مازال الحديث عن نصر أكتوبر، ممتد، ويدعو للفخر دائمًا وأبدًا، على المستوى العربى والمصرى بشكل خاص، فقد كان لآبائنا وأجدادنا دور عظيم فى استرداد الأرض، ورفع رؤوسنا عالية خفاقة.
"اليوم السابع"، التقى أحد الأبطال الذين شاركوا فى هذه الحرب المجيدة، لإنقاذ واستعادة كل شبر مغتصب من أرض مصر، أنه الدكتور عبد الوهاب المتولى، أحد الضباط الاحتياط فى حرب أكتوبر. وفى البداية يقول الدكتور عبد الوهاب المتولى بدر، ابن مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، أنه تخرج فى كلية الضباط الاحتياط عام 1971، وكان ضمن الدفعة 29 ضباط احتياط، وتم توزيعه على إحدى الوحدات بمنطقة الهايكستب، وكان لها فرع فى فى القطامية وكانت عبارة عن مركز تدريب رماية مدرعات.

عبد الوهاب بدر يتحدث لليوم السابع
ويقول بدر لـ"اليوم السابع": "فى يوم 6 أكتوبر عام 1973 كنت فى مهمة لإحضار مجموعة أدوية للكتيبة، وحينما عدت فى حوالى الساعة 1 ظهرًا، وجدت حالة من الاستياء الشديد بين الضباط والجنود، وفى نفس التوقيت وقبلها بأيام أعلنت القيادة عن عمرة للضباط، وبالفعل تقدم إليها العديد من الضباط مقابل 50 جنيهًا، وكانت هناك تصريحات للرئيس السادات قال فيها أن طريق الحرب طويل وشاق ولم يحن بعد، وتبين بعد ذلك أن كل هذا كان تمويه من الرئيس الراحل محمد أنور السادات".
والساعة 2.05 لاحظنا مجموعة طائرات تحلق فى السماء وسمعنا أصوات مدفعيات ضخمة، واستدعانا قائد الكتيبة، وطلب مننا أن نفطر، رغم أننا كنا فى رمضان، فتعجبنا وسألناه فقال لنا أنه فى هذه اللحظة قواتنا تعبر قناة السويس ونحن فى حرب، وتم إلحاقى بمستشفى أحمد جلال العسكرى، وكنا نجمع الجرحى القادمين من الجبهة لعلاجهم.
وهنا أذكر موقف لا أنساه أبدا، وهو حينما كان يتم نقل المصابين بسيارة داخل ميدان القتال إلى مؤخرة الجيش لنقلهم للقاهرة، كان أحد الجنود قد بترت نصف يديه إلى الكوع، ورغم ذلك كان يرفعها ويردد الله أكبر الله أكبر.
وتابع: أُلحقت أثناء المعركة باللواء 11 مهندسين دفاع جوى، وكانت مهمته تنظيف الأماكن أمام القوات من الألغام وما إلى ذلك، حتى أننى أحتفظ بعلبة ذخيرة إسرائيلية، وعبرت القناة وحينما وصلت لأرض سيناء سجدت على الأرض باكيًا.
وأكد بدر، أن الشعب المصرى بالكامل كان على قلب رجل واحد خلال حرب أكتوبر، وكانت هناك روح وطنية كبيرة جدًا، قائلاً:"أذكر أنه أثناء المعركة، طلب منى القائد العودة للإسماعيلية بمجموعة جنود لإحضار وجبات للضباط والجنود، وكان القائد يجعلنى مسئولا من التوجيه المعنوى والترفيه عن الجنود، وأثناء السير إلى الإسماعيلية طلب منى الجنود شرب عصير قصب، وبالفعل توجها لمحل عصير وشربنا ورفض صاحب المحل أخذ ثمن العصير".
وتابع: مستشفيات مصر كلها كانت مجندة لاستقبال الجرحى، وكان المجندون والضباط فى عنبر واحد، حيث كان الضباط يرفضون تلقى العلاج فى حجرات خاصة، وهى روح وطنية عالية جدًا، وكنا نتلقى يوميًا زيارات عائلية لأسر بسيطة بأطفالهم يزورن الضباط والمجندين المصابين ويعطونهم هدايا بسيطة مثل الورود، حتى أن الأسر كانوا يخرجون فى عيد الفطر لزيارة المصابين وكأن المستشفيات أصبحت مزارات وأماكن للتنزه، فقد كان المصريين يتسابقون لزيارة المصابين.
