نيزك عملاق يرتطم بالأرض ويحجب ضوء الشمس
البشر ينجحون يتوزيع الفقر والجهل!
المؤلف يكتب انتصار الشر ويقضي على أسطورة “الأمل”
المنقذ يتحول إلى طاغية ويشي بالثائرين
” الثورات لا تقوم ضد الطغاة، بل تقوم ضد البلهاء أولًا. عندما يصير ثلاثة أرباع الشعب ضدك، وقد آمنوا بأن الطغيان أمر إلهي، وأنهم أسعد حالًا تحت سلطة أبوية غاشمة.. عندها يصيرون متأهبين لرجمك”.
يقدم لنا د.أحمد خالد توفيق رواية مثيرة تذكرنا بروايات جورج أورويل بعنوان “في ممر الفئران”، عن عالم لم يعد النور فيه من حقوق الإنسان الطبيعية، حيث يتخبط الناس مكفوفين في ممر الفئران، وهم يجهلون أن هناك نوراً خلقه الله، وأنه كان للجميع قبل أن تحتكره فئة محظوظة، ربما كان الخلاص ممكناً، ولربما هو أمل زائف.
والرواية الصادرة مؤخراً عن دار الكرمة كما يشير مؤلفها في المقدمة، هي معالجة أنضج وبشكل مختلف لأسطورة “أرض الظلام” من سلسلة ما وراء الطبيعة لذات المؤلف.
يقول صاحب الرواية في مقدمته: لعل السبب الذي دفعني لهذه المعالجة هو أن الفكرة بدت لي في رمزيتها ملامسة للواقع السياسي الذي تحياه شعوبنا العربية حالياً في مخاضها نحو الحرية والقيم الإنسانية العالمية.
حيث تعبر الرواية عن واقعنا الذي نعيشه، فمجتمعنا غارق في الظلام، ملتحم بالجهل والفقر والتخلف، فكر فقط أن تختلف معهم في أي شيء، ستجدهم يسبونك ويكيلون لك اللعنات ويتهمونك بالكفر والهرطقة والشذوذ والعمالة.. الخطأ يقع بشكل أكبر على المغيبين اللذين استسلموا لكل هذه الآفات، بل أصبحوا يدافعون عنها.
أرض الظلام
تبدأ الرواية بمقدمة عن كيفية دخول الشرقاوي إلى أرض الظلام، حيث نام وفي الصباح أعلنوا أنه دخل في غيبوبة لا تفسير لها، ثم نعرف سرًا لا بأس به بأنه ارتحل لبعد آخر.
‘في الصباح قال الطبيب إنها حالة غيبوبة معتادة كالتي تصيب أي شخص في أي مكان، لم يجدوا شيئاً عند فحصه يتنفس بانتظام، وإن كانت عيناه تعبثان خلف جفنيه تعبثان بجنون وبلا توقف، مما يخبرك أنه يمر بمراحل النوم المتناقض التي يحلم المرء أثناءها وتتسارع دقات قلبه، ويرتفع ضغط دمه، ويصر على أسنانه..أعرف أن الشرقاوي انتقل لبعد آخر، وقد بدأت رحلته عبر ممر الفئران”.
يجد نفسه في عالم مظلم، اعترف لنفسه الشرقاوي: هذا العالم يحمل صبغة قمعية لا شك فيها. الناس غير ودودين على الإطلاق، وثمة لمسة من الرعب والتوجس في كلامهم وصوتهم، ثمة جو من الترقب والخوف.
يحاول أن يفهم أين هو لكنه لا يعرف، يظن أنه مصاب بالعمى لكنه يكتشف أن الكل هكذا، وأنه ليس أعمى.. وفي أحد الأيام يجد قداحته وهو يعبث في جيوبه، فأخرجها وأضاءها ليتبين ملامح الناس المندهشة من حوله، وعندما ساد الظلام من جديد سمع من يصرخ: !متمرد! كافر! زنديق! مجدف! هرطيق! لقد لوث الظلام .. ويهرب منهم بصعوبة ليعرف بعدها أن سيارات الشرطة تطارده، ويساعده أحد المارة على تغيير ملابسه بملابس لها رائحة نتنة كي لا تجده الكلاب.
نيزك عملاق
يعود الكاتب بالزمن إلى ذكريات النور، ما قبل حلول الظلام، حيث رامي الطالب الجامعي، وعلياء وعزة أختيه، وفاتن الفتاة التي سيحبها، ود.مصطفى أستاذه الجامعي.
في أحد الأيام سيعلنون عن هبوط نيزك سيدمر كوكب الأرض، وستكون نهاية البشر كما حدث الأمر مع الديناصورات قبل ملايين السنين: “هذا نيزك غريب الأطوار.. لا نعرف من أين جاء ولا لماذا قرر أن يدمر عالمنا، لكن النتيجة الحتمية هي أنه سيصدم كوكبنا.. لتكونن هذه نهاية الحضارة كما نعرفها.”
