المتابع لواقع القنوات الفضائية المصرية في الآونة الأخيرة الحكومية والخاصة، سيدرك حقيقة تحول جزء من الإعلام المصري من غاية "الرسالة والمهنة" إلى التجارة والربح وخدمة الأفكار السياسية والتوجهات الأيدولوجية بالمجتمع، حتى أصبحت الفضائيات بما تملكه من برامج ومذيعين وإمكانات أذرعا إعلامية لتثبيت أو محو فكرة ما، أو خدمة توجه معين ربما لا يتفق في مضمونه وغايته مع الأهداف الوطنية العليا أو مصلحة الشعب - بحسب خبراء الإعلام.

الدكتورة هويدا مصطفى، عميد المعهد الدولى للإعلام بأكاديمية الشروق، قالت إن تأثير قنوات التليفزيون وبرامج التوك شو على الجمهور قل عن ذي قبل نظرا لقلة الزخم السياسي بعد 30 يونيو، حيث كانت تلك القنوات المصدر الأول أو ربما الأوحد للمعلومات، لكنها وقعت في فخ استخدام نفس الأساليب على الرغم من تغير المرحلة من الصراع السياسي والحماس الثوري إلى مرحلة البناء والإنتاج والتنمية.

وأضافت "مصطفى" أن معظم قنوات التليفزيون استحالت لوسائل تتبنى أساليب الإثارة والتشكيك في كل ما تتبناه الحكومة، في اعتقاد منها أن النجاح الإعلامي يرتبط فقط بمجابهة الدولة، حتى أنها في نفس الوقت لم تلب رغبات الجمهور بنقل احتياجاته أو لعب دور الوسيط بينه وبين الحكومة، بالقدر التي تفرغت فيه للتركيز على الانقسامات الداخلية في مرحلة لا تحتمل الفرقة والتشكيك وإعلاء قضايا فرعية أو شخصية لتطفو على سطح الرأي العام على حساب قضايا مصيرية.

واتخذت نماذج لبعض القنوات المصرية، على رأسها قناة "دريم"، حيث ترى عميدة المعهد الدولي للإعلام أن قناة "دريم" لا تزال تعيش في فترة النزاعات الفائتة وتستخدم أسلوب الإثارة عن طريق جلب المتضادين على مائدة واحدة حتى وإن كانت القضية لا تهم الشعب، بعيدا عن التفسير والتحليل والتوجيه وإثارة الجوانب الإيجابية والقضايا الوطنية إلا فيما ندر.

وقالت إن قنوات "سي بي سي" ربما اتجهت إلى بعض القضايا الاجتماعية عن طريق بعض البرامج التي لاقت استحسانا وإقبالا جماهيريا كبرنامج منى الشاذلي لتهرب من فخ السياسة والإثارة، غير أن تناولها للقضايا السياسية والتي تخص الدولة لا يزال يستخدم أسلوب الإثارة في بعض برامجها، وكذلك الحال مع قنوات النهار التي تشبهها في السياسة العامة والمضامين ويفسر ذلك اندماجهما.

النموذج الثالث التي استدلت به الخبيرة الإعلامية، قناة "صدى البلد" قائلة إنها الوسيلة الإعلامية التي تأخذ خطا إيجابيا عبر إبراز الجوانب الأخرى والأكثر موضوعية، حيث تعتبر القناة ذراعا للدولة وليس ذراعا للنظام، وهو ما يجب أن تتبناه سياسات الفضائيات جميعا بتوعية الجمهور بدولة المؤسسات، وتفنيد الاعتقاد السائد بأن الإعلام يجب أن يتخذ خطا مضادا للدولة أو الحكومة.

أما النموذج الرابع "قناة إم بي سي مصر"، التي وصفتها "مصطفى" بالإعلام الموجه وليس الوطني استنادا إلى مالكها غير المصري، وبالتالي فلا يجب الحكم عليها باعتبارها قناة وطنية نظرا لتبنيها أجندة خاصة وسياسة تتعلق بمالكها تتغير وفقا لمصالحه، على الرغم من تنوع مادتها الإعلامية وإقبال الجمهور عليها وقلة محتواها السياسي في الآونة الأخيرة.