القوات البحرية
كان للقوات البحرية المصرية، مجهود لا ينسى خلال حرب أكتوبر المجيدة، وقبلها، حيث كان للقوات البحرية عمليات قتالية كثيرة خلال حرب الاستنزاف أبرزها تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات عام 1969، ولما لا وهى أقوى سلاح بحرى فى الشرق الأوسط وأفريقيا، وأكبر وأعرق الأسلحة البحرية فى العالم، كما أنها تحتل مرتبة متقدمة عالميًا من حيث عدد السفن.
والتقى "اليوم السابع" أحد أبطال البحرية المصرية فى حرب أكتوبر، الذين تتطوعوا فى الخدمة لتلبية نداء البلاد فى ذلك الوقت، أنه الرقيب أول بحرى فتحى فرج أحمد، ابن محافظة الإسكندرية. ويقول الرقيب أول بحرى فتحى فرج أحمد، إنه تطوع فى الجيش فى ديسمبر عام 1970، ومنذ بداية عام 1972 التحقت بقاعدة بورسعيد البحيرة، التابعة للجيش الثانى الميدانى، وكانت مهمتنا فى الحرب هى تجهيز الصواريخ للنشات قبل بدء أى عملية.

رقيب أول بحرى فتحى فرج مع محرر اليوم السابع
وأضاف فرج: "إن قاعدة بورسعيد البحيرية، كانت مهمتها حماية الساحل الشمالى لبورسعيد وحتى دمياط بالكامل، والعدو حاول اختراق بورسعيد طوال 24 يومًا قتال مدة الحرب بسبب هذه القاعدة لأمن لانشات الصواريخ أذاقتهم الأمرين. وتابع فرج: كانت لانشات الصواريخ تخرج على مسافة قريبة من الشاطئ وتضرب مواقع إسرائيلية، كما أنها تصدت للمعركة البحرية الضخمة يوم 22 أكتوبر، شمال ساحل بورسعيد، حيث أطلق لانش بحرى مصرى صاروخين، وخاطب العمليات أنه أطلق الصواريخ وأثناء عودته للتسليح مرة أخرى، توجهنا للرصيف لتسليح اللنش مرة أخرى وأثناء التسليح رصدتنا 4 طائرات للعدو".
وكان معنا اللواء إبراهيم عجلان وكان وقتها ملازم أول، فأمر السيارتين بالخروج على البوابة وظللنا نحن نحمل الصواريخ على اللنش وفجأة عادت الطائرتان من جديد، وكنا بالفعل سلحنا اللنش فى خلال 10 دقائق رغم أن العملية تستغرق فى المعتاد 30 دقيقة. وفجأة أطلقت علينا الطائرات النيران، وظللنا نجرى على الرصيف بطريقة الزجزاج حوالى 500 متر بعيدا عنها.
وعن أبرز المواقف التى لا ينساها الرقيب أول بحرى فتحى فرج أحمد، أنه أثناء تواجده بموقعه، وأثناء خروجه من الحفرة البرميلية الخاصة به فوجئ بطائرة للعدو تحلق فوقه على مسافة حوالى 15 مترًا، فانبطح أرضًا، وأطلقت الطائرة دانة ضخمة فاستيقظ مهرولاً إلى وحدته، قائلاً: "أثناء هروبى من النيران التى أطلقتها الطائرة دخلت شوكة فى قدمى، وواصلت الجرى، وفى اليوم التالى كنت لا أستطيع السير على قدمى وأمرنى القائد بالذهاب للمستشفى، وحينما وصلت للمستشفى وجدت الطرقات كلها دماء فخجلت من نفسى أن أدخل وأقول لهم أنى مصاب بشوكة فخرجت من المستشفى".
وتابع فتحى فرج: موقف آخر لا أنساه أننى خرجت إلى إحدى شوارع بورسعيد وأخذت ورقة وقلم من إحدى الأكشاك لأكتب جواب إلى والدى وكتبت والدى العزيز أنا بخير اطمأن.. ولم أكمل الجواب إلا ووجدت غارات جوية للعدو فجريت مسرعا إلى وحدتى، وأثناء ذلك لاحظتنى إحدى الفتيات المتطوعات فيما كان يسمى بالمجهود الحربى وأخذوا منى الجواب وأرسلوه لوالدى، وحينما قرأه ظن اننى استشهدت فأرسل جوابا لوحدتى كتب فيه: "السادة زملاء فتحى إذا كان فتحى أصيب أو استشهد فهذا قدر الله ولكن أرجو أن تبلغونى".
