منذ زمن بعيد عرف العالم كله أهمية المسئولية المجتمعية لرجال الأعمال والمنظمات الاقتصادية التابعة لهم، فلم يعد الربح هدفا وحيدا لهم بل انضم إليه هدف جديد وهو ضرورة التعاون بين المجتمع والمؤسسات الاقتصادية لتحقيق الارتقاء اللازم لمجتمعهم.
المسئولية المجتمعية تحتم على أصحاب الأموال رد الجميل للمجتمع الذى ساعدهم فى جمع ثرواتهم، ليس بالأموال فحسب بل بالأفكار التى تساعد فى النهوض بهذا المجتمع، كما كان الأمر فى تجربة العديد من رجال الأعمال سواء فى مصر على رأسهم طلعت حرب، أو فى دول أخرى كما فعل عدد كبير من رجال الأعمال فى الغرب الذين اهتموا بالارتقاء بالخدمات الصحية للمواطنين، وكذلك الاهتمام بتعليم المواطن، لأن المواطن الصحيح الذى يتعلم جيدا هو نفسه الموظف الذى سيأتى بأفكار تنهض بالمجتمع، وتساعد رجال الأعمال على تحقيق أرباح أكبر من خلال مشروعات أوسع، كما أن المواطن القادر على الشراء هو الضمان الوحيد لبيع منتجات أصحاب المصانع فى أى بلد، فالعالم ملىء برجال الأعمال يؤمنون بالدور الاجتماعى، ودعم بلدانهم وإقامة العديد من المشروعات الخيرية والأهلية.
آخر هؤلاء الداعمين لبلدانهم كان مؤسس موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك مارك زوكربيرج، الذى تقدر ثروته بـ46.8 مليار دولار، أعلن التبرع بـ99% من أرباح شركته لصالح مؤسسته الخيرية التى أنشأها هو وزوجته، وذلك من أجل فقراء العالم.
مؤسس مايكروسوفت يتبرع بـ27 مليار دولار للمجتمع
أيضا هناك بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت، كبرى الشركات العاملة فى تقنيات الحاسوب، الذى أنشأ أيضا هو وزوجته مؤسسة خيرية تعمل على دعم برامج التنمية فى مختلف أنحاء العالم وفى كل مناحى الحياة، حيث تبرع جيتس بمبلغ 27 مليار دولار من أصل ثروته الإجمالية التى تبلغ 80 مليار دولار من أجل المؤسسة وكذلك للمساهمة فى الأعمال الخيرية.
تطوير التعليم فى الهند على يد رجل أعمال
فيما اهتم عظيم بريمجى رجل الأعمال الهندى، بالارتقاء بمستوى التعليم فى الهند، وهو ما دفعه إلى إنشاء مؤسسة خيرية من أجل دعم النهوض بالتعليم عام 2001، وبالفعل ساهمت المؤسسة الخيرية فى إنشاء العديد من المعاهد التى تهتم بتطوير كل أطراف العملية التعليمة بداية من المدارس والإداريين العاملين فيها، وصولا إلى الارتقاء بمستوى الطالب، كما قامت المؤسسة بإنشاء العديد من المدارس غير الهادفة للربح، علاوة على إنشاء جامعة غير هادفة للربح أيضا، بالإضافة إلى البحوث التى تقوم بها المؤسسة على الهند لدراسة مشكلات التعليم.
مؤسس مجلات ديوتى فر يتبرع بـ5 مليارات من أجل الصحة
ليس هذا فحسب بل هناك كارل فرانسيس فيينى، أحد مؤسسى مجلات ديوتى فرى، والذى انخفضت ثروته من 6.3 مليار دولار إلى 1.5 مليار دولار عندما قرر التبرع بالفارق لصالح إنشاء مؤسسة The Atlantic Philantropies ، التى تختص بالشئون الصحية والاجتماعية على مستوى العالم، علاوة على جوردون مور، الرئيس الفخرى لشركة إنتل، والذى تبرع بـ5 مليارات دولار من ثروته التى قدرت بـ7.1 مليار دولار، وذلك لصالح العمل الخيرى وبالتحديد فى مجالات الصحة والعلوم.
مؤسسة الوليد ابن طلال تدعم 90 دولة
الدور الاجتماعى لرجال الأعمال ليس فى الغرب فقط بل هناك فى الوطن العربى رجال أعمال يقومون بدور اجتماعى من بينهم رجل الأعمال السعودى الوليد بن طلال الذى تقوم مؤسسته الإنسانية بدعم مشاريع فى أكثر من 90 دولة، وتهدف إلى تقديم المساعدات التعليمية والإنسانية والاجتماعية، علاوة على هدفها لتعزيز الحوار بين الأديان، وتقديم الإغاثات.
الفطيم يهتم بالصحة فى الإمارات
ليس الوليد ابن طلال وحده بل هناك ماجد الفطيم، الذى تعمل مؤسسته الخيرية على برامج الرعاية الصحية وبناء المساكن للمحتاجين علاوة على برامج التوعية الصحية، وخلال السنوات الأخيرة تبرع بقرابة 11 مليون دولار لدعم أقسام صحية ببعض مستشفيات الإمارات لتقديم خدمة أفضل للمواطنين بهذه المستشفيات.
مبادرات المخزومى تسعى للارتقاء بصحة اللبنانيين
وفى لبنان هناك فؤاد مخزومى، رجل الأعمال الذى أسس "مؤسسة المخزومى" للأعمال الخيرية التى تعمل منذ عام 1997 على تطوير المجتمع اللبنانى اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من خلال مبادرات تقدمها المؤسسة تسعى للتشجيع على طلب العلم وتأمين الرعاية الصحية للمواطن اللبنانى.
