لا يعد التدخل العسكري التركي مفاجأة بالنسبة للمراقبين، ولكن توقيته الذي يأتي بعد خمسة أعوام على بداية الحرب في سوريا ، و العملية التركية غير المسبوقة لاقت تأييدا دوليا حتى من واشنطن التي يثير موقفها حيرة الكثيرين .
التغير السياسي المفاجئ في السياسية التركية، وما تبعه بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن "عملية درع الفرات تهدف إلى إنهاء المشاكل على الحدود التركية، ولا تستهدف فقط تنظيم الدولة وإنما المقاتلين الأكراد"، أدخل المنطقة في حالة ترقب لما ستؤول إليه أمور الأزمة السورية.
تم دخول الدبابات التركية مدعومة بمقاتلات حربية وقوات خاصة في عملية غير مسبوقة بمساندة دولية، كما أعلنت أنقرة، فيما نددت دمشق بعبور دبابات تركية إلى أراضيها معتبرة ذلك "خرقا سافرا"، وفق ما أعلن مسؤول في وزارة الخارجية السورية.
ويرى الناشط والخبير في الشأن الكردي ميرال بروردا في حوار مع DWعربية أن هدف تركيا الحقيقي هو "وقف التمدد الكردي في شمال سوريا، في حين أنها تستخدم تنظيم الدولة كحجة من أجل نيل الدعم الدولي لما تقوم به على الأرض".
 
 
وقال بروردا إن تنظيم الدولة موجودة في جرابلس والمناطق المحيطة منذ أكثر من سنتين، ولم يحدث أي تدخل تركي حقيقي ضدها، ويعتقد الخبير الكردي أن هدف أنقرة الرئيسي هو قطع الطريق على الأكراد كي لا يكون هناك أي تواصل بين الحسكة وعفرين، وبالتالي لمنع تكون جيب كردي متواصل في شمال سوريا، ويرى بأن هذا الأمر سيؤدي إلى عزل منطقة عفرين عن المناطق الأخرى.
من جهته يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى أحمد أوغلو أن تركيا "تطمح للعب دور جديد في المنطقة"، ولذلك فإن التدخل العسكري جاء ضمن معطيات جديدة على الأرض تختلف عن السابق، وهو ما دفع أنقرة إلى تحريك قواتها.
ويؤكد أوغلو أن" تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشل، تختلف عن تركيا قبل محاولة الانقلاب"، إذا أن السياسة التركية الحالية تخلصت من معارضة الجيش لأي تدخل عسكري في سوريا، والذي كان يحد من إمكانية التدخل في السابق، وبحسب الخبير التركي فإن أنقرة تعتقد أن هنالك حلول تلوح في الأفق وهو ما ظهر في تصريحات القيادة التركية مؤخرا، لذلك تخشى تركيا من أية محاولة لفرض حالة أمر واقع يتعلق بالأكراد في شمال سوريا، ما يدفعها للتدخل السريع لضمان مصلحتها العسكرية، بحسب الخبير.
وكان الرئيس التركي قد صرح أن تركيا مصممة على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأنها ستتولى الأمر بنفسها إذا اقتضى الأمر لحماية وحدة أراضي سوريا. وأضاف أردوغان في كلمة ألقاها بالعاصمة أنقرة غداة تحرك قواته باتجاه الحدود السورية، أن تركيا لا تريد سوى مساعدة شعب سوريا وليست لها نوايا أخرى.
الولايات المتحدة بدورها قدمت دعمها للعملية التركية الجارية داخل الحدود السورية، كما أن نائب الرئيس الاميركي جو بايدن أعلن أثناء اللقاء مع رئيس الوزراء التركي يلدريم أن على تنظيم "ي ب ك" ، وقوات سوريا الديمقراطية، ألا يعبروا إلى الجهة الأخرى للنهر (نهر الفرات) بأي شكل من الأشكال، وقال بايدن إن بلاده أوضحت للقوات الكردية السورية أن عليها العودة إلى شرق نهر الفرات بعد السيطرة على مدينة منبج السورية حتى تحافظ على الدعم الأمريكي. وهو ما اعتبره البعض تخليا للولايات المتحدة عن دعم حلفائها الأكراد.
إلا أن الخبير الكردي بروردا يرى بأن الولايات المتحدة، وإن أبدت تفهما للدور التركي في المنطقة، فإنها لن تسمح بالمقابل لتركيا بالتوسع بعيدا عن منطقة جرابلس، وقال الناشط الكردي، إن تركيا "تحاول التحرك ضمن اتفاقية أضنة الأمنية الموقع عام 1998 والذي يسمح لتركيا بالتحرك داخل الحدود السورية من أجل محاربة أية أنشطة لحزب العمال الكردستاني"، وقال بروردا بأن واشنطن "ستمارس ضغوطا على أنقرة لمنعها من التمدد"، وقد تسمح لها بمساحة محدودة فقط من أجل ضمان أمن المقاتلين الأتراك فقط.
تقارب تركي مع الأسد
ويرى المحلل أوغلو أن "التحرك العسكري يصب في مصلحة تركيا وسوريا في آن واحد"، كما يخدم النظام في دمشق، مما يشير إلى وجود صفقة ما تم إبرامها وراء الكواليس بين القوى الإقليمية الكبرى. ويضيف أوغلو أن التصريحات التركية الأخيرة توضح أن أنقرة غيرت من وجهة نظرها بالنسبة لبقاء بشار في الحكم، وذلك بعد اللقاءات مع روسيا الداعمة لبشار، إلا أن الخبير التركي يعتقد في نفس الوقت أن "بقاء بشار هو أمر مؤقت فقط"، وهو ما أكدته القيادة التركية أيضا.
إلى ذلك قال الناشط الكردي ميرال بروردا أنه لا يعتقد أن تركيا ستنجح في تغيير الوضع القائم على الأرض في شمال سوريا، وقال أن أقصى ما يمكن أن تقوم به القوات التركية هو عزل منطقة عفرين مؤقتا. واعتبر بروردا أن "التدخل التركي سيجلب المزيد من الاحتقان في الأزمة السورية، وقد يؤدي إلى مواجهات دامية بسبب هذا التدخل العسكري".