المشاة سادة المعارك
ويقول العميد محمد فكرى عبد الحى، أحد أبطال سلاح المشاة، أن آريل شارون، قال إنه كان يتوقع عبور القوات المصرية للقناة، لكن المفاجأة كانت فى الجندى المصرى، فلم يكن هو نفسه الذى كان يحارب فى عام 1967. ويروى عبد الحى لـ"اليوم السابع"، تجربته فى حرب أكتوبر، منذ تخرجه فى الكلية الحربية عام 1968، قائلاً: " قبل حرب أكتوبر شاركت فى حرب الاستنزاف، والتى كانت مرحلة أساسية شهدت إعداد مكثف للقوات المسلحة، وأبليت فيها بلاء حسنا وكبدت العدو خسائر فادحة".

العميد محمد فكرى أحد أبطال المشاة
وتابع عبد الحى: فى شهر أكتوبر، تم استدعاؤنا من فرقة قادة سرايا مشاة، وتوقفت الفرقة وتجمعنا فى الكتائب، وكانت القوات رافعة حالات الاستعداد، والمركبات والذخائر على أهبة الاستعداد أيضا، وتوليت قيادة سرية مشاة فى اللواء الثانى بالفرقة 19. وفى يوم 4 أكتوبر كنا نفطر سويًا مع بعض القادة، من بينهم الرائد فخرى المسيرى، رئيس عمليات الكتيبة الذى تنبأ بيوم العبور، حيث قال لنا وقتها أن يوم السبت عيد لدى اليهود لذا قد يكون ساعة الصفر، لكن شاء القدر أن يستشهد الرائد المسيرى يوم 6 أكتوبر.
وتابع: يوم السبت 6 أكتوبر الساعة 10 صباحا، استلمت ظرف به ساعة الصفر، وكنا على أتم استعداد بالفعل وتم العبور وشاهدنا أعظم مشهد، من خلال الضربة الجوية والعبور بالقوارب للضفة الشرقية، وشاهدنا كيف كان جندى المشاة يهاجم المدرعات بل ويدمرها من خلال صاروخ "المالوتكا" فقد كانت أعظم ملحمة بمعنى الكلمة.
وأشار عبد الحى، إلى أنه كان مخطط لخمسة فرق عبروا قناة السويس، وكان من بين هذه الفرق، فى الجنوب من ناحية مدينة السويس الفرقة 19، وكان يتبعها اللواء الثانى تحت قيادة اللواء فاتح كريم، والذى كانت مهمته الرئيسية اقتحام جبل المر، وبالفعل استطعنا الاستيلاء على جبل المر فى وقت محدود جدًا وبخسائر لا تذكر، يوم 9 و10 و11 أكتوبر وانسحب العدو تماما حينما وجد كميات من الصواريخ تطلق عليه من أعلى الجبل.
ويروى عبد الحى طريقة الإسرائيليين فى القتال، قائلاً: "العدو الإسرائيلى أعمال قتاله كانت تتم عن بعد، فكانت القوات الإسرائيلية لا تقاتل إلا بأعمال الارتداد وبالتالى كنا نهاجمه ونتوقف فنكسب نحن أرض ويخسرها هو، إلى أن وصل على خط يصل إلى 20 كيلو شرق السويس، وقواتنا على مسافة 15 كيلو فيما عرف بالوقفة التعبوية".
ومن المواقف التى لا ينساها النقيب محمد فكرى عبد الحى، فى حرب أكتوبر 1973، أنه أثناء تمركزه بالقوات أعلى جبل المر، ففكر قائد الكتيبة أن يرسل مجموعة بسيارة لتجهيز فى مؤخرة الكتيبة وجبة كنافة لتوزيعها على الجنود أثناء الإفطار، لرفع الروح المعنوية لديهم، وكلفنى بقيادة المجموعة لمؤخرة الكتيبة وبالفعل ذهبت معهم وتركتهم لإعداد الكنافة وعدت مجددًا، لكن يوم 18 أكتوبر و19 أكتوبر حدثت ثغرة شارون وبدأت الدبابات تحاول اختراق المنطقة خلف الجيش الثالث، بعد فشلها فى اختراق مؤخرة الجيش الثانى، واستشهد قائد شرف من المجموعة ودمروا المكان بالكامل، ضاحكًا: "ولم نأكل كنافة".