أما قناة "الحياة" التي تطرح نفسها كفضائية عامة، فيجب أن تنظر إلى محتواها وضيوفها وتصارح به الجمهور بنوع من الشفافية، فالواقع أن ضيوفها ينتمون إلى حزب الوفد ومضامينها تخدم سياسات الحزب ولا مانع من ذلك، لكن يجب عليها أن تعلن ذلك صراحة حتى لا تبدو قناة متحيزة تحت غطاء القناة العامة.

وعن نوعية البرامج التي نصحت هويدا مصطفى بمتابعتها، قالت إن برنامج "حقائق وأسرار" للكاتب الصحفي مصطفى بكري يعتمد على رؤية تحليلية وتفسيرية موضوعية بالدلائل والمستندات، كذلك برنامج "على مسئوليتي" للإعلامي أحمد موسى، وحلقات من برنامج "الحقيقة" على قناة دريم عندما يطرح قضايا مجتمعية عامة لا مشاكل شخصية تغلفها الإثارة.

بينما انتقدت تحول بعض البرامج ومقدميها إلى سياسة الزعامة الشخصية وفرض الرأي الفردي الأوحد لمقدم البرامج بعيدا عن الرؤى الموضوعية، وربما يسلك هذه المدرسة الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى والمذيع يوسف الحسيني.

الدكتور سامي الشريف، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الأسبق، قال ردا على سؤال حول تحليله لأداء القنوات الفضائية في الآونة الأخيرة من وجهة نظره، إن الإثارة لجذب الإعلانات أصبحت السمة الغالبة على كل القنوات، بعيدا عن المهنية والهدف السامي للإعلام الذي تعارفنا عليه منذ نشأة التليفزيون وقبل ظهور القنوات الخاصة التي تٌضخ فيها الملايين.

وأضاف الشريف أن البرامج التليفزيونية ابتعدت عن النظر إلى واقع الشعب ومشكلات المواطنين وتسابقت في عرض المواد المثيرة للجدل، معربا عن عدم إعجابه بمضمون أي من البرامج المقدمة حاليا على الفضائيات.

وردا على سؤال حول البرامج أو القنوات التي يفضلها الشريف وينصح بمتابعتها خلال الفترة الحالية، قال: "الآن.. ولا حاجة".

فيما اعتبر الإعلامي القدير حمدي الكنيسي، مؤسس نقابة "الإعلاميين"، أن التأثير العميق الذي كانت تحظى به الفضائيات بعد ثورة يونيو تراجع نسبيا خلال الآونة الأخيرة، فبدلا من أن تواصل الفضائيات مسيرتها لحشد الجمهور نحو الاتجاه الوطني المصلحة العامة، صارت سببا في إرباك رؤية الجماهير حول القضايا المجتمعية.

وقال "الكنيسي" إن الفضائيات أصبحت تتناول الشائعات المغرضة من أخبار وموضوعات لا صلة لها بأي واقع وتروج لها بناءً على أجندات خاصة وأيدولوجيات تخدم مموليها.

وعن نصيحته للفضائيات التي يجب أن يلتف حولها الشعب مؤخرا، قال "الكنيسي" إنه لا يمكن الجزم بأن فضائية واحدة تملك تجميع كل الجمهور باختلاف فئاته أمامها، لكن الجمهور أصبح يملك حاسة التمييز والاختيار.

وأضاف: "في رؤيتى الخاصة أفضل قناة النيل للأخبار وقناة القاهرة والناس لأن القناتين تملكان رؤية معلوماتية فريدة بعيدة عن الإثارة".

"الإثارة" و"الصوت العالي" وفقا لرؤية "الكنيسي" كانت أهم أسباب نفاذ جاذبية برامج التوك شو، فضلا عن انزلاق المذيعين للقضايا الصغيرة التي تموت في ذهن المشاهد عقب الحلقة مباشرة، بدليل توجه بعض القنوات الكبيرة لبرامج القضايا الاجتماعية الأكثر جذبا كبرنامج "منى الشاذلي" و"إسعاد يونس" أو برامج المنوعات التي تستقطب قطاعا كبيرا من المشاهدين.

يذكر أن قانون "نقابة الإعلاميين - تحت التأسيس" ينتظر موافقة مجلس النواب في دور الانعقاد الثاني للإعلان عن تدشين النقابة قانونيا، والتي تأخذ على عاتقها ضبط الأداء الإعلامي في القنوات الحكومية والخاصة.