أكد سفير مصر لدى فرنسا ومندوبها الدائم لدى اليونسكو إيهاب بدوي أن مصر ستظل تذكر بكل اعزاز و تقدير دور بطرس بطرس غالي الفاعل و مشاركته المقدرة في المفاوضات التي ساهمت في استعادة الأرض وإحلال السلام القائم على الحق والعدل الذي يجني أبناء الشعب المصري ثماره أمنًا واستقرارًا والتفاتًا لجهود التنمية الاقتصادية.

جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها السفير إيهاب بدوي خلال حفل تكريم ذكرى بطرس بطرس غالي مساء الاثنين بمقر اليونسكو بباريس وبحضور لفيف من الشخصيات المصرية والعربية والدولية.

وأشار سفير مصر إلى أن الدكتور غالي ضرب مثلًا في الانتماء وإعلاء مصلحة الوطن على ما عداها، وكان نموذجًا مشرفًا في كل ما شغله من مناصب على الصعيد الدولي، وفي مقدمتها توليه منصب أمين عام الأمم المتحدة، إذ أدى مهام وظيفته على الوجه الأكمل.

وأضاف أن غالي دأب على صياغة رؤية نشطة وموسعة للتنمية، وعقدت الأمم المتحدة في عهده العديد من المؤتمرات التي عُنيت بالبيئة والتنمية وحقوق الإنسان والسُكان والنهوض الاقتصادي بالمرأة الريفية والحد من الكوارث الطبيعية، وكان يقدر أن هذه السلسلة من المؤتمرات تمثل نسقًا متصلًا يوفر فرصًا فريدة لرفع مستويات الوعي ووضع القواعد والمعايير من أجل صياغة التزام عالمي بجميع جوانب التنمية.

وقال السفير المصري "الدكتور بطرس بطرس غالي قدم نموذجًا حيًا وتطبيقًا عمليًا لما يجب أن يكون عليه الموظف الدولي فهو لم يخضع أبدًا لضغط، ولم يستجب مطلقًا لمغريات، وإنما كان أمينًا نزيهًا شريفًا، يدرك تمامًا أهداف ومبادئ ميثاق المنظمة التي يتولى رئاستها، فحمل أمانتها وأداها، وأتم واجبه بإتقان، ونحَّى مصلحته الشخصية جانبًا بإصرار أمين إلى آخر لحظة في رئاسته للمنظمة الأممية والتي استمرت لخمس سنوات قبل أن يرحل عنها، وهو يؤكد أن المبادئ لا تتجزأ، والمناصب لا تخلد، والتاريخ لن يرحم، والإنسانية لن تذكر إلا المواقف المشرفة للرجال".

وتابع " لقد عاش الدكتور بطرس بطرس غالي مؤمنا بمبدأ التواصل مع جميع الرؤى والأفكار والثقافات، شريطة أن تكون هادفة وبعيدة عن محاولات التفرقة والانقسام وفرض الوصاية، وكانت رسالته أثناء توليه منصبه كأول أمين عام للمنظمة الدولية للفرانكفونية حرصًا خالصًا على دعم المبادئ التي تتأسس عليها من احترام التنوع الثقافي والحضاري.. وتحقيق التقارب بين الشعوب".

ووصف سفير مصر لدى اليونسكو غالي بأنه قامة سياسية وقانونية رفيعة أثرت عبر مسيرتها - التي امتدت على مدار عقود - السياسةَ الدولية فكرًا وعملًا ، وهو ابن من أبناء مصر الذين قدمتهم لخدمة الإنسانية والمساهمة في توفير واقع أفضل لأجيالها المستقبلية، قدوة سياسية وأخلاقية رفيعة.

ولفت إلى أن الفقيد كان دبلوماسيًا قديرًا وخبيرًا في القانون والمنظمات الدولية، وكاتبًا نُشرت مؤلفاته على نطاق واسع .. وكانت له إسهامات عديدة في مجالات القانون الدولي وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، "عرفناه مفاوضًا لبقًا صعب المراس ، وحكيمًا سياسيًا سديد الرأي، ومدافعًا قويًا عن الحق وشخصًا محببًا لكل من يعرفه".