وعندها تزوج فاتن ورامي بيسر، وما كان هذا ليحدث لولا نهاية العالم، واستعد الجميع للنهاية، البعض اعتكف للعبادة، والبعض تمادى في العربدة، والبعض انتحر.. لكن عند هبوط النيزك لم يدمر الكوكب كما توقعوا، لكنه خلف وراءه سحب سوداء أدت إلى عدم شروق الشمس، وعندها هلل الناس وفرحوا لكونهم أحياء، وأصبح اعتماد الناس في المستقبل على ضوء الكشافات والشموع.
لكن بعد عشرين عامًا أطبق الظلام، ولم تعد هنالك مصادر للطاقة، أصبح من يستخدم أي وسيلة للإضاءة كافر وزنديق، ويعدم ويعاقب بأبشع أنواع العقاب إلى الموت بتهمة تدنيس الظلام.
“في المتحف المصري وعلى ضوء القداحة عرف الشرقاوي أنه لا يوجد تماثيل، والأمر لا يزيد عن كتل تم صبها بالأسمنت وتم طلاؤها بمادة براقة ما، لقد تم الصب بعناية تعطي ذات الانطباع..هناك تجاويف وحفر حيث كان هناك وجه..لقد كانت خدعة كبرى وهذه السائحة الألمانية جاءت من بلادها كي تتحسس كتلاً إسمنتية”!.
القومندان والشرطة
لقد بدأ السيناريو الذي أدى لانقراض الديناصورات منذ ملايين السنين. فقط هو موت بطئ قاس..برد شديد لكنه غير كاف لقتل الحية على وجه الأرض..ظلام دامس.صارت الشمس حلماً عسيراً.
صارت المستشفيات تنادي زبائنها بمكبرات صوت بدائية، والمطاعم تقوم بالتهوية على أطعمتها ليشمها الناس. يتساءل سائل كيف تعمل محركات المراوح إذاً؟ الإجابة أن “الزمبلك” صارت تساوي أكثر من عشر مراوح كهربية..لقد كان الناس يعيشون قبل عصر الكهرباء والسيارة وها هم أولاء قد عادوا لذلك، مع فارق مهم أنهم يجربون الحياة بلا نار.
هكذا لا يذكر أحد متى بدأ عهد القمع؟، يبدو للبعض أنه كان موجوداً منذ الخليقة أو أنه كان دوماً هنالك.
يبدو القومندان وكأنه كيان أورويلي غريب يذكرك بالأخ الأكبر الذي يراقبك دائماً، ولأن أحداً لم يره تحول إلى معنى أو رمز. قالوا أن الرجل الذي لم يره أحد قد اتخذ مقره فوق قمة الهيمالايا في أعلى موضع من العالم، يمكن لهذا الرجل أن يرى ضوء الشمس لأنه يعلو طبقة سحب الغبار التي تغلف العالم.
لا أحد يعرف من هذا الرجل من أين جاء، يقولون أنه راهب من رهبان التبت يقولون أنه ساحر شرير هو قوي جدا تسانده عصابة قيل أنها من الجنرالات السابقين المنشقين على جيوش الصين والاتحاد السوفيتي سابقاً.
هذا الرجل جاء حرفيا ليحكم العالم من مقره الشبيه بمقرات أشرار أفلام “جيمس بوند” يمكنه أن يراقب كل شئ، يمكنه أن يقصف بصواريخه أية دولة متمردة.
لكن النقطة الأهم هنا هي أنه يرى بينما الناس جميعاً لا يرون..إنه فوق مستوى الظلام..بالتالي هو قوي جدا كأي مبصر يسيطر على مجموعة من العميان.
وفي البيان الأول لرعاياه يقول: القومندان لا يرغمك على التخلي عن وطنك أو دينك أو مالك أو عرضك فقط يطلب منكم أن تقدموا له نسبة من منتوج بلادكم مقابل حمايتكم وأن تقبلوا بسلطته.
القومندان اختار لكم الظلام. الظلام مقدس وطاهر لهذا يجب أن تعيشوا فيه أبداً. النور دنس يلوث الظلام لهذا يحرم عليكم البحث عنه. إن النار حق أصيل للقومندان وليس من حق سواه.
إن من يجرؤ على استعمال النار أو البحث عنها يرتكب إثماً يقترب مما يسميه أتباع الديانات بالكفر. جزاء استعمال النار بأي شكل هو الموت..العذاب ثم الموت.
“كما هم العامة الجهلة في كل مكان وزمان، يعشقون العبودية ويهوون الخضوع، ويقنعون أنفسهم انهم يكرهون ما يكره الحاكم ويحبون ما يحبه، أي أنك لا تطيع الحاكم بل تطيع نفسك أولا، فإذا حاول أحد أن يوقظهم من غيبوبتهم مزقوه تمزيقا”.
الشرطة والحكومة لم تكن كل شئ. هناك رجال الدين التقليديون من شيوخ وقساوسة وحاخامات، لكن هناك كذلك كهنة الظلام. وهم من يبشرون بالظلام ويدعون الناس لتذوق تلك النعمة. لو أراد الله لنا أن نرى النور، لما حجبه عنا الغمام أصلاً. نحن نحقق إرادة الله فينا.