مصر.. الدور الاجتماعى لرجال الأعمال محدود
الدور الاجتماعى للمنظمات ورجال الأعمال ليس بالجديد على مصر، ورغم تأثيراتها الإيجابية لكنه يظل فى كل العصور محدودا ومرتبطا بتحركات فردية للبعض، ففى أوائل القرن الماضى شهدت مصر تجربة طلعت حرب باشا، الذى بدأ دوره الاجتماعى تجاه المجتمع من خلال إنشاء شركة التعاون المالى والتى قامت بتقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً، ثم قدم إلى المصريين أفكاره التى تلخصت فى إنشاء أول بنك وطنى، وبعد عامين من أنشاء البنك، أنشأ حرب شركات تهدف لتحرر الاقتصاد المصرى من قبضة الاحتلال الإنجليزى على رأسها شركة مصر للملاحة البحرية، ومصر لأعمال الأسمنت المسلح، ومصر للصباغة، ومصر للمناجم والمحاجر، ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت، ومصر للمستحضرات الطبية، ومصر للألبان والتغذية، ومصر للكيمياويات، ومصر للفنادق، ومصر للتأمين، كما أنشأ صيدناوى كمتجر لبيع المنتجات المصرية، وأيماناً منه بثقافة ووعى المصريين أنشأ استوديو مصر لإنتاج الأفلام السينمائية لرغبته فى تحرير السينما من يد الإنجليز، حيث تلخصت رؤيته فى هذا الأمر فى عبارة خالدة له "إننا نعمل بقوة اعتقادية وهى أن السينما صرح عصرى للتعليم لأغنى لمصر عن استخدامه فى إرشاد الناس".
الأميرة فاطمة تبرعت بأرضها لإقامة جامعة القاهرة
ليس طلعت حرب وحده الذى آمن بالدور الاجتماعى للأغنياء، بل آمنت بالدور نفسه الأميرة فاطمة إسماعيل، إحدى بنات الخديوى إسماعيل، والتى تبرعت بالأرض لبناء جامعة القاهرة، ليس هذا فحسب بل وهبت مجوهراتها للإنفاق على تكاليف البناء، ولم يتوقف الأمر هنا بل أعلنت تحملها تكاليف حفلة وضع حجر الأساس التى حضرها الخديوى عباس حلمى الثانى والأمير أحمد فؤاد، لهذا لقبت الأميرة فاطمة بأم التعلم.
مبادرات التبرع التى عرفتها مصر
الدور الاجتماعى عرفته مصر أيضاً من خلال حملات شارك بها المجتمع ككل، من بينها مشروع القرش فى ثلاثينيات القرن الماضى، وذلك بعدما انخفضت أسعار القطن المصرى وأغلق مصنع الطرابيش الذى أنشئ فى عهد محمد على ما دعى المجتمع للتبرع من أجل النهوض بالاقتصاد المصرى، وكذلك مشروع مكافحة الحفاء فى عام 1941، وقطار الرحمة الذى شارك فيه الفنانون وطافوا محافظات مصر من أجل جمع تبرعات لصالح المجهود الحربى، وكذلك ما فعلته أم كلثوم لصالح دعم المجهود الحربى أيضا عقب نكسة 1967، ومؤخراً كان هذا الدور الاجتماعى من خلال تبرعات عدد من رجال الأعمال لصندوق تحيا مصر.
رجال الأعمال بعيدون عن دعم الاقتصاد المصرى حاليا
على النقيض من مساهمات رجال الأعمال المصريين فى العهود الماضية بضرورة دعم بلدهم وتطورها، لا يهتم العديد من رجال الأعمال حاليا بدعم الاقتصاد المصرى والتبرع لصالح المجتمع، ولم يحقق الكثير منهم الوعود التى أطلقوها بعد ثورة 30 يونيو بأنهم سيتبرعون من أجل نهضة البلاد ودعم الفقراء بل زاد تمسك كل منهم بجمع الأموال والتهرب الضريبى والسيطرة على السوق السوداء، ولم يلتزم بالمسئولية المجتمعية سوى عدد قليل منهم رجل الأعمال نجيب ساويرس، الذى قرر إنشاء مؤسسة للتنمية الاجتماعية تهتم بعدد من المحاور هى مكافحة الفقر والمساهمة فى توليد فرص العمل وتعزيز حوار الأديان وتنمية الأماكن الأكثر فقراً، كما تبرع ساويرس بمبلغ 50 مليون دولار لبناء مدراس وتطوير التعليم فى مصر، كما تبرع للجامعة الفرنسية فى مصر بما يقرب من مليون و200 ألف دولار أمريكى.
أبو هشيمة يتكفل بإعمار 9 قرى فقيرة
ونرى نفس الدور يقوم به رجل الأعمال الشاب أحمد أبو هشيمة والذى تكفل من خلال مؤسسته الخيرية بإعادة إعمار 9 قرى شديدة الفقر فى صعيد مصر، وأعلن خلال افتتاح القرية التاسعة أنه مستمر فى هذا المشروع حتى وإن وصل عدد القرى إلى 40 قرية لأن الهدف هو مساعدة أبناء مصر الأكثر فقراً فى الحصول على حياة كريمة.
رجال عمال الإسكندرية يشاركون فى غيط العنب بـ20 مليون جنيه
ومؤخراً تم افتتاح مشروع غيط العنب المجمع السكنى المكون من 17 عمارة سكنية بإجمالى 1632، بقوة استيعابية 8160 فردًا، وذلك بالشراكة بين الدولة والمجتمع المدنى، حيث أعلن محافظ الإسكندرية أن المشروع تم بالشراكة مع عدد من رجال الأعمال التابعين لجمعية رجال أعمال الإسكندرية، حيث تبرعت الجميعة بنحو 20 مليون جنيه لإتمام المشروع.