كتبت مجلة "ناشونال إنتريست" مقالا تشرح فيه أسباب موجة الاحتجاجات غير المسبوقة التي تجتاح أثيوبيا منذ نوفمبر العام الماضي، والتي بدأت ضد قرار حكومي بتوسيع الحدود الإدارية للعاصمة أديس أبابا إلى منطقة "أوروميا"، ثم وسعت إلى منطقة "أمهارا" المجاورة، مما ألقى بظلاله على عقود من التهميش العرقي والحكم الاستبدادي من الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF).

وكان رد النظام الحاكم قاسيا، حيث قُتل أكثر من 500 شخص حسب منظمة هيومان رايتس ووتش، خلال ما أسمته الولايات المتحدة الأمريكية الاستخدام المفرط للقوة، كما اعتقل عشرات ألاف أخرين، كما قضى 23 سجينا سياسيا في حريق غير واضح الأسبابا في سجن كيلينتو. إلا أن هذا لم يوقف المظاهرات، بل زاد من حدتها.

وقد فتحت الاضطرابات الأخيرة ملف التناقضات الدستورية والفكرية التي تضرب قلب الدولة الإثيوبية. ويعد فهم هذه المشكلات أساسيا لفهم الاضطرابات التي تضرب البلاد اليوم.

وأكد إسكندر نيجا - أحد الصحفيين والمدافعين عن الديموقراطية الذين يخضعون للاعتقال اليوم- في عام 2010 أنه لا يمكن استثناء الشأن الطائفي من السياسة الإثيوبية.

ويتكون المجتمع الإثيوبي من تسعة طوائف عرقية أساسية، و80 طائفة فرعية، وتحكم البلاد طائفة أمهارا، وينتمي الإمبراطور هايلي سيلاسي، وقبله الإمبراطور مينيليك (1889-1913)، وبعده نظام "ديرج" لمينجيستو هايلي مريم (1974-89) كلهم ينتمون إلى طائفة أمهارا. وسعى كل من هؤلاء إلى توحيد إثيوبيا، متخذين من اللغة والثقافة الأمهرية قاعدة رسمية للهوية الإثيوبية، وتم إلغاء كل الهويات الأخرى، من خلال الاستيعاب أو العنف.

وكان نظام ديرج عديم الرحمة في هذا الأمر، ويرى أن التعدد العرقي تهديدا لوحدة البلاد، وأطلق حملة "الإرهاب الأحمر"، قتل فيها ما يزيد على 500 ألف شخص، على اعتبار أنهم أعداء الدولة الأمهرية، وقد أثرت سياسة نظام "ديرج" بشكل خاص على سكان "تيجراي" وهي منطقة صغيرة تقع على حدود البلاد الشمالية مع إريتريا، ويشكل التيجراي اليوم 6% من سكان البلاد، حيث تسببت السياسة الوحشية للحكومة، وقلة الفرص الاقتصادية ومنع هجرة العمالة في فرض عزل سياسي اقتصادي على طائفة تيجراي.

وقد أدت عمليات القمع على مدار سنوات في كره طائفة أمهارا والدولة معها.

كما أدت إلى ظهور ما يسمى بـ "القومية الانفصالية"، وظهور مجموعات قومية عرقية مثل "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" أو (TPLF) ، التي تعتبر الدولة نظام احتلال قمعي يجب على عرقيات البلاد التحرر منه.

وقد قامت الجبهة بحركة تحررية عام 1975، وكان الإعلان الأول للحركة عام 1976 هو تأسيس دولة "تيجراي" ديموقراطية.

ونجحت الجبهة في الإطاحة بنظام "ديرج" في عام 1989، ثم شكلت تحالفا مع ثلاثة فصائل سياسية أخرى لتكوين (EPRDF)، وتم تقسيم البلاد إلى تسع مناطق عرقية، تملك كل منها سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، أي الحكم الذاتي.

وبمرور الوقت ازدادت المركزية في العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، وأصبحت السلطة المحلية تعاني من العجز، حتى أن "الفيدرالية العرقية" الإثيوبية فقدت معناها وتعد إثيوبيا في الوقت الحالي المثال الحي على مقولة "فرق تسد".

وعلى مدى سلمت عقود من حكم أمهارا إلى عقود من حكم "تيجراي"، حتى أن الرئاسة والبرلمان والحكومة المركزية ووزارات الحكومات المركزية والشركات العامة والمؤسسات المالية، كلها تقع تحت سيطرة (TPLF) منذ عام 1991.

