ناشدت دار الإفتاء المصرية، الدولة ممثلة في مؤسساتها المختلفة التعاون من أجل إيجاد حلول للأزمات التي تواجه المواطنين، مطالبة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه السلع الأساسية التي هى حق أصيل لكل المصريين، والتي يُعَدُّ تأمينها من واجبات الدولة.

وشددت على ضرورة الضرب بيد من حديد على كل من يحاول المساس بأي من مقومات الحياة لأي مواطن، مطالبة جميع المؤسسات بأن تضطلع بدورها في اتخاذ الإجراءات الوقائية ضد حدوث مثل هذه الأمور على أي سلعة من السلع الأساسية، سواء كانت خبزًا أو أسطوانات غاز أو محروقات أو غيرها.

طالبت دار الإفتاء - في فتوى أصدرتها لجنة أمانة الفتوى بالدار - البائعين وأصحاب المحال التجارية بأن يتقوا الله ويمتنعوا عن بيع السلع التي يحتاجها المواطنون بأغلى من سعرها الرسمي، مؤكدة أن احتكار السلع ورفع أسعارها على المشترين هو "خيانة للأمانة".

وقالت الفتوى إنه يحرم الاحتكار لكل ما يحتاج إليه الناس دون تحديد للطعام أو لغيره؛ لأن العلة هى الإضرار بالناس، فحيثما وجدت العلة مع أي سلعة وجد الحكم.

وأكدت الفتوى أنه على الجهات المختصة في الدولة وضع تسعيرة جبرية لأسعار السلع إذا كان هناك مبالغة في الأسعار وزيادتها عن القدر الطبيعي لها ووجود احتكار من جانب بعض التجار لسلع يحتاجها المواطنون.

وأضافت الفتوى أن التسعير منه ما هو ظالم لا يجوز ومنه ما هو عادل جائز، وفندت الفتوى حجج المتذرعين بتحريم التسعير استنادًا إلى ما رواه أنس بن مالك رضى الله عنه عندما قال: "قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال رسول الله: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال".

وأشارت الفتوى إلى أن "من يمنع التسعير مطلقًا بهذا الحديث فقد أخطأ لأن هذه قضية وليست لفظًا عامًا وأن امتناعه (صلى الله عليه وسلم) عن التسعير هو من تصرفاته بمقتضى الإمامة والسياسة الشرعية".

وحددت الفتوى الحالات التي يكون للمسئولين فيها حق التسعير وهى: أن يزيد أرباب الطعام القيمة زيادة فاحشة مع حاجة الناس إلى السلعة، واحتكار المنتجين أو التجار للسلعة، وحصر البيع لأناس معينين، وتواطؤ البائعين ضد المشترين أو العكس.

ونبهت على أن شراء السلع المتوقَّع ارتفاع سعرها طلبًا للربح إن تم بيعها بثمن مثلها بلا حبس فهو جائز، وإن اشتراها وقت الغلاء وحبسها متربصًا زيادة السعر مع حاجة الناس إلى ما حبسه فهو من الاحتكار المحرَّم، مؤكدة أنه لا بأس بحبس تاجر نتاج متجره أو مصنعه وبيعه بالسعر الذي يراه ما لم تكن هناك ضرورة أو حاجة بالناس للسلعة المحبوسة.

وألمحت إلى أن أحد خصائص المعاملات المالية في الإسلام مراعاتها لمصالح أطراف المعاملة جميعًا بحيث لا يلحق ضرر مؤثِّر بأحد الأطراف، وتلك الخصيصة طبيعة لما يمليه العدل الكامل الذي رسَّخته الشريعة الإسلامية، وكل ذلك لأن المعاملات مبناهاعلى التشاحح لا المسامحة. ولأجل تحقيق هذا المقصد نهى الشارع عن بعض الممارسات التي قد تضر بمصالح بعض أطرافها، وسدَّ بطريقة محكمة منافذ هذه الممارسات بما يجفف منابعها، مشددة على أن من تلك الممارسات ما يعرف بـ (الاحتكار) الذي هو أحد الأسباب الرئيسة في ظهور ما يعرف بـ (السوق السوداء).

