مثل أسطورة قديمة لا نعلم إن كانت جذورها من الحقيقة أم هي محض خيال تسير بنا رواية “بواب الحانة” للكاتب والسيناريست المصري عبد الرحيم كمال لنخوض في عالم مليء بالدهاليز فلا نعرف إن كنا اقتربنا من الخروج أم ما زلنا عند خط البداية.
قبل البدء في الرواية يسرد لنا المؤلف حكاية صغيرة في صفحتين اثنين عن امرأة في الصعيد يضرب بها المثل في الصبر اسمها (عجب) رأت “شيخ الكتاب” يأكل طفلا صغيرا فهربت منه واختفت وتزوجت بعد ذلك من أمير وكلما أنجبت له ولدا يأتي “شيخ الكتاب” ويخطفه ويضع دما على فمها ويتكرر الحال مع ثلاثة أولاد حتى يطلقها الأمير بعد أن يشك في جنونها وأكلها لصغاره.
وفي النهاية وبعد صبر طويل يعيد “شيخ الكتاب” الأولاد إلى (عجب) بعد أن صاروا صبية مهذبين متعلمين لتكون الحكاية مثالا على “الصبر على الظاهر الأليم ثقة في باطن رحيم”.
وبعد هذا التمهيد المستلهم من الأساطير تبدأ الرواية ومع الصفحات الأولى يدرك القارئ أن عليه ترك المنطق والاستسلام لخيال المؤلف الذي ينطلق من العراق مع (عبد الله السكران) الرجل الذي يترك أولاده الثلاثة وزوجته ويخرج في شوارع بغداد للاستحمام في نهر الفرات ثم يغطس في الماء وتأخذه سنة من النوم فيستيقظ مفزوعا ويخرج من الماء ليكتشف أنه في نهر النيل في مصر.
وفي القاهرة يتوالى ظهور باقي شخصيات الرواية مع رابط رئيسي يجمعهم هي “الحانة” التي يشربون فيها الخمر كل ليلة إلا أن الشخصية المحورية التي يظل الجميع يدور في فلكها هي (حسان) بواب الحانة.
شخصية حسان تبدو خلفيتها عادية مثل أي ولد تربى وحيدا لأب بائع فول في أحد أحياء القاهرة البسيطة والذي يحرص على تعليم ابنه تعليما أزهريا وينبغ الولد بالفعل ويصبح شيخا نابها لكن المقدمات لا تشي دائما بالنهايات.
ذات يوم وهو عائد إلى بيته ليلا يلتقي الشيخ حسان بشاب سكير يترنح ويسب بفم معوج كل المارة فيصفع الشيخ حسان الشاب صفعة قوية وينهال عليه ركلا وضربا وينادي على المارة أن يشاركوه في عقاب السكير المنحل.
وحينما يحكي الشيخ حسان إلى شيخه الأكبر ومعلمه ما كان منه مع الشاب السكير لا يجد الإشادة المتوقعة أو الثناء على فعله بل يتجاهله الشيخ ويعتب عليه عتابا صامتا مكتفيا بقوله “لو جربت ما ذاق ما هان عليك الفراق”.
يذهب الشيخ حسان إلى الحانة التي خرج منها الشاب السكير ليعتذر له عما أنزل به من أذى أمام الناس بعد أن أدرك أن الإصلاح لا يكون بمثل ما تصرف لكنه لا يعثر للشاب على أثر. وكان من العجب أن الشيخ حسان دخل إلى الحانة ولم يخرج.
تتطور شخصية حسان خلال مراحل الرواية من شيخ يعاقر الخمر إلى ساقي الحانة إلى مالك الحانة ومديرها.
لكن حسان ليس كأي ساق أو صاحب حانة فقد أصبح الساقي الذي لا يشرب وشرع في علاج أرواح السكارى المتعبين ويجلس ليسمع لهم ويتعامل معهم برفق حتى يقلع من يقلع عن الشرب ويصبر على من استمر.
وعلى مدى 174 صفحة من القطع المتوسط يسرد المؤلف حكايات أخرى على لسان زبائن الحانة تلامس بعضا من الظواهر السلبية في المجتمع مثل الإعلام المضلل والتدين الزائف وحلم الهجرة من الريف إلى الحضر كما يسلط الضوء على بعض المعاني مثل الإخلاص في الحب والوفاء للآخر.
ولا تخلو الرواية من الروح الصوفية التي تهيمن على أعمال المؤلف متمثلة في الإنشاد والمواعظ وحب البطل “للسكارى الخائبين” حتى ينصلح حالهم على يديه.
والرواية الصادرة عن دار كيان للنشر والتوزيع في الجيزة هي العمل الإبداعي الرابع للمؤلف عبد الرحيم كمال بعد رواية (المجنونة) والمجوعة القصصية (أنا وأنت... وجنة وشهد) وكتاب الحكي الصوفي (ظل ممدود) كما كتب أيضا مسلسلات تلفزيونية شهيرة كان أحدثها (يونس ولد فضة) و(ونوس) اللذان أذيعا في شهر رمضان الماضي