قال الشيخ محمد حسين، مفتى القدس، إن وسائل الإعلام تطالعنا صباح مساء بأخبار من هنا وهناك عن أحداث تقع باسم الدين، أو تنسب إليه دون تمحيص، ونقصد بذلك أحداث القتل والتفجير والترويع التى تقع فى أنحاء مختلفة من بقاع الأرض، مما صار يدرج تحت مسمى الإرهاب.
وأضاف خلال كلمته بعنوان "كيفية مواجهة الإفتاء ظاهرة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا)"، باليوم الثانى لمؤتمر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن هناك صورةً غيرَ صحيحةٍ عن الدين الإسلامى لدى المخالفين فى العقيدة، ولكنْ بالطبع، هناك أسباب أدَّت إلى خلق مثل هذه الصورة، أهمها أن هناك بعضَ المتحدثين باسم الدين يصوِّرونه على أنه دين السيف والقوة، دون الأخذ فى الاعتبار أن الإسلام دين سماحة ومحبة، الأمر الذى ترتب عليه هجوم شرس على الإسلام، وانتهاك لحرمات الأنبياء والرسل، وهذا يتطلب تجديدًا فى آليات الدعوة إلى الدين الصحيح وطرقها، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا من كل علماء الدين، ولكن مُقابل تصحيح هذه الصورة يجب فعل كل ما يمكن، شريطة عدم الخروج عن منهجية الدعوة بالحسنى، والتوجيه إلى ما هو غير واقع من تعاليمَ وأسسٍ وقواعدَ ظن الجميعُ افتقارَ الإسلام لها، ولهذا وجب على المسلمين فى أرجاء المعمورة إحياءُ كل ما هو وارد فى جوهر الدين، للتخلص من هذه النظرة المجحفة، والتى أنشأها أصحاب العقول الضيقة، وتتناول نصوص القرآن من غير معرفة دون النظر إلى القواعد الفقهية التى ترسيها هذه الألفاظ القرآنية، والتى تشتمل على ضوابط اتباع لما هو جائز، ونهى لما هو محرم عند الله عز وجل.
وأضاف وإزاء هذا فعلى جهات وهيئات عديدة تَحَمُّلُ مسؤوليةِ تصحيح صورة الإسلام لدى الناس، وتتفاوت درجات المسؤولية فى تنفيذ هذه المهمة من فئة إلى أخرى، ومن وسط إلى آخر، فسعى العلماءِ الحثيثُ نحو العمل من أجل تحسين صورة الإسلام وتصحيحها يعد واجبًا دينيًّا، وضرورةً ثقافيةً، فضلًا عن كونه مطلبًا واقعيًّا تمليه مسؤوليةُ تبليغ حقائق الإسلام وتعاليمه إلى من يجهلها أو يعاند فى معرفتها والاقتناع بها، فنحن أمة رسالة وشريعة، ولا ينبغى اليأس من تبليغها للآخرين، وتبيين حقيقتها للمنكرين والمتحاملين مصداقًا لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
وتابع: فالعلماء مستأمنون على الحفاظ على نصاعة صورة الإسلام ووضوحها حتى يستمر عطاء الإسلام للبشرية سرمديًّا، لينقذ الناس من الظلمات إلى النور، ويعتبر مبدأ عالمية الرسالة الإسلامية الأساس الثابت الذى تقوم عليه علاقة المسلم مع الآخرين، ومن هذا المبدأ تنبع مسؤولية العلماء والدعاة فى إبراز صورة الإسلام الصحيحة، والعمل على توظيف جميع السبل الممكنة والإمكانات المتاحة من أجل القيام بمهمة تصحيح صورة الإسلام وتحسينها.
ولتحقيق ذلك لا بدَّ أن يوضع فى الاعتبار ما يأتى:
1- أن عملية تصحيح صورة الإسلام والرد على الحملات الشرسة المغرضة ليست أمرًا هينًا وبسيطًا، يمكن أن يتم بطريقة عفوية وارتجالية بعيدًا عن القيام بعملية الرصد والاستقصاء وجمع المعلومات من جهة، وإدراك جميع الأبعاد والمتغيرات والتحديات من جهة أخرى.
2- أن المرحلة الراهنة -فى ظل عولمة كاسحة وهيمنة غربية كبيرة فى مجال الإعلام وتدفق المعلومات- تتطلب توحيد الجهود والمبادرات لمواجهة حملات التشويه الإعلامى للإسلام وحضارته من خلال استثمار العلماء للنظام الإعلامى المعاصر للتعريف بالإسلام وتوضيح صورته، لا بد من وضع المناهج والوسائل التى من شأنها تحقيق الغايات المنشودة والأهداف المقصودة.
3- أن أمام العلماء تحدياتٍ ومعوقاتٍ تدفع بقوة إلى تغيير آليات وأساليبِ العمل فى مجال تصحيح صورة الإسلام، وهو ما يستدعى مواجهة الآخر بمنطقه ومخاطبته بلغته واستخدام كل الأساليب والوسائل الكفيلة بالتأثير فيه وتوجيهه لتعديل نظرته إلى الإسلام وحضارته الإنسانية.
4- أن تصحيح صورة الإسلام فى الخارج تستدعى تصحيح الصورة فى الداخل، فمهمة العلماء فى التصحيح تبدأ من تصحيح واقع الأمة الإسلامية، ولا يتم ذلك إلا بتغيير الأحوال، وترشيد الأوضاع التى تسهم فى إعطاء صورة مشوهة عن الإسلام وحضارته، ولا يستقيم هذا التغيير إلا إذا كان وفقًا للمنهج الرشيد، وبالأسلوب القويم، وبالعلم والحكمة، وسداد الرأي، ومضاء العزيمة، لأن العالم كله إنما ينظر إلى الإسلام وحضارته من خلال واقع العالم الإسلامى وأحوال المسلمين.
فالحاجة الملحة إلى تقديم الصورة الحقيقية للدين الإسلامي، الحاثة على الاعتراف بالآخر واحترام معتقداته، هى جهد فكرى ودينى يهدف أولًا إلى إبعاد صورة الإسلام عن الإرهاب الذى دأبت بعض التنظيمات على ممارسته باسم الإسلام، ما خلق لدى الآخر صورة ملتبسة عن الدين الإسلامى قوامها أنه دينُ تطرفٍ وغلوٍّ وإقصاء للآخر. هنا تلقى مسؤولية هذا الدور على عاتق جهات فكرية ودينية يفترض أن تصحح صورة الإسلام وتقدمه بوصفه «دين معاملة». فهو نظام حياة لا يدعو إلى إقصاء الآخر أو نفيه، مهما اختلف فى الدين أو العقيدة أو الفكر، هنا يأتى دَور علماء الدين فى المؤسسات المختلفة فى تغيير نظرة غير المسلمين للدين الإسلامى بكل ما يمكن من وسائل، حتى يدركوا ماهية الإسلام الصحيح.