ونوهت بأن بأنها استخلصت من تعريفات الفقهاء للاحتكار، بأنه كل أمر فيه تضييق على الناس يلحق بهم ضررًا، وأنه يتحقق بشراء الشيء وقت الغلاء وحبسه مع احتياج الناس إليه ليبيعه بأزيد من ثمنه.

وأكدت أنه ورد النهي عن الاحتكار في عدة أحاديث، منها: حديث معمر: «لا يحتكر إلا خاطئ» (رواه مسلم)، وفي رواية: «من احتكر فهو خاطئ»، ومنها: حديث أبي أمامة: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُحتَكَر الطعام». (رواه الطبراني). ومنها: حديث أبي هريرة: «من احتكر حكرة يريد أن يُغْلِيَ بها على المسلمين فهو خاطئ» (رواه أحمد والحاكم والبيهقي). وحديث معقل بن يسار: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغْلِيَه عليهم فإن حقًّا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة» (رواه أحمد والحاكم والبيهقي والطبراني). وروي بسند ضعيف: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون» (رواه ابن ماجه والبيهقي في السنن).

وأوضحت أن جمهور الفقهاء هذه الأحاديث على الحرمة، لأن نفي الاحتكار الوارد في حديث معمر أبلغ في الدلالة على التحريم من النهي، لأنه بمعنى لا ينبغي لأحد أن يفعل هذا، كما أن المخطئ هو الآثم العاصي، يقول الشوكاني بعد إيراده أحاديث الاحتكار: «ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار، ولو فرض عدم ثبوت شيء منها في الصحيح، فكيف وحديث معمر المذكور في صحيح مسلم، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف في إفادة عدم الجواز» (نيل الأوطار 5/261، ط. دار الحديث).

وبيّنت أن والتصريح بالطعام في حديث أبي أمامة لا يصلح حمل النهي المطلق في الأحاديث الأخرى عليه لاحتمال كونه من باب التنصيص على فرد من أفراد المطلق لا لنفي الحكم عما عداه.

ورأت أن التحريم لا يثبت إلا بشروط، يكاد يتفق الفقهاء على ثلاثة منها، وهي: الشراء وقت الغلاء، والمراد بالشراء شراء السلعة الموجودة في البلد، والحبس مع تربص الغلاء، وإحداث ضرر بالناس جراء الحبس، فإذا اختل واحد من هذه الثلاثة فلا يكون احتكارًا، فلو حبس السلعة ولم يكن للناس في المحبوس حاجة، أو حبسها مع بيعها بثمن المثل، أو اشتراها في حال الضيق والغلاء ليربح فيها بلا حبس، فلا يعد احتكارًا؛ وكذا لو حبس ما تنتجه أرضه من زرع أو مصنعه من سلع، أو استورد سلعة من خارج البلد وحبسها فلا يعد احتكارًا ولو مع غلو ثمنها، شريطة ألا يكون بالناس ضرورة إليها بحيث يصيبهم ضرر بالحبس؛ لأن المقصد من منع الاحتكار إنما هو الضرر الواقع على مجموع المستهلكين جراء حبس السلعة وقت الضيق والغلاء، وهذه الصور نصَّ عليها فقهاء الشافعية وبعضها تفهم من ظاهر العبارات

وألمحت إلى أن الفقهاء حذَّروا أيضًا مما يشبه الاحتكار، كما فيما يحدث من بعض التجار في إغراق السوق بسلعة معينة وخفض سعرها لإكراه بعض التجار على الخروج من السوق، وهذا يؤول إلى ما يسمى في العرف الاقتصادي بـ(احتكار العَرْض)، وصورته سيطرة فرد أو جماعة على فرع من فروع الإنتاج ومن ثَمَّ يتحكم هذا الفرد أو هذه الجماعة في الأسعار في مواجهة عدد من المشترين، والمقصد من منع هذه الصورة لا لأن فيها معنى الاحتكار، بل لما فيها من ضرر بالعامة.

واستندت على منع الصورة الأولى إلى ما رواه مالك والبيهقي وعبد الرزاق من حديث ابن المسيب أن عمر بن الخطاب مرَّ على حاطب بن أبي بَلْتعة وهو يبيع زبيبًا له في السوق، فقال له عمر: «إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع عن سوقنا». موضحة: والوجه فيه خشية عمر محاولة احتكار السوق عن طريق إخراج بعض أهله منه بسبب خفض الأسعار.