عرف الناس أنهم مراقبون، عرفوا أن هناك أجهزة إبصار خاصة يضعها رجال الشرطة، إنها قريبة جدا من أجهزة الرؤية الليلية التي نعرفها نحن.
كان الناس في كل العالم لا يعرفون أن هناك نهباً يجري لهم. في مصر مثلاً لم يكن أحد يعرف أن المتحف المصري صار خاوياً. في فرنسا لم تعد هناك لوحة واحدة في “اللوفر”، أين ذهبت هذه الثروات؟ على الأرجح هي هناك في جبال الهيمالايا.
ثورات الضوئيين
النورانيون أو الضوئيون هؤلاء الذين يؤمنون بحق الجميع في الضوء. الضوء ليس حراماً أو جريمة فيما عدا أنه يضعف من سيطرة ذلك الطاغية.
“لقد استلبنا النيزك ضوء الشمس..فلن نترك ذلك القومندان يسلبنا شيئاً آخر”.
أصبح هناك جيلاً لم يعرف معنى النور، ينظرون لكلام الجيل القديم عن النور كأنه خرافة من خرافات الكبار.
الشرقاوي هو النبوءة التي انتظرها “الضوئيون” طويلًا.. رجل أربعيني قادم من الظلام، لكنه قبلها جاء من لا مكان.. إنه المنقذ.
وفي ظل تخبطه في هذا العالم، وفي أحد الأيام يجرب الشرقاوي أن يشعل قداحته مرة أخرى عندما ظن أن أحد لا يراه، لكنه بعد أن أشعلها رأى شخص يتابعه وعلى رأسه جهاز رؤيا ليلية، شخص يدعى رامي.
يتلاقى رامي والشرقاوي ويأخذه رامي لمقر النورانيين؛ وهي جماعة ثائرة على النظام.. يدخل وسطهم ويندمج معهم، يرون فيه المختار والمنقذ الذي يتحدثون عنه.
وتتوالى أحداث الرواية بعدها، ثم يخططون للصعود مع الرحلات التي تأخذهم للخدمة في قصر القومندان لكي يحدثوا أي ضرر، وهناك يتقابلوا مع جماعات أخرى من النورانيين اللذين خططوا لتدمير هذا المكان.. ثم تأتي النهاية المربكة السوداوية إلى أقصى حد.
كان العالم المظلم الذي انتقل له الشرقاوي قاسيًا بحق، كل هذا القهر والعفن، تعفن نفسيات الناس الذين ينتشون عندما يشهدون إعدام أحدهم ممن حاولوا إشعال نار، الذين يبلغون عن جارهم الذي انضم لجماعة الضوئيين التي تؤمن بحق الجميع في الضوء والنور والنار، الذين يغشون بعضهم البعض في الظلام دون انقطاع، الذين يعيشون في القذارة التامة، وسط عفن الشوارع الذي لم تعد نفسياتهم المتعفنة تأباه كثيرًا.
ظالم لا ضحية!
نكتشف عبر الرواية الكابوسية أن القومندان هو الحاكم التي اخترعه العلماء والمترفين لكي يستطيعوا أن يسيطروا به على الناس في أرض الظلام.
بعد تخطيط وترتيب طويل استطاع النورانيون الوصول الي مقر القومندان، للقضاء عليه، لكن نهاية الرواية سوداوية فعلاً فها هو المنقذ الشرقاوي يتحول إلى قومندان!.
“كان الشرقاوي هو المختار فعلاً وكان لقدومه لهذا العالم غرض واضح. فقط ثمة مشكلة بسيطة هي أنه المختار لعالم الظالمين وليس لعالم المظلومين”!.
واحتفى به الجنرالات: “إنها النبوءة التي انتظروها طويلاً، إنهم يبحثون عن القائد..هناك تجويف يشبه القومندان في عالمهم وكانوا في حاجة إلى من يملؤه، وقد كانت شروط نبوءة الكاهن البوذي تنطق بشدة. رجل أربعيني قادم من الظلام، لكنه قبلها جاء من لا مكان.. رجل سوف ينقذهم جميعاً من الهلاك..لم يعترفوا لأنفسهم قط أن القومندان لا وجود له، أما الآن فقد صار موجوداً”.
ونجد الشرقاوي يحدث نفسه: “لقد أرادت لك الأقدار أن تكون طاغية لا ضحية. قاهراً لا مقهوراً تنتمي للنور ولسوف تنعم به، وتسحق من هم ما زالوا في ممر الفئران”.
هنا فقط شعر بأنه حقق ذاته واستكانت روحه حتى لو كان ذلك على حساب رفقائه الذين عوقبوا بعد وشايته الدنيئة.
وفى الرواية “البشر لا يقدرون على توزيع الثراء منذ فجر التاريخ، لذا اكتفوا بأن يوزعوا الفقر فلتعلموا أن بعد الظلام نوراً، و أنكم لن تنتصروا بينما العالم كله يكرهكم..هناك غد يا بلهاء..هناك غد بعد أعوام سوف يقال إن هذه لحظة ميلاد الثورة المباركة، أو هى لحظة الخيانة التى سيدفعون حياتهم ثمناً لها. لا أحد يدرى، فالتاريخ يكتبه المنتصرون دوماً”.