قال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إن المسلمين يعلقون آمالا كبرى على أهل الفتوى ودور الإفتاء؛ فى التخفيف من هذا الانفصام الذى بدأ يتسع ويزداد اتساعا يوما بعد يوم، بين حياتهم المعاصرة وحاجاتها وضروراتها من جهة، وبين هذا التيه من الفقه العبثى – إن صحت هذه التسمية- ذلكم الفقه الذى يطرق أسماع الناس ليلا ونهارا، ويطاردهم حيثما كانوا، ليردهم لا إلى يسر فى الشريعة ورحمة فى القرآن والسنة؛ وإنما إلى أخلاط من الآراء المتشددة التى قيلت فى مناسبات خاصة، وتحت ضغط ظروف طارئة، ليس بينها وبين واقع الناس الآن صلة ولا نسب .
وأضاف خلال كلمته بالجلسة الافتتاحية لمؤتمر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم تحت عنوان "التأهيل العلمى والإفتائى لأئمة المساجد للأقليات المسلمة"، بمشاركة وفود من حوالى 80 دولة، وقد وجد هذا الفقه العبثى كتائب موازية من المفتين؛ نجحوا –للأسف الشديد-فى أن يتغلبوا على كثير من دور الإفتاء فى عالمنا العربى، وأكاد أقول: على كل مجامع الفقه والتشريع، وأولها مجمع البحوث الإسلامية هنا فى الأزهر .
وتابع: ولم يكن هذا النجاح أو هذه الغلبة بسبب من عقلانية هذا الفقه أو يسره، أو قدرته على جعل الحياة أيسر مما هى عليه، وإنما بلغ هذا النجاح ما بلغ بالقدرة على التحرك والنزول إلى الناس بدعاة وداعيات، ودخول البيوت فى القرى والكفور، علاوة على اعتلاء بعض المنابر، والتحدث إلى الناس بما يريدون، فى الوقت الذى ظلت فيه فتاوى دور الإفتاء، وفتاوى المجامع ولجان البحوث الفقهية، فتاوى فردية راكدة، قاصرة على المستفتى، أو حبيسة مجلدات علمية لا يفيد منها ملايين الجماهير من المسلمين، أو رهن مؤتمرات يحدث فيها بعضنا بعضا، ونتواصى فى نهاياتها بما شاءت لنا أحلامنا من آمال وأمان لا تجد من المختصين من يرعاها أو يتابعها أو يسعى إلى تنزيلها على واقع الناس .
وتابع: واسمحوا لى -شيوخنا الأجلاء- فى مكاشفاتى الصريحة هذه، وأرجو، بل ألح فى رجائى ألا يسبق إلى أذهانكم أننى أقف منكم موقف المعترض أو المنتقد، فمعاذ الله أن أكون كذلك! ومعاذ الله أن يسبق إلى نفسى شىء من ذلك؛ فأنا أعى جيدا أننى أتحدث إلى النخبة والذؤابة من أهل العلم والحجا فى عالمنا العربى والإسلامى، وأنا قبلكم أول من يتحمل نصيبه من المسئولية أمام الله وأمام المسلمين، ولكنى ربما كنت أكثركم التصاقا بالجماهير والبؤساء والبائسات، ومعرفة بما يلحقهم من مشكلات أسرية تبلغ حد الدمار والتشريد؛ بسبب من جمود الفتوى، وتهيب الاجتهاد، والعجز عن كسر حاجز الخوف من التجديد، حتى ظننت أننا -كأهل علم وإفتاء- أن كنا على علم دقيق بما نفتى به نصا؛ فإننا مغيبون قليلا أو كثيرا عن محل النص، وإدراك الواقع الذى يفتى بتنزيل النص عليه. لا نتوقف عنده، ولا نتأمل ملابساته ولا وزن الضرر الذى يترتب عليه، ولا حجم المعاناة الاجتماعية والنفسية التى تأخذ بتلابيب الناس من جرائه .
حضر الجلسة الافتتاحية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والمستشار حسام عبد الرحيم، وزير العدل، ووزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة، بالإضافة إلى رئيس جامعة الأزهر الدكتور إبراهيم الهدهد، وجمع كبير من علماء الأزهر الشريف، والسيد محمود الشريف، نقيب الأشراف، والدكتور عبد الهادى القصبى، شيخ مشايخ الطرق الصوفية .