لا خلاف بين أغلب الاقتصاديين حول أهمية إجراءات وخطط الإصلاح الاقتصادى سواء المخطط تنفيذه أو ما تم تنفيذه بالفعل، مثل بدء التعامل مع المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولى والرفع التدريجى لدعم الطاقة وإقرار وتطبيق قانون القيمة المضافة، ولكن يظهر الخلاف واضحاً بشأن ترتيب أولويات تنفيذ هذه الإجراءات.
ومنعاً للمزايدة فإننى ابتداءً من المؤيدين لضرورة اتخاذ تدابير إصلاحية جريئة إلا إننى متحفظ على ترتيب تنفيذ هذه التدابير، وبنظرة شاملة نجد أن الحكومة قد قررت تأجيل إصلاح سوق الصرف رغم أن هذا القرار إذا ما تم تنفيذه أولاً كان من الممكن أن يضمن تحقيق مكاسب تنموية ذات دور مؤثر فى الحد من الآثار السلبية لعملية الإصلاح الاقتصادى ككل.
فالحاصل الآن أننا على يقين بأن سعر الدولار ليس 8.88 جنيه السعر المعلن من البنك المركزى، إلا إننا وبذات اليقين نعلم أن سعر 14 جنيها سعر مبالغ فيه وأن السعر الحقيقى قد لا يتجاوز 11 جنيها، بما يعنى أن لدينا زيادة مفتعلة بسبب الازدواجية فى السوق بنسبة تتراوح من 25-30%.
من ناحية أخرى، فإن تحرير سعر الصرف والوصول لقيمة عادلة للدولار فى مواجهة الجنيه من شأنه أن يدفع المستثمرين الأجانب إلى اتخاذ قراراتهم المؤجلة بشأن تنفيذ استثماراتهم فى مصر أو توسيع القائم منها، ونعلم يقيناً أن هناك حالة من عدم الاستقرار تشوب القرارات الاستثمارية للشركات العالمية بسبب عدم استقرار سعر الصرف كسبب رئيسى وجوهرى، خاصة وأن هذه الشركات تقييم جميع أعمالها بالدولار وتحتاج لضمانات مستقرة وحرية تحويل أرباحها للخارج وأيضاً تمويل تدفقاتها النقدية محلياً وعالمياً بسهولة ويسر وهو ما لا يمكن توافره إلا بسوق سعر صرف مستقرة وعادلة.
أضف إلى ذلك أن ما أعلنته الحكومة عن أهدافها التنموية لتصل لمعدلات نمو ما بين 6% إلى 7% وهو ما يعنى تقريباً ضعف معدل النمو الراهن 3.7% فى المتوسط وهذا يحتاج ليس فقط للاستثمارات الأجنبية المؤجلة والمترددة ولكن أيضاً يحتاج إلى ضبط ميزان المدفوعات من خلال تدعيم الصادرات وتحجيم الواردات، وتحرير سعر الصرف هو من أهم أدوات تحقيق ذلك ودون آثار سلبية على علاقات مصر الاقتصادية مع دول العالم، فى حين أن اللجوء لإجراءات الحماية الإدارية أو القانونية مثلما حدث فى قرارات تحجيم الاستيراد يؤدى حتماً لإضرار مماثلة للصادرات المصرية تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل بين الدول وأنظر مثلاً لأزمة القمح وفطر الإرجوت فى مواجهة صادرات الفاكهة المصرية للسوق الروسية هذا بخلاف أن سعر الصرف العادل له آثار إيجابية عديدة على السياحة المصرية المتعثرة أصلاً، وعلى المناخ الاقتصادى العام وتحقيق معدلات نمو مستقرة وجاذبة للاستثمار الأجنبى المباشر وغير المباشر.
ولما كان ما جرى وتم بالفعل هو تطبيق قانون القيمة المضافة وبدأت المفاوضات مع صندوق النقد الدولى لتحرير سعر الطاقة جزئياً فقد يكون من الضرورى عدم التأجيل أكثر من ذلك والدخول بجرأة إلى معترك حل الأزمة وتحرير سعر الصرف وبأدوات اقتصادية تضمن سعر عادل ومتوازن لسلة العملات فى مواجهة الجنيه وعلى رأسها الدولار بالطبع.
وأعلم أن هذا الطرح سوف يزيد مخاوف زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، ولكن الحقيقة أن معظم مستلزمات الإنتاج والمنتجات المستوردة تتعامل بسعر دولار السوق الموازية المرتفع، بما يعنى أن الأسعار الراهنة هى الأسعار التى ستسود بعد تحريك سعر الصرف بل سأكون متفائلاً أكثر من احتمال تراجع الأسعار بعد فترة وجيزة، كما حدث عقب تحريك سعر الصرف عام 2004 واستقراره فى أقل من عام إلى معدلات أقل كثيراً ساهمت فى الحد من ارتفاعات الأسعار وقتها.
ورغم ذلك فإن ما سبق يتطلب بالضرورة تبنى برامج اجتماعية تضمن حماية الطبقة المتوسطة بقدر ما تضمن تخفيض المعاناة عن الطبقات الفقيرة والمعدمة والتى تبلغ نسبتها 28% وفق تعريف البنك الدولى لحد الفقر، فيجب أن نستفيد من تجارب البرامج الاجتماعية السابقة التى فشلت بسبب توجهاتها الدعائية واهتمامها بمعدومى ومحدودى الدخل فقط وبين أنصهارها فى بيروقراطية الجهاز الإدارى.
فالطبقة الفقيرة والمعدمة تجد معاونة من معظم مؤسسات المجتمع المدنى والجمعيات الخيرية وهى هدف دائم لكافة البرامج الاجتماعية للشركات والمؤسسات وحتى الهيئات الحكومية والوزارات، ولكن تظل المشكلة الرئيسية فى الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة هذه الطبقة عادة تعانى ضغوطا رهيبة ولكنها لا تستطيع أن تدخل فى متاهة البرامج الخيرية المباشرة لأن ثقافتها وطبيعة تكوينها تمنعها من ذلك.
وهنا مكمن الخطر لأنه لن يكون هناك اقتصاد قوى ولا مجتمع فاعل بدون طبقة متوسطة قوية وقادرة على قيادة التنمية، ولذلك يجب أن تتبنى البرامج الاجتماعية هدف الحفاظ على الطبقة المتوسطة وتنميتها بنفس قدر تبنيها لأهداف تخفيض المعاناة عن الطبقات الفقيرة ومعدومى الدخل.
وبالطبع فإن ذلك يحتاج إلى برامج اجتماعية مُبتكرة فى التناول تعتمد على مفهوم التنمية وليس المساعدات بمعنى توفير أدوات ووسائل لأبناء الطبقة المتوسطة يستطيعون من خلالها ضمان مدخولات مستدامة تضمن لهم الحفاظ على مستوى معيشتهم ومراكزهم الاجتماعية بل والطموح لأكثر من ذلك بالارتقاء اجتماعياً فى مراحل تالية، ولا مانع من الاستعانة بتجارب دول أخرى فى هذا الشأن ومنها برامج التنمية الاجتماعية التى بدأ تنفيذها مؤخراً فى اليونان عقب أزمتها الاقتصادية الطاحنة وبرامج بنك الفقراء فى بنجلاديش وتجارب العديد من الدول ذات الظروف المشابهة مع إجراء التعديلات المناسبة لطبيعة وتكوين الاقتصاد والمجتمع المصرى.