كما تسيطر "تيجراي" على قوات الجيش، إذ أن نسبة 99% من ضباط قوات الدفاع الوطني من "تيجراي"، ونسبة 97% منهم من نفس القرية، فيما عدا رئيس الوزراء هايليميريام فإنه ينتمي إلى طائفة "وولايتا" التي تشكل معظم سكان منطقة الأمم والجنسيات والشعوب الجنوبية (SNNPR).

والفكر الذي تتبناه (EPRDF) في الحكم هو "الديموقراطية الثورية" وهي خليط من الفكر الماركسي والفكر المناطقي العرقي، وهو نظام يتطلب نوعا من الخضوع على الطريقة السوفيتية للدولة تحت قيادة "تيجراي"، وتدعو إلى المشاركة الاجتماعية و إلى الديموقراطية المركزية.

ويقع الإثيوبيون تحت حكم طائفة واحدة منذ عام 1991، وإذا كانت الاحتجاجات اليوم تأخذ منحى طائفي، فهي كذلك لأنها تتسم بالعرقية منذ البداية فالسياسة في إثيوبيا عرقية من الأساس.

وإحدى الطرق التي تقوم بها (EPRDF) بتكريس السلطة يكون عن طريق تكريس امتلاك الأراضي، أو عن طريق خطف الأراضي، الذي شكل المشكلة الأساسية في الصراع الحالي.

وعلى الرغم من أن مصادرة الأراضي عادة ما تتم عن طريق الشركات الأجنبية، إلا أن اللوم يعود في النهاية للحكومة، التي أعطت في عام 2009 الحق السيطرة الكاملة على الاسثمارات في 5000 هيكتار من الأراضي، مع الحق في مصادرة الأراضي لصالح المستثمرين، كما تعود أرباح كل هذه الاستثمارات والضرائب والبنية التحتية إلى (EPRDF) وكانت صفقات العقارات تتم في الماضي بمعرفة الحكومات الإقليمية التسعة في البلاد.

وتتخطى عمليات سيطرة الحكومة على الأراضي البعد الاقتصادي، إذ أنها عملية تهدف في النهاية إلى تحقيق استقلال "تيجراي" عن طريق (TPLF) التي تسيطر على (EPDRF)، إذ أن السيطرة على الأراضي تعد طريقة لتهميش وانتزاع قوة العرقيات الإثيوبية الأخرى، إذ تقع معظم المشروعات في مناطق بعيدة، تستمر الحكومة في القيام بعمليات الدمج والاستيعاب للعرقيات الأخرى فيها.

لذلك يمكن اعتبار الاعتداءات التي قام بها المتظاهرون على المزارع الإسرائيلية والهولندية والبلجيكية في أوائل سبتمبر لم تكن تهدف لمهاجمة مصالح الدول الأجنبية، ولكن لمهاجمة (EPRDF)، التي تهدف من خلال أجندتها الاقتصادية خلال الربع قرن الماضي التغطية على نواياها العرقية، وقد أحرزت بالفعل تقدما على صعيد الفقر والصحة.

ويرى البعض أن الخلافات العرقية ليست السبب الأساسي في الاحتجاجات الأخيرة، بل غياب العدالة الاقتصادية في توزيع الثروة، ولكن على اعتبار أن الاحتجاجات قد ضربت مدنا تنشط فيها الحياة الاقتصادية، فإن الأسباب الاقتصادية لا تعد المحرط الأساسي لهذه التظاهرات.

وهذا ما يشكل خطورة في التظاهرات الإثيوبية، التي تركز على قدرة الإثيوبيين على بناء دولة حديثة على أنقاض خطوط الصدع العرقية التي تم استغلالها على مدار قرون.

فجبهة (EPRDF) لم تستطع من خلال مبادئ الفيدرالية الإثنية والديموقراطية الثورية إلا تكرار أخطاء سابقيها، لكن بطرق مختلفة ولا تزال إثيوبيا غير قادرة على حل معضلة بناء دولة حقيقية، وتعد كارثة البلاد من الكوارث الوجودية.

وربما تحاول الحكومة التهدئة خلال الأسابيع القادمة من خلال إعادة توزيع الاستثمارات، إلا أن الأمر يتطلب إعطاء المزيد من الاهتمام بالمشكلات المؤسسية والفكرية في البلاد، التي يشكل سيطرة (TPLF) و"تيجراي" عليها أمرا أساسيا.