استغل مرضها النفسى وتزوجها كى تنجب له طفلا يهديه إلى زوجته العاقر، ثم ألقاهها فى الشارع بعدما فرغت من مهمتها وحرمها من الصغير وليدها.

تقول الزوجة الثلاثينية فى بداية حديثها لـ"صدى البلد":"تزوجت لأول مرة من رجل لاتعرف الرحمة طريقا إلى قلبه، كان يعذبنى ويوجه لجسدى اللكمات والضربات بسبب وبدون سبب، ويكسرعظامى ويقطع جسدى بلا هوادة ، لم تستمر حياتى معه طويلا، وانفصلت عنه بعد 3 شهورفقط من الزواج ، لأغرق بعدها فى دوات الوحدة والخوف ، وأسقط فريسة للاكتئاب الحاد، واضطر إلى التردد على عيادة طبيب أمراض نفسية وعصبية كى يرحمنى من التفكير الدائم فى الانتحار، ويعيد لى الرغبة فى الحياة "

تواصل "ابتسام" روايتها بنبرة وهنة:"مرت 5 سنوات، وأنا أعيش فى عزلة عن العالمين، واتمنى الموت فى كل لحظة حتى ارتاح من ألسنتهم التى لاترحم من حملت يوما لقب مطلقة، ومن نظرةالإنكسارالتى كنت ألمحها فى عين أهلى كل يوم، وأزيح عن صدورهم الخوف على من المستقبل، وأننى أظل طوال عمرى بلا رجل، فمن ذا الذى سيرتبط بامرأة فى مثل ظروفى، مطلقة، وتعانى من مرض نفسى، ومن أسرة فقيرة، وحظها من الجمال ليس وفيرا حتى تقدم زوجى الثانى لخطبتى ، ودب الأمل فى قلوبهم من جديد".

يسيطر الفزع على ملامح الزوجة الثلاثينية وهى تتحدث عن زواجها الثانى :"كان يعمل موظف حكوميا، يبلغ من العمر 45 عاما، ومتزوج من سيدة عاقر منذ15عاما، وقبل أن أتزوج به، وانتقل للعيش معه فى شقة بجوار ضرتى، صارحته بطبيعة مرضى النفسى، وقائمة المهدئات التى ابتلعها يوميا، فلم يبداعتراضا ، ولم يول منى فرارا، بل أقسم لى بأنه سيظل إلى جوارى حتى أخرج من أزمتى، ولم يخطر ببالى أن قبوله كان لغرض فى نفسه، فقد كان ينتوى أن يلقى بى فى الشارع بمجرد أن أفرغ من مهمتى بانجاب له طفلا يحمل اسمه بعد سنوات من الصبر كى يعطيه لزوجته لتتولى هى تربيته، وإذا فكرت فى الإعتراض أو المطالبة بحضانة صغيرى يستغل مرضى النفسى، ويحرمنى منه بحكم القانون".

تتابع الزوجة الثلاثينية حكايتها بصوت خافت وكأنها تتحدث لنفسها وتلومها:" وللأسف أنا كالبلهاء صدقت وعوده الزائفة وقسمه الكاذب ، وكيف لى ألا أصدقه ، أليس هذا هو الرجل الذى قالوا عنه أنه رجل تقى ورع، منخدعين بكلامه الذى لايخلو من ذكر الله، وعلامه السجود تعلو جبينه العريض، والمسبحة التى تلازمه كظله، أليس هذا هو الرجل الذى أقسم أن يعدل بين امرأتيه، وبمجرد أن أغلق عليهما باب واحد حتى تركها، وصار يقضى معظم وقته مع زوجته الأولى، ولم يعد يتذكرها إلا فى آخر الليل حينما يهاجمه حلمه فى الإنجاب، تستدرك الزوجة:"وحتى عندما نال مراده ، وحقق حلمه، سجنها فى غرفة ، وقطع عنها وسائل الإتصال بأهلها، ولم تعد ترى وليدها إلا لدقائق معدودة تسقيه فيها من لبنها، ثم ينتزعه من حضنها ثانية، وكلما طالبته بابقائه معها ولو ليوم واحد يقول لها بنبرة حادة:" أخاف عليه لحسن تعملى فيه حاجة"، ثم يدير له ظهرها ويرحل، ولأنها قليلة الحيلة صمت وعاشت شهورحبيسة بين الجدران".

تبتسم الزوجة الثلاثينية نصف ابتسامة وهى تنهى حديثها:" هاجم الشك أمى بعدما طال غيابى عنها، وفشلت فى الإتصال بى، فهرعت إلى بيتى كى تطمئن على حالى، لكنها اصطدمت بألأبواب المغلقة، وبغضب زوجى ورفضه تمكنيها من رؤيتى، لكنها لم تستسلم وأصرت على أن أرحل معها بعدما شعرت بأنه يقتلنى بالبطىء، فاعتدى عليها بالضرب هو وزوجته، وخوفا من المساءلة ألقانى معها فى الشارع، وأبى أن أخذ الصغير معى، وسطت القريب والغريب حتى يسمح لى بأن أرى ابنى، عام وأنا أحاول معه لكن دون جدوى، فطرقت أبواب محكمة الجيزة لشئون الأسرة ، وقدمت طلب لتسليم الصغير لوالدتى حتى لايدفع بورقة مرضى النفسى ويرفض تسليمه لى، كم اشتاق إلى لمس وجهه البرىء!".

"الحجر هو الحل"

مصدر قضائى بمحكمة الأسرة أوضح كيفية التعامل مع الحالات المشابهة لحالة"أحلام" و"فوزية"قائلا:" المدعون التى تشتبه المحكمة فى صحة قواها العقلية والنفسية فى الغالب ماترفض دعواها، لكن البعض قد يلجأ إلى بعض الحيل القانونية للخروج من هذا المأزق، ومن ضمن تلك الحيل رفع دعاوى حجر وتعيين أوصياء يباشرون سير القضايا المنظورة بدلا من المريض، وفى حالة عدم وجود أقارب للحالة المريضة قد تتولى المحكمة مسألة اختيار وصى على المريض النفسى أو العقلى يباشر الدعوى لحين الفصل فيها".