وتابع" غالي، كان رجلًا يعرف قيمة الانتماء يقدرها ويطبقها بمعناها الوطني وعلى الصعيد الأشمل، فقد كان يدرك أهمية البُعد الافريقي في علاقات مصر الدولية، وينظر إلى علاقات مصر الإفريقية باعتبارها علاقات عضوية، يتعين العمل المستمر على تعزيزها وتوثيقها، كان غالي دبلوماسيًا من طراز فريد، يدقق في أفكاره للوصول إلى الطريقة المثلى ليعزز موقف بلاده في محيطها الجغرافي، فساهم بفاعلية في إنشاء الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي".

وأضاف" وبرز اهتمامه الكبير بالقارة الأفريقية التي قطع نحوها مئات الآلاف من الكيلومترات، ذهابًا وإيابًا، ليحفظ لبلاده الدور والمكانة، ولن تنسى القارة الافريقية للدكتور غالي دوره الكبير في الاهتمام بقضاياها والمساهمة في تنمية دولها، فلم تغب عن ذاكرته - إبان توليه منصب أمين عام الأمم المتحدة - المعاناة التي تعيشها بعض دول القارة، لذلك أخذ على عاتقه مساندة الدول التي تشهد صراعات مسلحة من أجل التوصل إلى سلام دائم وشامل، يضمن لها توفير الأمن والاستقرار؛ فجاءت تدخلاته الفاعلة لتسوية أزمات عدد من دولها".

وأشار السفير إلى أن الدكتور بطرس بطرس غالي قد حدد في كتابه "بين النيل والقدس.. يوميات دبلوماسي مصري" قضيتين من أهم القضايا التي تشغل الدبلوماسية المصرية وتتصدر أولوياتها، ولطالما نظر الراحل العظيم لنهر النيل باعتباره إطارًا جامعًا لدول الحوض ومصدرًا لتعاونها وتنميتها؛ فبادر إلى إنشاء تجمع الاندوجو "وهي كلمة باللغة لسواحيلية تعني الإخاء" وهو التجمع الذي كان يضم في عضويته دول حوض النيل ويُعد أول محاولة لإقامة تنظيم إقليمي يضم دول الحوض تحت مظلته وكانت بدايته في عام 1983.

وأكد سفير مصر بفرنسا أن الدكتور غالي كان بحنكته السياسية الواضحة وصبغته الإنسانية الراقية، امتدادًا لعائلته المصرية و المسيحية العريقة التي لعبت دورًا مهمًا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر منذ أواخر القرن التاسع عشر، واتخذ كثيرون من نجاحها دليلًا على التسامح في مصر؛ إذ ظلت تمارس السياسة وتَقَلُد الوظائف المرموقة بالدولة منذ عهد مصر الملكية وكذا بعد قيام ثورة يوليو المجيدة عام 1952.

واختتم سفير مصر لدى فرنسا و مندوبها الدائم باليونسكو كلمته مقتبسًا من كلمات الراحل العظيم الدكتور بطرس بطرس غالي التي عبر فيها عن انتمائه لمصر وانعكاس ذلك على قناعاته إذ قال، "إن انتمائي لمصر الدولة العربية والافريقية التي تطل على البحر المتوسط والتي اضطلعت عبر العصور بدور الجسر والبوتقة التي تفاعلت الحضارات والأديان فيها يفرض علي أن أعتنق ما يسري في عروق كل مصري وما يتسم به فكره ووجدانه ألا وهو الايمان بأن السلام والأمن غاية، والحوار والتفاوض أسلوب، والوفاق والتعاون أمل ".

وأضاف" وأؤكد لكم مجددا أن مصر التي تكونت على ضفاف نيلها واحدةٌ من أقدم حضارات الدنيا ستظل أياديها ممدودة بالخير والسلام للجميع، وستظل قدرتها على العطاء لا حد ولا نهاية لها، وستظل تجود بخيرة أبنائها إثراءً للعمل الدولي، وإعلاءً لقيم الحق والخير والعدل".

كما عبر السفير إيهاب بدوي عن خالص الشكر وعميق الامتنان لمنظمة اليونسكو ممثلةً في السيدة إيرينا بوكوفا لحرصها على التعاون والتنسيق مع وفد جمهورية مصر العربية لدى المنظمة من أجل استضافة هذا الحفل الخاص بتأبين فقيد مصر والدبلوماسية والفكر والسياسة والقانون الدولي بطرس بطرس غالي .. في قلب العاصمة الفرنسية التي طالما احتلت مكانة خاصة في عقل ووجدان الراحل العظيم .. ومثلت رافدًا هامًا من روافد تكوين ثقافته وشخصيته الثرية.