رحل عن عالمنا أمس الشاعر و الإذاعي المصري فاروق شوشة، الذي عرف ببرامجه الإذاعية التي كرسها للتعريف بجماليات اللغة العربية وبلاغته، ليس مصادفة أن يولد فاروق شوشة في قريةٍ تحملُ اسم “قرية الشعراء” بدمياط؛ ليخرج منها إنسانًا وشاعرًا يحمل هم واقعه في صدره، من قرية الشعراء خرج إلى الدنيا يصدح بحبه للغة، يجعل همها نصب عينيه، تراه حينًا فارسًا يقف محاربًا في صفوف اللغة وتارةً أخرى تجده يقود الجيوش، وإلى قرية الشعراء يعود بعد 80 عامًا وكأنه قد أكمل مسيرته الشعريَّة وشعر بالاكتفاء، وهذا ما صرَّح به صديقه الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، الذي قال إن شوشة كان يردد طوال الوقت: هاجس الموت يعيش داخلي، وكأنه كان ينتظر موعده.
ولد فاروق محمد شوشة 17 فبراير لعام 1936، حفظ القرآن، وأتم دراسته في دمياط. وتخرج في كلية دار العلوم 1956، وفي كلية التربية جامعة عين شمس عمل مدرساً 1957، والتحق بالإذاعة عام 1958، وتدرج في وظائفها حتى أصبح رئيساً لها 1994 وأخيراً عمل أستاذاً للأدب العربي بالجامعة الأميركية بالقاهرة.

أهم برامجه الإذاعية: لغتنا الجميلة، منذ عام 1967، والتلفزيونية: (أمسية ثقافية) منذ عام 1977، عضو مجمع اللغة العربية في مصر، رئيس لجنتي النصوص بالإذاعة والتلفزيون، وعضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة المؤلفين والملحنين، شارك في مهرجانات الشعر العربية والدولية.
أهم أعماله
كان لديه العديد من المؤلفات والأشعار ومن أهم دواوينه الشعرية : إلى مسافرة، العيون المحترقة، لؤلؤة فى القلب، فى انتظار ما لا يجيء، الدائرة المحكمة، الأعمال الشعريةن لغة من دم العاشقين، يقول الدم العربي، هئت لك، سيدة الماء، وقت لاقتناص الوقت، حبيبة والقمر (شعر للأطفال)، وجه أبنوسي، الجميلة تنزل إلى النهر , ومن بعض مؤلفاته : لغتنا الجميلة, العلاج بالشعر, مواجهة ثقافية.
جزء من أجمــل قصائـــــد الشـــــاعر فاروق شوشة .
عندما يَجْتاحُنا الحزنُ الرَّماديُّ ، ونُقْعِي في زوايا القلبِ مكسورين ، نَجْترُّ الحكاياتِ القديمة .

الأسى الفارغُ يستيقظُ من بيْنِ الدَّهالِيزِ ، ويصحُو وترُ الشَّجْوِ ، الكتاباتُ التي جَفَّتْ على الأوراقِ كانت ذات يومٍ صوتنا العَالِي ، لفْح الشَّوْقِ ، والرُّؤْيا الحميمة .

خرجتْ منها وجوهٌ لفَّعتْها دورةُ الأيامِ ، شاخْتْ في كُوى النِّسْيانِ ، تحْكي وجه بُومة .

في الجدارِ الأسْودِ الشَّاخصِ نرتدُّ ، وفي قاعِ العيونِ الجُوفِ نَهْوِى ، نَكْتَوِي مِنْ لذعةِ الذكرى ، ومن وحْدِتَنْا في ليلنا العارِي ، ومِنْ هَوْلِ انسحاقِ القلْبِ من طَعْمِ الهزيمة
ها أنا في دَوْرَةٍ الإعصارِ أرتَدُّ عنيفا

خائبَ المَسْعَى أسيفا

و انهمارُ العُمرِ من حولي خُطّى مَبْهُوَرةُ الأنِفاس ، فُقَّاعَاتُ لَغْوٍ زائفٍ ، صارت على الْوَجْهِ أخاديدَ ، وفي القلبِ حروفا

سَكَنَتْ همَّتُكِ الشَّمْطاءُ يا نفسُ ، عَرَفْتِ الأمرَ ، جَرَّبْتِ الذي كان ، تَخَطَّيْتِ الزَّوايا والصُّفوفا

و المصَلِّين _ وراء الهيكلِ البِالي _ وُقُوفا

ها أوانُ الْفَصْلِ ، بوحِي ، اعْتَرِفِي ، لا تَدَّعِي بَعْدُ عُزُوفا

و اهْتِكِي عنك ستار الرَّغْبَةِ الْحُبْلىَ ، قِنَاعَ الأسفِ الكاذبِ ، ذاك المضحكُ الْمُبْكِي ، فما عادَ يفيدُ الصَّمْتُ ، كُوشِفْتِ ، وأتُرِعْتِ من اليأسِ صُنُوفا

كم تطامنتِ ، وأسرعتِ الخطى عَدْواً ، وجاوزتِ حدودَ الوهْمِ ، شارفتِ على الأفقِ ظلالا قابعاتٍ ، و طيوفا

كم تبدَّلْتِ قِنَاعاً ، وتلبَّسْتِ خِداعاً ، وتواريْتِ وراء الأملِ الخُلَّبِ سَيْفاً ورغِيفا

وصحوْنا حين طار العمرُ ، نقْتاتُ الحصادَ الْمُرَّ ، نهتزُّ لمرأى الْغَدِ إذ يفْجَؤُنا عارِينَ ، ننهارُ جِراَحاً و نَزَيِفا
جزء من قصيدة أخرى
“سأذكر بارقة من حنين
أضاءت بقلبي فراغ السنين
وأذكر موجة حب دفين
تداعب أحلامنا كل حين
وتطفو على صفحات العيون
سأذكر ماعشت هل تذكرين.”
وقد كرّمته دول ومهرجانات ومؤتمرات كثيرة في مصر وخارجها، وكان آخر ما حصل عليه جائزة “النيل في الآداب” في يونيو/حزيران الماضي، وهي أبرز جائزة سنوية تمنحها مصر في مجال الثقافة والفنون.
وفاته

توفى أمس عن عمر يناهز الثمانين عاماً، في ذات القرية التي شهدت ميلاده، وحمل عنها لقبها، وهي قرية الشعراء بمحافظة دمياط، ودفن جثمان الراحل في قريته بدمياط عقب صلاة الجمعة.