“تذكرة وحيدة للقاهرة ” هى رواية المقهورين و المنكسرين ، هذه الرواية لا تتحدث فقط عن مأساة النوبيين والتهجير المتتالي الذي حدث لهم وإنما تتجاوز ذلك كله لتلقي الضوء على حياة تلك الفئة المهمشة بقلب القاهرة .
وقال الروائى المستشار أشرف العشماوى أنه منحاز للنوبيين ، فقد عاشوا 115 سنة من اﻻضطهاد والقهر ، وعانوا الكثير من العنصرية والطبقية ضدهم فى مجتمعنا مازالت موجودة حتى اليوم ، ولكنهم مع ذلك كانوا مستكينين و لم يخرجوا يوما لمعارضة الدولة فى شئ .
وأشار أنه قلل فى الرواية من مشاهد قسوة التهجير ، فقد كتب عنها أهل النوبة الكثير من البكائيات التى لن يستطيع أن يعبر عنها أحد مثلهم ، ولكنه ركز على ما يعانيه النوبى من اغتراب داخل وطنه .
جاء ذلك خلال حفل توقيع رواية ” تذكرة وحيدة للقاهرة ” بالدار المصرية اللبنانية ، بحضور الروائى مكاوى سعيد ، و وزير الثقافة اﻷسبق الناقد د. جابر عصفور .
قال الكاتب مكاوى سعيد أن ” تذكرة وحيدة للقاهرة ” تظهر تطور الكاتب أشرف العشماوى ، وأعد العمل من “أكمل” ما كتب ، مشيرا أن العشماوي تحلى بجرأة شديدة عندما قرر خوض غمار الكتابة التاريخية، خاصة حينما يكون الحديث متعلقًا بمنطقة النوبة ، ونجح فى أن يقدم رواية معلوماتية وليست سياحية فقط .
ولكنه عاب على الرواية عدم تحدثها عن وجود قبائل مختلفة فى النوبة هم ” الماتوكية” القبائل الشرقية و “يتنوكى ” القبائل الغربية ، و إلى أيهم ينتمى بطل الرواية ” عجيبة سر الختم ” ، وكيف أن بين تلك القبائل اختلافات كبيرة فى الرأى واﻻتجاهات وموقفهم من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، والعداء الشديد بينهم الذى يمنع الزواج من بعضهم .
كما رأى أن الرواية بها تحيز كبير ضد عبد الناصر ، بينما النوبيين بعضهم تقبل السد العالى وكان مؤيد لناصر والبعض اﻵخر كان متحفظ ورافض ، وهذا لا نراه فى الرواية .
رواية ” بيست سيلر”
من جانبه قال د.جابر عصفور أن مردوده عن الرواية إيجابى لأول مرة ، فكان له ملحوظات سلبية من قبل على روايات العشماوى ، وأنها تعد من أنضج ما كتب ، وما يميز الرواية أنها تكشف عن مرحلة مجهولة فى التاريخ ، و تتعرض لأهل النوبة الذين ظلموا مع عمليات التهجير المستمرة بسبب خزان أسوان ، والتعلية الأولى والثانية ، والسد العالى ، وأنه اكتشف ﻷول مرة من خلال رواية العشماوى عن النوبيين الذين تمسكوا بالبقاء فى ارضهم ورفضوا الرحيل ، وماتوا غرقا فى البحيرات .
وتابع : أصيبت بالصدمة ولم أصدق ، ومن حسن الحظ لدى سائق نوبى سألته وأكد لى ما جاء فى الرواية وأكد إعجابه بها فقد انتهى منها فى يوم واحد .
ولفت أن أول مرة يكتب عن النوبة شخص من خارجها بالكثير من التعاطف والمعرفة ، وأثنى على الدقة التاريخية للرواية ، التى تمتد من عهد السلطان فؤاد وحتى عصر السادات وبداية عهد الانفتاح والمشروعات التى أدت لنهب مصر من جديد .
وأشار أن العشماوى أجاد الانتقالات التاريخية فى الرواية ، ورسمه للحوار والشخصيات ،ولكن رأى رسمه لشخصية عجيبة سر الختم عجيب جدا ومن الصعب أن يكون بهذا القدر من البلاهة ، كما أعجب بالتصوير السينمائى فى الرواية
ورأى عصفور أن ما ينقص الرواية وجود المونولوج الداخلى مما يجعل القارئ لا يتعمق فى دواخل الشخصيات ، فلا يستطيع العشماوى أن يجعلنا نتعرف عن قرب على تلك الشخصيات .
ولفت أن الرواية بها تشويق كبير وانتقالات زمنية ومكانية من النوبة للزمالك لسويسرا ، وعالمها ثرى سيجذب القراء لها ، لأنها رواية ناجحة وهامة ، مما يجعلها من روايات “البيست سيلر” وبها توابل و هذا لا يعيبها ، كما أن مشاهدها السينمائية ستجعل المنتجين يغرمون بها .
وختم أن من إعجابه برواية أشرف العشماوى ، لم يحضر الندوة التى كان سيشارك فيها بذكرى نجيب محفوظ بالأعلى للثقافة ، وأكد أن العشماوى من أحفاد نجيب محفوظ .
115 عام من القهر
أما عن مؤلف العمل أشرف العشماوى فقد رد عن وصم عصفور لعجيبة سر الختم بطل روايته بالسذاجة والبلاهة ، بأنه نوبى طيب ومتسامح كأهل النوبة ، فبرغم عمليات التهجير القسرية التى نفذت لأكثر من مرة بظلم فى حق النوبيين ، لم يعترض فيهم أحد وأخذ موقف ضد الدولة ، وقد تعايش معهم عن قرب وعرفهم ، منذ توليه منصب مساعدا لوزير العدالة الانتقالية أثناء رئاسة عدلى منصور ،وعقد جلسات حوار مع أكثر من خمسمئة نوبي في القاهرة وأسوان والنوبة القديمة نفسها، وعاش معهم على مدار أسبوعين فى بيوتهم بالنوبة .
دوّن العشماوي حكاياتهم عن الغرق والتهجير والفقد وبناء السد، وعاد الى أرشيف “الأهرام” ليطّلع على مئات الصحف القديمة التى تحدثت عن التهجير ، و إحداها حوار مع زوج متزوج من امرأتين أحداهما ترغب فى الرحيل و اﻷخرى ترفض ، وبقيت الزوجة الرافضة حتى غرقت فى مياه بحيرة ناصر ، و تلك الحكايات ألهمته الرواية التى لم تتوقف على اضطهاد النوبيين فى أرضهم ، بل إحساس النوبى بالغربة داخل وطنه ، وما يلقاه من تهميش وعنصرية ، ومع ذلك يظل مستكين ولا يسخط ، فهناك 3 مليون نوبى ، منهم مليون و ٨٠٠ ألف نوبى فى القاهرة .
و أشار أنه لم يتحدث عن قبائل النوبة حتى لا تكون الرواية تقريرية ، وبالفعل هناك خلافات حادة بين القبائل ، وكما يعاملهم المجتمع بعنصرية ، تلك القبائل تعامل بعضها بنفس العنصرية ، و قد عبرت عن القبيلة التى ينمى لها عجيبة من خلال مظاهر فرحه ، وهذه النقطة لن يفهمها القارئ العادى بل النوبيين الذين دعونى لأكثر من مرة لمناقشتها معهم فى النادى النوبى .
وعن تحيزه ضد عبد الناصر ، قال أن هذا غير صحيح ، و أنه فقط عبر عن أفكار بطل الرواية الذى رغم مهاجمته لناصر لكنه تعاطف معه عندما مات ، كما أن هناك شخصية فى الرواية تتخذ الجانب اﻵخر وتدافع عن أفكار ناصر .
وأوضح أن النوبيين ظلموا فى العهد الملكى وعانوا جراء ما فعله معهم ناصر ، وقد صدقوا فى مقولته “ارفع رأسك يا أخى ” ولكنهم رأوا عكس ذلك ، ووعد ناصر بفدان أرض وحيوان لتربيته لمن غرق أراضيهم ، وعندما طالب المهجرين للقاهرة بها ، ردوا عليهم أنهم مغتربين ، وهذا عبث ، فهم مغتربين بسبب غرق أراضيهم .
و أشار الكاتب أن الرواية ليست فقط الراوى العليم و قد احتوت على مونولوج داخلى بالفعل ، كما أكد أنه لم يكتب الرواية بهدف “البيست سيلر” و تحفظ على كلمة توابل ، كما أنه لا يكتب بهدف تحويل أعماله للسينما ، ولكن تقنية المشاهد البصرية التى يعتمدها ليحرص على على خلق عنصر التشويق للقارئ فلا يمل من الرواية .
أما عن طقوس كتاباته ، فقال أنه يكتب بشكل غير متسلسل ، و أحيانا يكون مشهد النهاية هو أول ما يكتبه فى العمل ، و يقوم بأربع مراجعات للعمل ، إحداهما مخصصة للمحافظة على عنصر التشويق فى الرواية فى بدايات الفصور و نهاياتها .
وعن المشهد الذى يتصدر غلاف روايته ، قال أنه من تصميم الكاتب أحمد مراد ، و هى صورة قديمة لتراس فندق شيبرد تعود لعام 1940 .